منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

مصر.. عجز تمويلي بنسبة 68% يهدد مساعدات اللاجئين وسط مخاوف على ضمانات الحماية

22 أكتوبر 2026
مصر.. عجز تمويلي بنسبة 68% يهدد مساعدات اللاجئين وسط مخاوف على ضمانات الحماية
مصر.. عجز تمويلي بنسبة 68% يهدد مساعدات اللاجئين وسط مخاوف على ضمانات الحماية

في منزلها بالقاهرة تحاول نوال -وهي أرملة سودانية وأم لستة أطفال- توزيع مساعدة شهرية تبلغ 1520 جنيهاً مصرياً على احتياجات لا تنتظر. ثلاثة فقط من أطفالها يذهبون إلى المدرسة، في حين ترك ابنها الأكبر التعليم لرعاية إخوته أثناء عملها بدوام جزئي.

في شهادة نشرتها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في أبريل/نيسان 2026، تحدثت نوال عن نقص الطعام ومرض طفلها الأصغر، وعن مفاضلة قاسية بين دفع تكاليف العلاج وسداد الإيجار.

تكشف قصتها وجهاً إنسانياً لأزمة تتسع في مصر، حيث يتزامن تراجع التمويل الدولي مع الانتقال إلى منظومة وطنية لإدارة ملف اللجوء، وسط تساؤلات حقوقية بشأن استمرار التسجيل والحماية وضمان الوصول إلى الخدمات الأساسية.

أكثر من مليون لاجئ وطالب لجوء تحت ضغط الموارد

بحلول 30 سبتمبر/أيلول 2026، بلغ عدد اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين لدى المفوضية في مصر 1,084,858 شخصاً، بينهم 846,556 سودانياً، أي نحو 78%، و83,338 سورياً، و154,964 من جنسيات أخرى. وارتفع عدد السودانيين المسجلين بنحو 1292% منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023.
وتشير المفوضية، استناداً إلى آخر رقم متاح من السلطات المصرية، إلى وصول نحو 1.5 مليون سوداني منذ بداية الحرب، وهو رقم يختلف عن أعداد المسجلين في منظومة الحماية.

وتتحدث تقديرات رسمية مصرية عن وجود أكثر من تسعة ملايين أجنبي مقيم في البلاد، بتكلفة استضافة سنوية تتجاوز عشرة مليارات دولار، وفق ما أعلنته السلطات. وتشمل هذه التقديرات الأجانب المقيمين بمختلف فئاتهم، ولا تقتصر على اللاجئين المسجلين لدى المفوضية.

وتظهر بيانات مارس/آذار 2026 أن النساء والأطفال يشكلون 74.8% من المسجلين، وأن 19.7% لديهم احتياجات خاصة، بينهم 12,005 أطفال غير مصحوبين أو منفصلين عن ذويهم، و22,963 طفلاً معرضين للخطر، و27,096 شخصاً من ذوي الإعاقة، و4017 امرأة معرضة للخطر.

ويعيش اللاجئون أساساً داخل المدن، خصوصاً في القاهرة الكبرى والإسكندرية والشرقية ودمياط، ما يجعل احتياجاتهم مرتبطة مباشرة بقدرة الخدمات العامة والمجتمعات المضيفة على الاستيعاب.

تمويل لا يواكب الاحتياجات

تؤكد مسؤولة التواصل بمفوضية اللاجئين، كريستين بيسري، في تصريحات خاصة لـ«صفر»، أن احتياجات عمليات المفوضية في مصر لعام 2026 بلغت 133.5 مليون دولار، لم يتوفر منها حتى أواخر سبتمبر/أيلول سوى 32%، ما ترك فجوة تمويلية بنحو 90.8 مليون دولار، تعادل 68% من إجمالي الاحتياجات.

وكانت المفوضية قد حذرت في أبريل/نيسان من تهديد نقص التمويل لبرنامج المساعدات النقدية الذي يخدم نحو 20 ألف أسرة، أي قرابة 87 ألف شخص، في وقت يتجاوز فيه عدد اللاجئين شديدي الهشاشة المحتاجين إلى دعم خارجي 200 ألف شخص. ولم يكن برنامج المساعدات النقدية نفسه قد تلقى حينها سوى 2% من تمويله المطلوب.

وتشير بيانات المفوضية إلى تراجع متوسط التمويل المتاح للفرد شهرياً من نحو 11 دولاراً عام 2022 إلى أربعة دولارات عام 2025.

وتشدد بيسري على أن حماية اللاجئين مسؤولية مشتركة، وأن مصر تتحمل أعباءً متزايدة في استضافة الفارين من النزاعات، ولا سيما السودان، ما يستدعي تمويلاً دولياً مستداماً ودعم الخدمات الوطنية في الصحة والتعليم وسبل كسب العيش، ما يعود بالنفع على اللاجئين والمجتمعات المضيفة معاً.

انتقال قانوني واختبار لضمانات الحماية

دخلت مصر مرحلة جديدة بإصدار قانون لجوء الأجانب رقم 164 لسنة 2024، ثم لائحته التنفيذية بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1568 لسنة 2026، تمهيداً للانتقال من منظومة اضطلعت فيها المفوضية بأدوار رئيسية بموجب مذكرة التفاهم لعام 1954 إلى نظام وطني تتولاه لجنة دائمة لشؤون اللاجئين.

وتتضمن المنظومة الجديدة ضمانات إجرائية، بينها الجلسات الفردية والتمثيل القانوني والترجمة وتدابير خاصة بالفئات الأكثر هشاشة والقصر غير المصحوبين.
وترى بيسري أن اعتماد أول قانون وطني للجوء خطوة تشريعية مهمة، موضحة أن المفوضية تنسق مع الحكومة لدعم الانتقال التدريجي، مع استمرارها في مهام التسجيل والتوثيق وتحديد صفة اللاجئ وتقديم خدمات الحماية والمساعدة خلال المرحلة الانتقالية.

وتؤكد أهمية انتظام الوضع القانوني للاجئين، وتسجيل المواليد وحماية الأطفال والاستجابة للعنف القائم على النوع الاجتماعي، إلى جانب إعادة التوطين والمسارات التكميلية وتعزيز الاعتماد على الذات. وترى أن معالجة أسباب النزاعات وإقرار السلام تظل الأساس لعودة طوعية آمنة وكريمة.

في المقابل، أثارت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية مخاوف بشأن وضوح ترتيبات الانتقال، وضمان عدم حدوث فجوة في التسجيل والحماية، ومنع الإعادة القسرية قبل الفصل النهائي في طلبات اللجوء.

وفي تحليل نشرته في 30 يونيو/حزيران 2026، قالت المبادرة، استناداً إلى بيانات نسبتها للمفوضية، إن أكثر من 90% ممن وصلوا إلى مصر خلال العامين السابقين دخلوا بطرق غير نظامية.

وتثير المهلة المحددة لتقديم طلب اللجوء خلال 45 يوماً من الدخول، الواردة في المادة الخامسة من اللائحة التنفيذية، مخاوف حقوقية بشأن قدرة الفارين من النزاعات، ولا سيما من دخلوا بطرق غير نظامية أو يفتقرون إلى الوثائق والمعلومات القانونية، على استيفاء الإجراءات في الوقت المحدد، ومدى ضمان استمرار حمايتهم أثناء النظر في أوضاعهم.

وتبرز هنا أهمية إتاحة المعلومات القانونية بوضوح، وتوفير سبل التظلم، وضمان ألا تتحول المتطلبات الإجرائية إلى عائق يحول دون الوصول إلى الحماية لمن يستحقها.
وتلتزم مصر، بوصفها طرفاً في اتفاقية اللاجئين لعام 1951 وبروتوكولها لعام 1967 واتفاقية منظمة الوحدة الإفريقية لعام 1969، بمبدأ عدم الإعادة القسرية الذي يحظر إعادة الأشخاص إلى أماكن قد يواجهون فيها الاضطهاد أو أخطاراً جسيمة.

حقوق اللاجئين والمجتمعات المضيفة

تؤكد الخبيرة الحقوقية الدكتورة أسماء رمزي، في حديث خاص لـ«صفر»، أن مصر تواجه تحدياً في التوفيق بين التزاماتها الإنسانية والضغوط الاقتصادية والاجتماعية على قطاعات الصحة والتعليم والإسكان، محذرة من تحميل اللاجئين وحدهم مسؤولية اختلالات ترتبط أيضاً بتحديات اقتصادية وسكانية ممتدة.

وترى أن التوازن يتحقق بضمان الحقوق الأساسية للاجئين والمواطنين، ودعم المجتمعات المحلية، وتحويل التضامن الدولي إلى تمويل والتزامات عملية قابلة للقياس، تشمل إعادة التوطين والمسارات الآمنة وتعزيز الاعتماد على الذات، مع اهتمام خاص بالنساء والأطفال وذوي الإعاقة وإشراك النساء في صنع القرار.

من جهته، يؤكد المستشار القانوني الدكتور جاب الله أبو عامود أن حماية اللاجئين لا تنتقص من سيادة الدولة، مثلما لا تبرر السيادة الإخلال بالالتزامات الإنسانية والقانونية. ويشدد على حق مصر في تنظيم الدخول والإقامة والعمل وحماية أمنها القومي، مع ضمان الإجراءات العادلة وعدم الإعادة القسرية والحقوق الأساسية في التعليم والصحة والتقاضي.

ويطالب أبو عامود بتمويل دولي عادل يمنع تحميل الدولة المضيفة عبئاً مفتوحاً، مع إعطاء الأولوية للمواطن المصري في الخدمات العامة والتعليمية والجامعية، وتشديد الرقابة على التسجيل والبيانات ومكافحة الاستغلال. ويشيد بقانون اللجوء الجديد، مقترحاً إنشاء مفوضية مصرية مستقلة لشؤون اللاجئين تتولى التنسيق الدولي وتحد من البيروقراطية.

ويظل توزيع المسؤوليات بين الدولة والمفوضية والشركاء الدوليين عاملاً حاسماً في نجاح الانتقال، ما يضمن استمرار الخدمات الأساسية وعدم تحميل المجتمعات المضيفة أو الأسر اللاجئة وحدها كلفة نقص التمويل، مع الحفاظ على الحقوق والضمانات المقررة قانوناً.

حماية العاملين واستمرارية الخدمات

تشمل ضمانات الحماية سلامة العاملين في التسجيل والرعاية الصحية والترجمة والمساعدة القانونية، خصوصاً خلال الانتقال إلى النظام الوطني وما يصاحبه من إعادة تنظيم للأدوار والمسؤوليات.

وتشدد رمزي على ضرورة توفير آليات لتقييم المخاطر والإبلاغ وحماية البيانات والدعم النفسي، مع احترام مبادئ الإنسانية والحياد والاستقلالية، في حين يؤكد أبو عامود أهمية تأمين بيئة عمل آمنة ومحاسبة المعتدين وفق القواعد القانونية ذات الصلة.

كذلك ضرورة الحفاظ على الخبرات التشغيلية وقواعد البيانات وآليات التظلم، ما يمنع انقطاع الخدمات أو ضياع حقوق المستفيدين خلال نقل المسؤوليات.
وبالعودة إلى نوال، فلا تقاس فاعلية هذه التحولات بعدد القوانين أو الاجتماعات أو التعهدات المالية، بل بقدرتها على إبقاء أطفالها في المدرسة، وتأمين علاج أصغرهم، وحمايتهم من فقدان المأوى.

ويبقى التحدي أمام مصر وشركائها الدوليين أن يجري الانتقال إلى نظام اللجوء الوطني دون أن تتحمل الأسر الأشد هشاشة كلفته، وأن تتحول المسؤولية الدولية المشتركة من تعهد معلن إلى حماية يلمس اللاجئون والمجتمعات المضيفة أثرها في حياتهم اليومية.