في الثالث من ديسمبر/كانون الأول 2024، صدر حكم بسجن رجلين عاماً واحداً في مدينة الكاف شمال غربي تونس، بتهمة إقامة علاقة مثلية استناداً إلى الفصل 230 من المجلة الجزائية، وقبل مثولهما أمام المحكمة، كان الرجلان قد خضعا لفحص شرجي قسري، وفق ما وثقته منظمة العفو الدولية.
حدث ذلك بعد أكثر من سبع سنوات على تعهد تونس أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بعدم فرض هذه الفحوص بالقوة، جسدياً أو معنوياً، والتأكيد أن رفض الخضوع لها لا يجوز اعتباره دليلاً ضد الشخص المعني.
تكشف القضية عن فجوة تتجاوز مخالفة تعهد رسمي، إلى استخدام الجسد في إجراءات جنائية تقول هيئات حقوقية وطبية إنها تفتقر إلى الأساس العلمي وتنتهك الكرامة والسلامة الجسدية.

ملاحقات تتسع
وثقت الجمعية التونسية للعدالة والمساواة «دمج» اعتقال واحتجاز وملاحقة ما لا يقل عن 84 شخصاً بين 26 سبتمبر/أيلول 2024 و31 يناير/كانون الثاني 2025، في تونس العاصمة والحمامات وسوسة والكاف، أغلبهم من الرجال المثليين والنساء العابرات، بحسب منظمة العفو الدولية. ويقدر الناشط في الجمعية سيف عيادي أن العدد الفعلي يتجاوز الرقم الموثق بثلاثة أضعاف على الأقل.
ويعاقب الفصل 230 من المجلة الجزائية التونسية العلاقات المثلية بالسجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات. وتقول منظمة العفو الدولية إن الرجال المتهمين بموجب هذا الفصل يخضعون بصورة روتينية لفحوص شرجية قسرية يجريها أطباء، وتستخدم نتائجها بوصفها أدلة في الملاحقات.
وامتدت الضغوط، وفق المنظمة، إلى ناشطين في جمعية «دمج» استُدعوا للتحقيق مراراً خلال أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني 2024، في حين تواجه إحدى الناشطات تهماً مرتبطة بعملها الحقوقي.
ولا تنحصر مسألة الفحوص التدخلية في الرجال المتهمين بعلاقات مثلية. فقد حذرت منظمة الصحة العالمية وهيئة الأمم المتحدة للمرأة والمفوضية السامية لحقوق الإنسان، في بيان مشترك صدر في أكتوبر/تشرين الأول 2018، من فحوص العذرية التي قد تخضع لها النساء والفتيات، مؤكدة افتقارها إلى أي أساس علمي وعدم قدرتها على إثبات التاريخ الجنسي.
ورغم اختلاف سياق الفحصين ومستوى توثيق الممارسات الراهنة في تونس، فإنهما يثيران سؤالاً مشتركاً بشأن إخضاع الجسد لإجراءات تنتهك خصوصيته وكرامته باسم الإثبات أو الحكم الأخلاقي.

تحذيرات سبقت التعهد
في مايو/أيار 2016، أعربت لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب عن قلقها من إخضاع أشخاص في تونس لفحوص شرجية بأوامر قضائية، ومن قبول بعضهم بها تحت تهديد الشرطة، ومنه إيهامهم بأن الرفض سيُفسر قرينة إدانة. وأشارت اللجنة أيضاً إلى تقارير عن إجراء فحوص مهبلية أحياناً دون موافقة.
وأوصت تونس بإلغاء الفصل 230، وحظر الفحوص الطبية التدخلية التي لا مبرر طبياً لها، مع ضمان احترام الموافقة الحرة والمستنيرة.
وفي الثالث من أبريل/نيسان 2017، اعتبر المجلس الوطني لعمادة الأطباء في تونس أن الفحوص الشرجية أو التناسلية القسرية الرامية إلى إثبات ممارسات جنسية دون موافقة حرة ومستنيرة تمس الكرامة الإنسانية. ودعا الأطباء إلى إبلاغ الأشخاص بحقهم في رفضها، مؤكداً أن دور الطبيب أمام القضاء استشاري وتقني، وليس تنفيذياً.
وجاء التعهد الحكومي في 21 سبتمبر/أيلول 2017، خلال الاستعراض الدوري الشامل لملف تونس أمام مجلس حقوق الإنسان في جنيف. فقد قبلت البلاد 189 توصية من أصل 248، بينها توصية بإنهاء الفحوص الشرجية القسرية، دون قبول التوصية بإلغاء الفصل 230.
وقال الوزير آنذاك مهدي بن غربية إن هذه الفحوص لم يعد ممكناً فرضها بالقوة الجسدية أو المعنوية أو دون موافقة الشخص، وإن من حقه رفضها دون اعتبار الرفض دليلاً على المثلية. كما تعهد بحماية الأقلية الجنسية من الوصم والتمييز والعنف، لكنه لم يحدد موعداً لتنفيذ التعهد، وأبقى للقضاة صلاحية طلب الفحص مع إتاحة رفضه.

موافقة تحت التهديد
بعد تسع سنوات على ذلك التعهد، تقول لينا العش، الناشطة النسوية والمدافعة عن حقوق مجتمع الميم في تونس، إن القانون الجزائي ما زال يتضمن قيوداً على الحريات الجنسانية ضمن مقاربة تتعامل معها باعتبارها “جرائم أخلاقية”.
وتوضح العش، في تصريح لـ«صفر»، أن الموافقة الحرة والمستنيرة شرط لأي فحص طبي، لكن الحديث عنها يصبح موضع شك حين يُطلب الفحص لإثبات ممارسة قد تؤدي إلى تجريم الشخص وسجنه.
وتشير إلى شهادات تكشف تعرض أشخاص للإكراه الجسدي والتهديد بالعنف أو السجن، أو عدم إبلاغهم بحقهم في الرفض، في حين قد يقبل آخرون الفحص خوفاً من العقوبة أو اعتقاداً بأن الموافقة ستقود إلى إطلاق سراحهم.
وترى أن الموافقة الشكلية في هذه الظروف لا تكفي لاعتبار الرضا حراً، وأن الفحوص قد ترقى إلى التعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وتترك آثاراً نفسية طويلة نتيجة الإذلال وانتهاك الخصوصية وفقدان الشعور بالأمان.
من جهته، يقول سيف عيادي، الناشط الحقوقي وعضو جمعية «دمج»، لـ«صفر»، إن الانتهاكات المرتبطة بالحقوق الجسدية والجنسية تتخذ أشكالاً متعددة، تشمل الفحوص الشرجية القسرية وفحوص العذرية، وكذلك تحاليل بولية مرتبطة بتعاطي المخدرات قد تُجرى في ظروف تنتهك الخصوصية والكرامة.
ويشدد على أن أي فحص طبي يجب أن يستند إلى موافقة حرة ومستنيرة، وألا يتحول إلى وسيلة للإكراه أو العقاب أو التمييز بسبب النوع الاجتماعي أو التوجه الجنسي أو غيرهما.
الطب الشرعي وحدود السلطة على الجسد
اطلعت «صفر» على المبادئ التوجيهية التي وضعها المجلس الأوروبي للطب الشرعي، والمنشورة في المجلة الدولية للطب الشرعي عام 2018، لتوحيد إجراءات فحص ضحايا الاعتداء الجنسي، بالاستناد إلى مراجع منها إرشادات منظمة الصحة العالمية.
وتشترط الوثيقة أن يشرح الطبيب الشرعي للشخص خطوات الفحص وأسبابها، وأن يبلغه بحقه في رفض أي جزء منه أو إيقافه. وتؤكد عدم جواز إجباره إذا رفض، وضرورة أن يستند التقرير الطبي إلى استدلال علمي لا إلى قناعة شخصية.
هذه الإرشادات مخصصة أصلاً لفحص ضحايا الاعتداء الجنسي، وليست تنظيماً للفحوص المستخدمة في ملاحقات الفصل 230، لكن المقارنة تكشف مفارقة حقوقية: إذا كان رفض الفحص حقاً مكفولاً لمن يلجأ إلى الطب الشرعي لتوثيق اعتداء تعرض له، فكيف يمكن اعتبار الموافقة حرة عندما يُطلب فحص يفتقر إلى القيمة العلمية من شخص يواجه الملاحقة والسجن؟
بين بيان عمادة الأطباء وتعهد الحكومة عام 2017 وقضية الكاف أواخر 2024، لم تعد المسألة مقتصرة على إعلان حق الشخص في الرفض، فالاختبار الحقيقي هو ضمان ألا يتعرض للإكراه، وألا يتحول رفضه إلى قرينة ضده، وألا يُستخدم جسده أصلاً وسيلة لإثبات اتهام لا يملك الفحص أساساً علمياً لإثباته.
