كانت عائشة – ذات الأعوام الخمسة- نائمة إلى جوار والدتها أميرة في منزلهما بشمال أم درمان، حين حوّل انفجار ليلي حياة الأسرة إلى مأساة. قُتل والدها وشقيقان لها وفقدت الطفلة أحد أطرافها، بينما أصيبت والدتها الحامل بكسور وجروح بالغة وهي تحاول حمايتها.
تقول أميرة، في شهادة نشرتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» في 13 أكتوبر/تشرين الأول 2026، إن ابنتها تأخرت في الحصول على الرعاية المتخصصة بسبب ضعف الإمكانات الطبية. واليوم تتعلم عائشة المشي بطرف صناعي في مركز كرري، وتتلقى دعما نفسيا، لكنها لا تزال تفزع من الأصوات المرتفعة وتخشى الابتعاد عن والدتها.
تختصر قصتها مأساة أطفال السودان الذين تتعرض حقوقهم في الحياة والصحة والتعليم والحماية لانتهاكات متواصلة، وسط حرب دفعت الملايين إلى النزوح والجوع، وتركت آخرين عرضة للتجنيد والاستغلال.

أطفال في مرمى القصف
وثّقت يونيسف مقتل أو إصابة أكثر من 400 طفل خلال الأشهر التسعة الأولى من 2026، بينهم 245 في الربع الأول و330 على الأقل حتى نهاية يونيو/حزيران.
وتؤكد المنظمة أن الحصيلة الفعلية قد تكون أعلى بسبب صعوبة الوصول إلى مناطق القتال.
وشهدت كردفان ودارفور هجمات طالت أحياء سكنية وأسواقاً ومواقع للنازحين. ففي فبراير/شباط قُتل 15 طفلا على الأقل في ضربة على مخيم بالسنوط، وفي سبتمبر/أيلول قُتل طفل وأصيب 12 آخرون في مأوى للنازحين بمدينة الأبيض. وتواصلت الهجمات خلال أكتوبر/تشرين الأول، مخلفة ضحايا أطفالا في غرب كردفان والخرطوم ونيالا.
وتحذر أنجيلا كيرني، ممثلة يونيسف في السودان، من أن النزوح والعودة إلى المنازل لم يعودا يوفران الحماية للأسر. وتؤكد المديرة الإقليمية للمنظمة إتليفا كاديلي ضرورة حماية الأطفال من العنف الذي يلاحقهم في تفاصيل حياتهم اليومية.
وتستوجب الهجمات التي تصيب المدنيين التحقيق في مدى احترام قواعد التمييز والتناسب والاحتياطات الواجبة بموجب القانون الدولي الإنساني، ومحاسبة المسؤولين عن أي جرائم تثبتها التحقيقات.

النزوح والجوع.. حقوق مهددة
تقدر يونيسف نزوح نحو 15 مليون سوداني داخل البلاد وخارجها، بينهم قرابة خمسة ملايين طفل، فيما يحتاج 17.3 مليون طفل إلى مساعدات إنسانية، ويهدد النزوح حق الأطفال في الحماية ولمّ الشمل والتعليم، خصوصا مع تكرار الانتقال وانفصال بعضهم عن أسرهم وافتقار مواقع الإيواء إلى الخدمات الأساسية.
وتتوقع يونيسف إصابة 825 ألف طفل دون الخامسة بسوء التغذية الحاد الوخيم خلال 2026، بزيادة 7% على العام السابق. وتحذر مديرتها التنفيذية كاثرين راسل من وفاة مزيد من الأطفال إذا تعذر إيصال الغذاء العلاجي والمساعدات.
في مستشفى البلك بأم درمان، وصلت سلين، البالغة 18 شهرا، مصابة بسوء تغذية حاد وحمى شديدة. وتروي والدتها وصيلة أن طفلتها توقفت عن تناول الطعام، قبل أن تستعيد قدرتها على المشي واللعب بعد خمسة أيام من العلاج.
وتكشف نجاتها أهمية ضمان الحق في الصحة والغذاء، في بلد لا يستطيع فيه أطفال كثيرون الوصول إلى العلاج.

التعليم والتجنيد.. مستقبل مهدد
بحسب يونيسف، يوجد أكثر من ثمانية ملايين طفل سوداني خارج المدارس، بينهم نحو 4.1 مليون فتاة، فيما خرجت مبان مدرسية كثيرة عن الخدمة بسبب القتال والنزوح.
ووثّقت الأمم المتحدة أكثر من 67 هجوماً على مدارس منذ 2024، وأكثر من 154 حالة استخدام عسكري لها، وفي سبتمبر/أيلول 2026، أتلفت ضربات في شمال كردفان أكثر من 330 ألف مادة تعليمية، بينها كتب مدرسية.
ويمتد الخطر إلى تجنيد الأطفال. فقد تحقق تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الصادر في يونيو/حزيران 2026 من 1889 انتهاكا جسيما بحق 1681 طفلا خلال 2025، بينها تجنيد واستخدام 63 فتى، ونسب هذه الممارسات إلى القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع وجماعات حليفة.
ويصف الحقوقي السوداني عبدالمنعم أبو إدريس، في تصريح خاص لـ«صفر»، تجنيد الأطفال بأنه «قبر لمستقبلهم»، محذرا من تحويلهم إلى جيل اعتاد العنف. ويدعو إلى إنهاء التجنيد وإعادة التأهيل والإدماج في التعليم الأكاديمي والمهني، مع تطوير آليات الرصد والضغط على الأطراف المسلحة.
ويؤكد المحامي والحقوقي صالح محمود عثمان، في تصريح خاص للمنصة، أن بعض الأطفال يُدفعون قسرا إلى مهام خطرة، بينها التعامل مع المتفجرات، وأن حماية الطفولة تتطلب مساءلة المنتهكين وبرامج طويلة الأمد لإعادة الإدماج، إلى جانب دور الإعلام في التوعية.
ويحظر البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل تجنيد الجماعات المسلحة لمن هم دون الثامنة عشرة أو استخدامهم في الأعمال العدائية، بينما يعد نظام روما الأساسي تجنيد الأطفال دون الخامسة عشرة أو استخدامهم للمشاركة الفعلية في الأعمال العدائية جريمة حرب.
الفتيات والصدمات النفسية
تواجه الفتيات مخاطر إضافية تشمل العنف الجنسي والاستغلال والزواج القسري. وقد تحققت الأمم المتحدة من تعرض 193 طفلا للعنف الجنسي خلال 2025، معظمهم فتيات.
كما وثقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان 546 حادثة عنف جنسي مرتبطة بالنزاع منذ اندلاع الحرب، شملت 838 ضحية، بينهم 284 فتاة وسبعة فتيان. وحذر المفوض السامي فولكر تورك من استخدام العنف الجنسي سلاحا في الحرب.
وتترك الهجمات آثارا نفسية عميقة. وقدمت يونيسف خدمات الدعم النفسي والاجتماعي إلى 940700 طفل ومقدم رعاية خلال النصف الأول من 2026، بينما تحدث تورك عن أطفال فقدوا السمع أو القدرة على التفاعل الطبيعي نتيجة القصف والصدمات.
فجوة الحماية والمساءلة
طلبت يونيسف نحو 962.9 مليون دولار لعملياتها في السودان خلال 2026، لكنها لم تحصل حتى نهاية يوليو/تموز إلا على 352.2 مليون دولار، بفجوة تمويلية بلغت 63%. ورغم وصول خدماتها التعليمية إلى 1.3 مليون طفل، وإيصال ملايين جرعات اللقاح إلى مناطق معزولة، تظل الاحتياجات أكبر من الاستجابة.
وتطالب الأمم المتحدة أطراف النزاع بوقف الهجمات على المدنيين والمدارس والمستشفيات، وإطلاق الأطفال المجندين، وتيسير وصول المساعدات. ودعت الممثلة الخاصة للأمين العام المعنية بالأطفال والنزاع المسلح، فانيسا فرايزر، إلى إنهاء الأعمال العدائية والإفراج عن الأطفال المستخدمين في القتال.
ويؤكد الرئيس التنفيذي السابق لمكتب يونيسف في السودان شيلدون ييت أن أطفال دارفور يحتاجون إلى تحرك دولي عاجل، لا إلى التعاطف وحده.
أما الموقف الرسمي المباشر من الوقائع المحددة، سواء من القوات المسلحة السودانية أو قوات الدعم السريع، فلا تتضمن المادة المتاحة ردا موثقا عنه، ما يستدعي استكماله قبل النشر.
وبين عائشة التي تتعلم المشي مجدداً وسلين التي نجت من الجوع، تتجاوز مسؤولية حماية الأطفال وقف إطلاق النار إلى ضمان العلاج والتأهيل والتعليم ولمّ شمل الأسر ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، ويبقى الاختبار الأبعد هو إنشاء آليات تضمن ألّا تتحول إصابات الأطفال وسنوات تعليمهم الضائعة إلى حرمان دائم من حقوقهم ومستقبلهم.
