أقامت عائلة علي عفيف نحلة حفل تأبين له، لكنها حتى اليوم لا تعرف على وجه اليقين إن كانت قد فقدته إلى الأبد.
اختفى أثر علي في بلدة القنطرة جنوب لبنان، بحثت أسرته بين الأنقاض والسجلات والبلاغات، ثم أقامت له في يوليو/تموز 2025 حفل تأبين بوصفه “مفقود الأثر”، فلا دليل يحسم وفاته، ولا شهادة مباشرة تثبت توقيفه أو نقله إلى مكان احتجاز.
وبين التأبين وغياب اليقين تختصر قصته مأساة أوسع: أن تضطر عائلة إلى الحداد قبل أن تعرف إن كان من تحزن عليه قد مات أصلاً.
وفي سبتمبر/أيلول 2026، سجلت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان بلاغ العائلة، مطالبة بالتحقق من احتمال احتجازه لدى القوات الإسرائيلية، لكن غياب دليل على احتجازه أو وفاته أبقى ملفه حالة فقدان مفتوحة قيد التحقق.
قصة علي حديثة، لكن سؤال عائلته قديم في لبنان. فبعد ثمانية أعوام على إقرار القانون رقم 105 الخاص بالمفقودين والمخفيين قسراً، وإنشاء هيئة وطنية للبحث عنهم، لا تزال عائلات تنتظر الانتقال من الاعتراف بحقها في معرفة المصير إلى الوصول فعلياً إلى الحقيقة.

40 حالة.. ودرجات مختلفة من الإثبات
رفع تسجيل حالة علي عدد الحالات التي تتابعها قاعدة بيانات الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان إلى 40 حالة من الأسرى والمحتجزين والمفقودين المرتبطين بالنزاع الأخير مع إسرائيل. لكن الرقم لا يعني أن الأربعين محتجزون جميعاً؛ إذ تختلف طبيعة الحالات ودرجات التحقق منها، وقبل إضافة علي، وثق تقرير قانوني للهيئة في 15 سبتمبر/أيلول 39 حالة.
ويقول رئيس الهيئة الدكتور فادي جرجس لـ”صفر” إن الحالات شملت 14 شخصاً وقعوا في قبضة القوات الإسرائيلية خلال العمليات العسكرية، وشخصين كانا يؤديان مهام طبية، و17 مدنياً احتجزوا في سياق العمليات العسكرية أو الوجود الإسرائيلي على أجزاء من الأراضي اللبنانية، وحالتين مرتبطتين بعمليات خاصة أو استخبارية عابرة للحدود، إضافة إلى ثلاث حالات فقدان قديمة وحالة جديدة خلال غزو عام 2024.
ويشدد جرجس على تفاوت الأدلة، من اعترافات أو تسجيلات إسرائيلية إلى شهادات أسرى محررين وشهود وعائلات وقرائن ميدانية، في حين لم تعترف إسرائيل رسمياً بعدد من الحالات أو تكشف أماكن أصحابها وأوضاعهم.
وتوجد كذلك عشرات الحالات غير المدرجة بسبب عدم الحصول على موافقة العائلات، وترد في المصادر أرقام مختلفة، بينها 41 حالة في بيانات الهيئة و42 حالة استبعدها التقرير القانوني المرتبط بغزو 2024. وهي أرقام تعود إلى نطاقات ومعايير إدراج مختلفة ولا تمثل حصراً وطنياً نهائياً للمفقودين.

القانون يعترف بحق المعرفة
قضية المفقودين في لبنان أقدم من النزاع الأخير؛ إذ تعود بعض الحالات إلى أحداث عام 1978 والاجتياح الإسرائيلي عام 1982، في حين تعود أخرى إلى سنوات لاحقة. وفي عام 2018 أقر لبنان القانون 105 المتعلق بالمفقودين والمخفيين قسراً الذي كرس حق العائلات في معرفة مكان وجود المفقود أو المخفي قسراً أو احتجازه أو اختطافه، ومعرفة مكان الرفات واستلامها والتعرف إلى هوية صاحبها.
كما ألزم السلطات بتبادل المعلومات والتعاون مع الهيئة الوطنية للمفقودين والمخفيين قسراً والجهات الإنسانية المختصة. وأنشأ القانون الهيئة الوطنية للمفقودين والمخفيين قسراً، ومنحها استقلالاً إدارياً ومالياً ومهمة جمع المعلومات وبناء قاعدة البيانات والتعاون مع المؤسسات الرسمية والدولية.
لكن قدرة الهيئة على الوصول إلى الحقيقة ترتبط بتوافر الموارد والسجلات والأدلة وتعاون مؤسسات الدولة، وهو ما يجعل الاعتراف القانوني بحق المعرفة مختلفاً عن القدرة الفعلية على ممارسته.
حين يتوقف التحقق عند أبواب الاحتجاز
تعمل اللجنة الدولية للصليب الأحمر مع العائلات والسلطات في قضايا المفقودين، وتؤدي دور الوسيط المحايد في النزاعات المسلحة.
وفي سبتمبر/أيلول 2026 أكدت اللجنة أن القانون اللبناني يكفل حق العائلات في المعرفة والوصول إلى المعلومات واستعادة الرفات، كما سهلت في 4 سبتمبر/أيلول نقل خمسة أشخاص إلى لبنان بعد الإفراج عنهم من الاحتجاز الإسرائيلي.
لكن اللجنة تقول إنها لم تتمكن منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 من الوصول إلى المحتجزين في أماكن الاحتجاز الإسرائيلية، ومنهم لبنانيون، وطالبت بالحصول على معلومات عنهم والسماح لها بالوصول إليهم.
ويشكل ذلك عقبة أمام حسم بعض الحالات التي تشير الأدلة فيها إلى احتمال الاحتجاز؛ إذ لا يمكن الانتقال من القرائن إلى الإثبات من دون معرفة مكان الشخص ووضعه، ومع ذلك يبقى التمييز ضرورياً بين المفقود والمحتجز والمخفي قسراً، ففي حالة علي نحلة مثلاً، لا توجد شهادة مباشرة تثبت توقيفه أو نقله، ولذلك يبقى بلاغ فقدان مفتوح قيد التحقق.

“حداد معلّق”
تصف المحامية وأستاذة القانون الدولي في الجامعة اللبنانية الدكتورة خلود الخطيب ما تعيشه عائلات المفقودين بأنه “حداد معلّق”؛ إذ لا تستطيع إثبات وفاة أحبائها ولا الاطمئنان إلى بقائهم على قيد الحياة.
وتقول الخطيب لـ”صفر” إن الاعتراف بحق العائلات في الحقيقة جاء بعد نضال طويل بدأته لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين منذ عام 1982، قبل أن يتكرس الحق قضائياً عام 2014 وتشريعياً بالقانون 105 عام 2018.
لكنها ترى أن الفجوة بين الاعتراف والتنفيذ لا تزال قائمة، في ظل تحديات تتعلق بالموارد والاستقلالية وآليات العمل والوصول إلى المعلومات.
وتنبه الخطيب إلى أن الرقم المتداول البالغ نحو 17,415 مفقوداً، استناداً إلى بيانات مديرية قوى الأمن الداخلي، ليس حصيلة وطنية حديثة ومدققة، ولا يعني أن جميع الحالات تندرج قانوناً ضمن الإخفاء القسري.
كما تشير إلى أن لبنان وقع عام 2007 على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري لكنه لم يصادق عليها حتى الآن، معتبرة ذلك فجوة في منظومة الحماية والمساءلة.
وتدعو إلى الانتقال من الاعتراف بالحق إلى “إنتاج الحقيقة”، عبر تمكين الهيئة من الموارد والصلاحيات، وحماية مواقع الدفن، وجمع العينات البيولوجية، وتنظيم التعاون مع سوريا والآليات الأممية وضمان مشاركة العائلات في مسار البحث.
من القانون إلى الحقيقة
بعد ثمانية أعوام على القانون 105، لم تعد قضية المفقودين في لبنان تفتقر إلى الاعتراف بحق العائلات في معرفة المصير أو إلى مؤسسة وطنية مكلفة بالبحث، لكن الحقيقة تحتاج إلى سجلات وأدلة وموارد وتعاون مؤسسي ووصول إلى المحتجزين المحتملين، قبل أن يتحول الحق المكتوب إلى إجابة تستطيع العائلات أن تبني عليها حياتها.
أما عائلة علي نحلة، فما زالت بين احتمالين؛ فلا دليل يحسم وفاته ولا إثبات يؤكد احتجازه، وأقامت له حفل تأبين، لكن حدادها لم يكتمل، فمعرفة المصير ليست تفصيلاً أخيراً في ملف المفقود، بل حق للعائلة لا يتحقق إلا عندما تنتقل من الاحتمالات إلى حقيقة موثقة تستطيع أن تبني عليها ما تبقى من حياتها.
