منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

المغرب.. الدفتيريا تحصد أرواح أطفال لم يتلقوا اللقاح

07 نوفمبر 2026
المغرب_-الدفتيريا-تحصد-أرواح-أطفال-لم-يتلقوا-اللقاح
المغرب_-الدفتيريا-تحصد-أرواح-أطفال-لم-يتلقوا-اللقاح

في حي سيدي عبد الله بمدينة سلا المغربية، فقدت أسرة طفلين في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بعد إصابتهما بالدفتيريا، وهو مرض يمكن الوقاية منه بالتطعيم، وبحسب ما نقلته وسائل إعلام محلية عن مصادر صحية، لم يتلقَّ الطفلان اللقاح المضاد للمرض، في حين سارعت الفرق الطبية إلى تتبع أكثر من 40 مخالطاً لهما واتخاذ إجراءات وقائية لمنع انتقال العدوى.

وراء وفاة الطفلين سؤال يتجاوز الإصابة بمرض معدٍ: ما الذي حال دون حصولهما على اللقاح؟ وهل تستطيع المنظومة الصحية الوصول إلى الأطفال الذين لم يتلقوا جرعاتهم أو لم يستكملوها، قبل أن يصبح المرض تهديداً لحياتهم؟

وتكتسب هذه الأسئلة أهمية مع تسجيل إصابات ووفيات أخرى منذ سبتمبر/أيلول 2026، بينها حالات في اشتوكة آيت باها واليوسفية والقصر الكبير، أعادت الدفتيريا إلى الواجهة بعد عقود من غياب الحالات المسجلة.

1-الدفتيريا في المغرب.. المرض يعود بعد عقود

مرض قابل للوقاية يعود إلى الظهور

في 28 سبتمبر/أيلول، أعلنت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية رصد بؤرتين عائليتين محدودتين في أكادير إداوتنان واشتوكة آيت باها، شملتا إصابة مؤكدة مخبريا وثماني حالات قيد التحقق، بينها حالتا وفاة. وأوضحت أن الأطفال المعنيين لم يتلقوا التطعيم أو لم يستكملوا جرعاته.

وبحلول نهاية أكتوبر/تشرين الأول، ارتفعت الحصيلة إلى نحو 30 إصابة مؤكدة مخبرياً، ونقلت وسائل إعلام مغربية عن جواد حمو، رئيس قسم الأمراض السارية بوزارة الصحة، تسجيل ثلاث وفيات، في حين أوردت تغطيات أخرى عنه حصيلة وفاتين.

وفي جهة طنجة تطوان الحسيمة، تحدثت تقارير محلية عن 25 حالة مشتبه بها وتعافي 14 مريضاً، ولا تعني حالات الاشتباه بالضرورة إصابات مؤكدة؛ إذ يتطلب تشخيص الدفتيريا فحوصاً مخبرية.

وتؤكد وزارة الصحة أن الوضع الوبائي مستقر، وأن الحالات المؤكدة متفرقة، مع استمرار التقصي والفحوصات وتتبع المخالطين.

2-لقاح مجاني.. وحق يجب أن يصل إلى كل طفل

مجانية اللقاح لا تضمن وصوله

تقول وزارة الصحة إن لقاحات البرنامج الوطني للتمنيع متوافرة مجاناً وبكميات كافية، ودعت الأسر إلى مراجعة دفاتر التطعيم واستكمال الجرعات الناقصة.
كما أعلنت توسيع الاستفادة من الجرعات التذكيرية، بعد إعطاء الأولوية للأطفال غير المطعمين أو الذين لم يستكملوا تلقيحهم.

ويربط المسؤول الصحي جواد حمو عودة المرض جزئياً بتراجع الإقبال على التطعيم، مشيراً إلى تأثير اضطرابات جائحة كورونا والمعلومات المضللة المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وأكد اعتماد بروتوكول صحي يشمل المؤسسات العامة والخاصة والعسكرية للكشف المبكر عن الحالات.

لكن توافر اللقاحات لا يكشف وحده أسباب عدم وصولها إلى بعض الأطفال، فمعرفة ما إذا كانت الأسر تواجه صعوبات جغرافية أو اجتماعية، أو تفتقر إلى المعلومات والمتابعة الصحية، تتطلب بيانات وتحقيقاً ميدانياً، لا افتراض مسؤوليتها عن عدم التطعيم.

فجوة البيانات تعوق الوقاية

تثير عودة الدفتيريا مسألة اكتمال بيانات التغطية بالتطعيم، ولا سيما الجرعات الأساسية، وتشير ملاحظات مرتبطة بتقديرات منظمة الصحة العالمية واليونيسف لعام 2025 إلى فجوات في البيانات المتعلقة بالجرعة الثالثة من اللقاح المضاد للدفتيريا، وهي نقطة تستدعي مطابقة السجلات الأصلية قبل اعتمادها مؤشراً على مستوى التغطية الفعلية.

وتتجاوز أهمية البيانات معرفة عدد الأطفال المطعمين وطنياً، إلى تحديد المناطق والفئات التي لم تستكمل الجرعات، ما يسمح بتوجيه حملات الاستدراك والمتابعة الصحية، فغياب المعلومات التفصيلية يجعل من الصعب التمييز بين طفل لم يتلقَّ اللقاح بسبب ضعف الوعي، وآخر تعذر وصوله إلى الخدمة، وثالث انقطع عن استكمال الجرعات.

الحق في الصحة يتجاوز توفير الجرعات

ينص الفصل 31 من الدستور المغربي على تعبئة الوسائل المتاحة لتيسير الاستفادة المتساوية من العلاج والعناية الصحية. وتكفل المادة 24 من اتفاقية حقوق الطفل حق الأطفال في أعلى مستوى صحي يمكن بلوغه، ومنه الوقاية من الأمراض.

ويقول المحامي والأكاديمي أحمد حمدي، في تصريح خاص لـ«صفر»، إن المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واتفاقية حقوق الطفل، تلزمان الدول باتخاذ التدابير اللازمة لإتاحة اللقاحات والخدمات الوقائية دون تمييز.

ويوضح أن مجانية التطعيم لا تكفي لإثبات ضمان الحق في الصحة، ما لم تقترن بإمكانية الوصول الفعلي والتوعية ومتابعة الأطفال غير المطعمين، مشدداً على أن وقوع إصابات أو وفيات لا يثبت تلقائياً مسؤولية قانونية على الدولة؛ إذ يتطلب تحديدها فحص أسباب عدم التطعيم ومدى توافر الخدمات وفاعلية الاستجابة الصحية.

التشخيص المبكر يحمي الأرواح

يوضح استشاري الأمراض المعدية الدكتور عبد الله العثمان، في حديث خاص لـ«صفر»، أن الدفتيريا عدوى بكتيرية يمكن الوقاية منها بالتطعيم، وأن عدم استكمال الجرعات الأساسية والمعززة يتيح عودة انتقال المرض، خصوصاً بين الأطفال غير المحصنين.

ويشير إلى أن تجمع الأطفال غير المطعمين وتراجع المناعة لدى بعض الفئات قد يسمحان بظهور حالات حتى في الدول التي حققت سابقاً تغطية مرتفعة بالتلقيح.

ويحذر العثمان من أن تأخر التشخيص والعلاج قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، بينها انسداد مجرى التنفس وتأثر القلب والأعصاب، مؤكداً ضرورة تعزيز الترصد الوبائي والتشخيص المبكر وحملات استكمال التطعيم وتوعية الأسر بالأعراض المشتبه بها.

3-وفاة طفلين في سلا.. أسئلة عن الوقاية

حماية الأطفال تبدأ قبل الإصابة

تكشف الوفيات المسجلة أن تقييم برامج التمنيع ينبغي ألا يتوقف عند مجانية اللقاح أو الحصيلة الوطنية للإصابات، بل يشمل قدرة الخدمات الصحية على اكتشاف الأطفال الذين فاتتهم الجرعات والوصول إليهم.

ولا تكفي الوقائع المتاحة لإثبات تقصير محدد في منطقة بعينها، لكنها تبرر المطالبة بتحقيق أسباب عدم تطعيم الأطفال المتوفين، ونشر بيانات التغطية بحسب المناطق، وتقييم فاعلية حملات الاستدراك.

صحيح أن الأسرة التي فقدت طفليها في سلا انتهت فرصة الوقاية أمامها، لكن الأطفال الآخرين تتوقف حمايتهم على إجراءات تسبق ظهور الأعراض؛ متابعة صحية تصل إلى غير المطعمين، وبيانات تكشف فجوات التغطية، وآليات تتيح للأسر الحصول على الخدمة دون معوقات. ويبقى معيار المساءلة الأهم قدرة الجهات الصحية على تحديد الأطفال الذين لم تصلهم اللقاحات، وإعلان ما اتخذته لضمان ألا يتحول مكان السكن أو ضعف المتابعة إلى خطر يمكن تجنبه على حياتهم.