أندريه سبايسر*
قد يترتب على المقترحات الجديدة لتعزيز الشفافية في الأجور آثار غير متوقعة، إذ يمكن أن تؤدي إلى تراجع حافز العاملين، وتنامي شعورهم بالاستياء، وزيادة احتمالات تركهم وظائفهم.
هل ترغب في معرفة ما يتقاضاه زملاؤك في العمل؟ إذا نجحت مفوضية المساواة وحقوق الإنسان في تمرير مقترحاتها، فسيصبح بإمكانك معرفة ذلك، فبموجب هذه المقترحات، سيتمكن العاملون من طلب معلومات تفصيلية عن الرواتب والمكافآت والمزايا الأخرى التي يحصل عليها زملاؤهم.
ترى الهيئة الحكومية أن تعزيز الشفافية في الأجور يمكن أن يسهم أيضاً في تقليص فجوة الأجور بين الرجال والنساء، غير أن الدول التي طبقت هذا النموذج اكتشفت أن له جوانب سلبية أيضاً.
بدأت فجوة الأجور بين الرجال والنساء في الانحسار مع إقرار تشريعات المساواة في الأجور في بريطانيا خلال سبعينيات القرن الماضي، ثم مع انتقال مزيد من النساء إلى المهن التي كان يهيمن عليها الرجال في الثمانينيات والتسعينيات، واليوم، تتقاضى النساء في المملكة المتحدة أجوراً تقل في المتوسط بنحو 6.8% عمّا يتقاضاه الرجال.
دفع ذلك صانعي السياسات إلى التساؤل عمّا يمكن اتخاذه من إجراءات إضافية، ومن بين التدابير التي اعتمدتها عشرات الدول تطبيق أشكال مختلفة من الشفافية في الأجور.. تقوم الفكرة على أن إتاحة الفرصة للأفراد لمعرفة ما يتقاضاه الآخرون ستسلط الضوء على أوجه عدم المساواة الواضحة، وتخلق في نهاية المطاف ضغطاً مجتمعياً يدفع إلى إزالتها.
واعتمدت دول كثيرة صيغاً مختلفة من قوانين الشفافية هذه، فمنذ عام 2010، أصبحت المؤسسات التي يعمل بها أكثر من 250 موظفاً في المملكة المتحدة ملزمة بنشر بيانات فجوة الأجور بين الجنسين. وفي قطاعات مثل التعليم العالي، يتعين على أصحاب العمل نشر تقرير يوضح التوزيع بين الجنسين للعاملين الذين تتجاوز رواتبهم 100 ألف جنيه إسترليني سنوياً.
حققت هذه الأنواع من قوانين الشفافية تقدماً ملموساً، فقد توصلت إحدى الدراسات الأمريكية إلى أن تطبيق نظام الإبلاغ عن فجوة الأجور بين الجنسين في المملكة المتحدة أدى إلى انخفاض هذه الفجوة بنسبة 19%، غير أن الدراسة وجدت أيضاً أن هذا الانخفاض تحقق إلى حد كبير نتيجة الحد من نمو أجور الرجال، وليس من خلال تحفيز زيادة أجور النساء.
وفي قطاع الجامعات البريطانية، تبدو الصورة مختلفة بعض الشيء، فبعد إقرار شرط الإبلاغ عن رواتب من يتقاضون أكثر من 100 ألف جنيه إسترليني سنوياً عام 2007، سُجلت زيادة طفيفة في دخول النساء مقارنة بالرجال، إلا أن المستفيدات من ذلك كن في الأساس النساء اللاتي يشغلن وظائف مرتفعة الأجر، واستطعن الاستفادة من شفافية الأجور في التفاوض للحصول على حزم مالية أفضل.
وخارج المملكة المتحدة، أسهمت زيادة الشفافية في الأجور أيضاً في تحسين الصحة النفسية للنساء بصورة ملحوظة، فقد وجدت دراسة دنماركية أنه عقب تطبيق قوانين الشفافية في الأجور، تراجع عدد النساء اللاتي وُصفت لهن أدوية مضادة للاكتئاب.
ومع ذلك، هناك جوانب لم تنجح قوانين الشفافية في تغييرها، من بينها ما يُعرف بالفرز المهني، وهو ميل الرجال إلى الالتحاق بالمهن الأعلى أجراً، مثل الهندسة والتمويل، مقابل اتجاه النساء إلى المهن الأقل أجراً، مثل التمريض والتدريس.
وقد سمح تطبيق قوانين الشفافية للأفراد بالاطلاع بوضوح على متوسط الأجور في المهن المختلفة، لكن هذه المعلومات لا يبدو أنها غيرت قراراتهم بشأن المهن التي يختارون العمل بها.
وعقب تطبيق قوانين الشفافية في الأجور بالدنمارك، تراجعت الأجور بوجه عام، نتيجة تباطؤ نمو أجور الرجال، مقابل ارتفاع طفيف في أجور النساء، ومن الجوانب الأخرى التي لم تغيرها هذه القوانين مستويات الإنتاجية الإجمالية في الاقتصاد، إذ أصبح العاملون ينتجون أقل قليلاً، لكنهم كانوا يتقاضون أجوراً أقل أيضاً مقابل ذلك.
وبالنظر إلى النجاح الذي حققته قوانين فجوة الأجور بين الجنسين في تقليص عدم المساواة، يسعى صانعو السياسات في المملكة المتحدة الآن إلى توسيع نطاق الشفافية بصورة أكبر، فبدلاً من الاكتفاء بمطالبة أصحاب العمل بنشر بيانات فجوة الأجور بين الجنسين، تقترح مفوضية المساواة وحقوق الإنسان حالياً منح الموظفين الحق في طلب تفاصيل عن رواتب أفراد آخرين ومكافآتهم وتقييمات أدائهم.
وقد جرى بالفعل تطبيق هذا النوع من الشفافية على المستوى الفردي في عدد من القطاعات حول العالم، فقد أتاحت الجامعات الكندية، والقطاع العام في ولاية كاليفورنيا، ودول الشمال الأوروبي، الاطلاع على مستويات الدخل الفردية للعاملين، وأسهم ذلك في تعزيز المساواة في الأجور بصورة أكبر.
وقد وجدت دراسة لقطاع الجامعات الكندية أن الشفافية في الأجور على المستوى الفردي أدت إلى خفض فجوة الأجور بين الجنسين بنسبة تراوحت بين 20% و40%، كما توصلت دراسة شملت 100 ألف عالم أمريكي إلى أن إتاحة المعلومات عن الأجور الفردية أدت إلى تقليص عدم المساواة في الأجور بين الجنسين، كذلك أسهم تطبيق الشفافية الفردية في النرويج في تضييق فجوة الأجور، لكن الفائدة الأكبر عادت على النساء اللاتي غيّرن وظائفهن، واستطعن استخدام المعلومات المتعلقة بالأجور للبحث عن وظائف أفضل أجراً والتفاوض بشأنها.
لكن الشفافية في الأجور على المستوى الفردي قد تترتب عليها أيضاً نتائج أقل إيجابية، فقد وجدت الدراسة الخاصة بالعلماء الأمريكيين أنها أضعفت الصلة بين الأجر والأداء، إذ أصبح العلماء الذين يقل إنتاجهم بدرجة كبيرة عن زملائهم أكثر عرضة لتقاضي أجور تقارب ما يحصل عليه زملاؤهم الأعلى إنتاجية.
كما وجدت دراسة تناولت كبار المديرين في القطاع العام بولاية كاليفورنيا أن الشفافية في الأجور أدت إلى انخفاض إجمالي الرواتب بنحو 7%، وارتفاع معدلات ترك الوظائف بنسبة 75%.
وتوصلت دراسة أخرى أجريت في الجامعات الأمريكية إلى أنه عندما أصبح أعضاء هيئات التدريس على علم بأجور زملائهم، زاد شعور الذين يتقاضون أجوراً تقل عن المتوسط بعدم الرضا عن وظائفهم، وأصبحوا أكثر ميلاً للبحث عن فرص عمل أخرى، وفي المقابل، لم تؤثر المعلومات نفسها في مستوى رضا أصحاب الدخول الأعلى عن وظائفهم.
وأشارت دراسة حديثة اعتمدت على النمذجة إلى أن زيادة الشفافية في الأجور قد تؤدي إلى تصاعد المقارنات الاجتماعية غير الصحية، بما قد يثير مشاعر الغضب والحسد بين زملاء العمل.
تنطوي قوانين الشفافية الأكثر صرامة في الأجور على مفاضلة حقيقية بين مكاسب وخسائر محتملة، فمن المرجح أن تجعل هذه القوانين أجور النساء والرجال أكثر تقارباً إلى حد ما، لكنها قد تضعف أيضاً الصلة بين الأداء والأجر، وتؤجج مشاعر الاستياء لدى أصحاب الدخول الأقل، وترفع معدلات ترك العاملين لوظائفهم، وربما تؤدي إلى انخفاض الأجور بوجه عام.
وتوفر إعلانات الوظائف التي تتضمن نطاقات الرواتب، إلى جانب البيانات المنشورة عن فجوة الأجور بين الجنسين، المعلومات التي يحتاج إليها الموظفون لاكتشاف أوجه عدم الإنصاف، لكن هناك فرقاً بين امتلاك القدرة على الاعتراض على نظام غير عادل، وبين معرفة ما يتقاضاه كل زميل في العمل، فبعض أشكال إتاحة المعلومات قد تؤدي في الواقع إلى تراجع الثقة، وقد تكون إتاحة سجلات الرواتب للجميع أحد هذه الأشكال.
*نقلا عن الغارديان
*ترجمة: زينب مكي
