منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

مصر.. ثمانية أعوام من انتظار الترخيص تنتهي بحكم لإغلاق “مدى مصر”

31 أكتوبر 2026
مصر.. ثمانية أعوام من انتظار الترخيص تنتهي بحكم لإغلاق "مدى مصر"
مصر.. ثمانية أعوام من انتظار الترخيص تنتهي بحكم لإغلاق "مدى مصر"

بعد صدور الحكم بإغلاق موقع “مدى مصر” في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، اقتيدت رئيسة تحريره لينا عطا الله إلى الاحتجاز، وظلت أكثر من سبع ساعات تنتظر الإفراج عنها حتى سداد غرامة بلغت ثلاثة ملايين جنيه مصري نحو 53.4 ألف دولار. وخلال استكمال الإجراءات، علم دفاعها بوجود حكم غيابي سابق بحبسها عاماً في قضية أخرى.

بالنسبة إلى عطا الله وفريق الموقع، لم يكن الحكم نهاية جلسة قضائية فحسب، بل تهديد لاستمرار مؤسسة صحفية مستقلة تأسست عام 2013، وتواجه الحجب داخل مصر منذ مايو/أيار 2017.

وقضت محكمة جنح القاهرة الجديدة بتغريم عطا الله وإغلاق الموقع ومصادرة معداته، بتهمة تشغيله دون ترخيص، رغم تأكيد نقابة الصحفيين أن المؤسسة تقدمت بطلب الترخيص قبل ثمانية أعوام دون تلقي قرار رسمي مسبب.

ترخيص معلق ومحاكمة متعجلة

بحسب مذكرة نقابة الصحفيين، تقدم “مدى مصر” بطلب ترخيص في أكتوبر/تشرين الأول 2018، وسدد الرسوم المقررة، ثم أعاد التقدم في أغسطس/آب 2020، دون الحصول على رد رسمي. وعلم برفض طلبه خلال تحقيقات عام 2022، قبل أن يلجأ إلى القضاء الإداري ويقدم مستندات إضافية.

وتلزم قواعد الترخيص الجهة المختصة بالبت في الطلب خلال 90 يوماً وإخطار صاحبه بالقرار وأسبابه، وفق ما تستند إليه النقابة.

وفي 19 أكتوبر/تشرين الأول 2026، استُدعيت عطا الله إلى نيابة أمن الدولة العليا، وخضعت بعد يومين لتحقيق تناول اتهامات بإدارة موقع دون ترخيص و نشر أخبار كاذبة، وأُخلي سبيلها بكفالة قدرها 100 ألف جنيه مصري نحو 1800 دولار.

وأُحيلت إلى المحاكمة في 22 أكتوبر/تشرين الأول، ليصدر الحكم بعد خمسة أيام، خلال جلسة واحدة.

واستند الحكم إلى المادة 105 من قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018 التي تقرر غرامة تتراوح بين مليون وثلاثة ملايين جنيه، وتجيز الإغلاق ومصادرة المعدات.

ويقول حسام بهجت، مدير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، إن المحكمة رفضت طلبات الدفاع للاطلاع على الأوراق واستدعاء الشهود، وعينت محامياً آخر بعد امتناع هيئة الدفاع عن المرافعة احتجاجاً على الإجراءات، وانتقدت “هيومن رايتس ووتش” مسار المحاكمة، في حين أثار منع صحفيين ودبلوماسيين من حضور الجلسة تساؤلات بشأن علنيتها.

وأوضح المحامي نبيه الجنيدي لـ”صفر” أن المحكمة اشترطت سداد الغرامة كاملة للإفراج عن عطا الله، رغم موافقتها الأولية على تقسيطها. وأضاف أن الدفاع استأنف الحكم، وأن الإغلاق والمصادرة لم يُنفذا حتى وقت تصريحه.

حرية الصحافة أمام سلطة الترخيص

تكفل المواد 65 و70 و71 من الدستور المصري حرية التعبير والصحافة، وتحظر المادة 71 إغلاق وسائل الإعلام ومصادرتها، مع استثناءات دستورية محددة تتعلق بالرقابة في زمن الحرب أو التعبئة العامة. كما تحمي المادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية حرية تلقي المعلومات ونقلها، وتخضع القيود لمعايير المشروعية والضرورة والتناسب.

ويرى حقوقيون أن الجمع بين أقصى غرامة والإغلاق والمصادرة، في نزاع يتعلق بطلب ترخيص معلق، يثير إشكالات تتعلق بالتناسب وضمانات المحاكمة العادلة.

ويطالب نقيب الصحفيين خالد البلشي، في تصريح خاص لـ«صفر»، برفع الحجب عن المواقع، ومراجعة شروط الترخيص بما يناسب الإعلام الرقمي، وفتح حوار مؤسسي مع النقابة، مؤكداً ضرورة إصدار قرارات إدارية واضحة ومسببة بشأن الطلبات.

أما المفوضية المصرية للحقوق والحريات، فتحذر من تهديد وظائف العاملين وأجورهم وتأميناتهم الاجتماعية، وتطالب بمراجعة العقوبات التي تجيز إغلاق المواقع ومصادرة معداتها. وتشير إلى أن صحفيي “مدى مصر” دفعوا نحو 177 ألف جنيه مصري نحو 3159 دولار كفالات خلال ست سنوات من الملاحقات.

“متصدقش”.. ملاحقات تطول الصحفيين

تزامنت القضية مع احتجاز ستة صحفيين من منصة “متصدقش” منذ سبتمبر/أيلول 2026، وهم محمد أشرف أبو عميرة، وعبد الله قدري، وإسلام بركات، وعمر هلال، ومحمد محمود، ومحمد عادل.

وبحسب المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، احتُجز الصحفيون عدة أيام دون تمكين أسرهم من معرفة أماكنهم. وأرسلت أسرة أبو عميرة 17 برقية للاستفسار عنه، في حين نقل محاموه مخاوف تتعلق بحالته الصحية.

ونقل الدفاع عن الصحفيين ادعاءات تعرضهم للضرب والصعق بالكهرباء والإكراه على الاعتراف. في المقابل أعلنت النيابة العامة أن فحوصاً طبية لثلاثة متهمين لم تثبت إصابات أو آثار عنف.

وتتهم السلطات الصحفيين بالانضمام إلى جماعة إرهابية و نشر أخبار كاذبة وتلقي تمويل أجنبي، مستندة إلى تحريات ومراسلات وتحويلات مالية قالت إنها مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين. وتنفي المنصة ومؤسسها عبد الرحمن منصور هذه الاتهامات، ويطعن الدفاع في الأدلة والأقوال المنسوبة إلى المحتجزين.

وتصف عضوة مجلس نقابة الصحفيين إيمان عوف الأثر النفسي للاحتجاز على الصحفي عبد الله قدري وأسرته، في حين تحذر لجنة حماية الصحفيين من اتساع الخوف والرقابة الذاتية داخل غرف الأخبار.

مواقف رسمية وحقوقية

لم يصدر تعليق رسمي محدد من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام على حكم “مدى مصر” أو مصير طلب الترخيص. وتؤكد السلطات عموماً ضرورة التزام المؤسسات الإعلامية بالقانون ومتطلبات الأمن القومي، في حين أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي استعداد الحكومة لتقبل النقد، ودعا إلى اجتماع لتطوير المنظومة الإعلامية في ديسمبر/كانون الأول 2026.

وطالبت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية والمفوضية المصرية للحقوق و الحريات و”لجنة العدالة” ومؤسسة دعم القانون والديمقراطية بإلغاء الحكم ووقف الملاحقات، وشاركت الجبهة المصرية لحقوق الإنسان والمنبر المصري ومؤسسة سيناء و”إيجيبت وايد” في تحرك حقوقي أوسع ضم 130 منظمة.

كما انتقدت «مراسلون بلا حدود» ولجنة حماية الصحفيين و«هيومن رايتس ووتش» والمعهد الدولي للصحافة والاتحاد الدولي للصحفيين ومنظمة «المادة 19» الإجراءات، في حين دعت منظمة العفو الدولية، على لسان ياسمين أحمد، إلى وقف استهداف الصحافة المستقلة.

وطالب الاتحاد الأوروبي، عبر متحدثه أنور العنوني، بحماية الإعلام المستقل، وانتقد عضو الكونغرس الأمريكي دون باير الحكم، في حين حذرت صحفيات من «درج» و«المنصة» و«زاوية ثالثة» من تزايد المخاطر المهنية. ويأتي ذلك وسط مطالبات حقوقية بمراجعة التشريعات، في غياب تحرك برلماني معلن بشأن القضيتين وفق التقرير.

من يراقب قرارات الترخيص؟

تواجه “مدى مصر” مسارين قضائيين، أحدهما استئناف الحكم الأخير، والآخر معارضة حكم غيابي سابق حُدد لنظرها 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، إلى جانب مسار إداري يتعلق بالترخيص. لكن القضية تطرح مسؤولية مؤسسية تتجاوز مصير الموقع؛ فحين يتأخر حسم طلب ترخيص لسنوات، ثم يُستخدم غياب الترخيص أساساً لعقوبة جنائية، يصبح من الضروري تحديد الجهة المسؤولة عن التأخير، وإلزامها بإعلان أسباب قراراتها وإتاحة الطعن فيها.

وتبدأ حماية حرية الصحافة من ضمان ألا يظل حق المؤسسة في العمل رهينة ملف إداري مفتوح بلا أجل، وألا يتحمل الصحفيون والعاملون ثمن قرارات لا يملكون إصدارها أو تسريعها.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان