كل صباح تصل مها طالب إلى مقر عملها الحكومي في البصرة على كرسيها المتحرك، لكن وصولها إلى المبنى لا يعني أنها وصلت إلى مكتبها، فالطابق الثاني لا يصله مصعد، ولا يوفر المبنى أماكن مخصصة للأشخاص ذوي الإعاقة، لتبدأ مها يومها بانتظار من يحملها مع كرسيها إلى الأعلى، ثم يساعدها على النزول عند انتهاء الدوام.
ولا ينتهي اعتمادها على الآخرين عند الدرج؛ إذ تحتاج مها أيضاً إلى من يساعدها في الوصول إلى السيارة، في حين يتجنبها بعض زملائها، كما تقول، حتى لا تطلب منهم المساعدة، وبلغ الأمر بأحدهم أن سألها ذات مرة: “لماذا تعملين أصلاً؟”
سؤال ثقيل على امرأة فقدت ساقيها وهي طفلة إثر قصف تعرض له منزل أسرتها خلال الحرب العراقية الإيرانية، وفقدت شقيقتها في الحادثة نفسها، لكنها أكملت تعليمها الجامعي والتحقت بوظيفة حكومية، وبعد كل ما تجاوزته، ما تزال درجات قليلة تفصل بينها وبين الوصول إلى مكتبها باستقلال.
تختصر قصة مها وجهاً من واقع أوسع يعيشه الأشخاص ذوو الإعاقة في العراق، حيث لا تتوقف الاستقلالية عند الحصول على إعانة أو دخل، بل تمتد إلى القدرة على العمل والتنقل والوصول إلى الصحة والتأهيل والأجهزة المساعدة والخدمات والمعلومات، والعيش من دون اعتماد دائم على الآخرين.

نصف الأسر تحت ضغط المعيشة
تكشف نتائج المسح الوطني للإعاقة الذي أعلنت عنه وزارة التخطيط العراقية اتساع الاحتياجات التي يواجهها الأشخاص ذوو الإعاقة، وشمل المسح 3815 أسرة في المحافظات العراقية الثماني عشرة، وضمت العينة 4665 شخصاً من ذوي الإعاقة.
وأظهرت النتائج أن 51.2% من المشمولين لديهم صعوبات في الحركة، في حين بلغت نسبة من يواجهون صعوبات في العناية الذاتية 47.1%، وصنفت 50.3% من الأسر المشمولة بأنها ضعيفة اقتصادياً.
وتكشف هذه الأرقام تداخلاً بين الإعاقة والهشاشة الاقتصادية، وتكشف أيضاً حدود النظر إلى الحماية الاجتماعية باعتبارها مسألة دخل فقط؛ فالشخص ذو الإعاقة قد يحصل على دعم مالي، لكنه يظل بحاجة إلى وسيلة نقل مهيأة أو علاج وتأهيل أو جهاز مساعد أو مبنى يستطيع دخوله من دون مساعدة.
وهنا يصبح السؤال أبعد من مقدار الإعانة: هل تخفف الحماية الاجتماعية الفقر فقط، أم تمنح الشخص ذا الإعاقة الأدوات التي يحتاج إليها ليعيش باستقلال؟

الاستقلالية تبدأ من تلبية الاحتياجات
يرى رئيس هيئة الحماية الاجتماعية الدكتور أحمد الموسوي أن استقلالية الأشخاص ذوي الإعاقة لا تقاس بالدعم المادي وحده، بل بقدرتهم على الوصول إلى الصحة والتأهيل والنقل والأجهزة المساعدة والتعليم والتدريب وفرص العمل والمعلومات والخدمات الحكومية.
ويشير الموسوي في حديثه لـ”صفر” إلى أن اتخاذ القرارات الشخصية، ومنها الزواج وتكوين الأسرة، يتطلب تمكين الشخص من إدارة حياته بعيداً عن القيود الاقتصادية والاجتماعية.
ويقر الموسوي بأن احتساب الكلفة الإضافية للإعاقة ما يزال من القضايا التي تحتاج إلى مزيد من التطوير؛ إذ يتحمل الشخص ذو الإعاقة نفقات مرتبطة بالنقل والعلاج والتأهيل والأجهزة المساعدة والرعاية الشخصية، في حين قد لا يغطي الدعم المخصص لمعالجة الفقر هذه الاحتياجات.
ويرى أن تعزيز الاستقلالية يتطلب الربط بين الحماية الاجتماعية وبرامج التأهيل والتدريب والتشغيل، إلى جانب توفير الخدمات الميدانية والمنزلية والمعلومات الميسرة وآليات الشكاوى.
وفيما يتعلق بدور الهيئة، يوضح الموسوي أن الأشخاص ذوي الإعاقة المستوفين لمعايير الاستحقاق والفقر يمكنهم الاستفادة من شبكة الحماية الاجتماعية، في حين تتولى هيئة رعاية ذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة تقديم الخدمات المتخصصة.
ويشير إلى أن التحول الرقمي والزيارات الميدانية يهدفان إلى تسهيل وصول الأشخاص الذين لا يستطيعون مراجعة المؤسسات، مؤكداً أن دور الحماية الاجتماعية يتمثل في تخفيف القيود الاقتصادية والاجتماعية وليس التدخل في القرارات الشخصية.
من الإعانة إلى الخدمة
لكن الدعم المالي، مهما بلغت أهميته، لا يزيل وحده المعوقات التي تحاصر الحياة اليومية للأشخاص ذوي الإعاقة، فالحصول على دخل لا يعني بالضرورة القدرة على دخول مؤسسة عامة أو استخدام وسيلة نقل أو الوصول إلى مكان العمل أو الحصول على جهاز مساعد.
وتعيد تجربة مها هذا النقاش إلى أبسط تفاصيله، فهي موظفة في مبنى حكومي، لكنها لا تستطيع الوصول إلى مكتبها في الطابق الثاني من دون أن يحملها أحد زملائها مع كرسيها المتحرك، ولا يحتوي المبنى على مصاعد أو أماكن مخصصة للأشخاص ذوي الإعاقة، ولا توجد أمامها بدائل تمكنها من الوصول إلى مكتبها باستقلال.
وهكذا تتحول مساعدة الزملاء التي يفترض أن تكون تصرفاً اختيارياً، إلى شرط يومي حتى تتمكن موظفة حكومية من الوصول إلى مكان عملها ومغادرته.
الحماية القانونية والاستقلالية
يرى القانوني المتخصص في القانون الدولي وحقوق الإنسان كمال بن عمر أن القانون الدولي يضمن للأشخاص ذوي الإعاقة الحق في الاعتراف بأهليتهم القانونية على قدم المساواة مع الآخرين، ومنها حقهم في اتخاذ القرارات المتعلقة بحياتهم الشخصية باستقلالية.
وتؤكد اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، ولا سيما المادة 12، التزام الدول بتوفير الدعم والتدابير اللازمة لتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة من ممارسة هذه الأهلية، من دون أن تتحول الحماية إلى استبدال إرادتهم بقرارات يتخذها الآخرون نيابة عنهم.
ويضيف بن عمر لـ”صفر” أن الحماية الاجتماعية للأشخاص ذوي الإعاقة ينبغي أن تقوم على التمكين وليس الوصاية، بحيث تتيح لهم ممارسة حقوقهم واتخاذ قراراتهم وفق إرادتهم ورغباتهم، مع توفير الدعم المناسب لاحتياجاتهم.
ويشدد على أن أي قيود أو تدخلات في قراراتهم الشخصية يجب أن تستند إلى ضمانات قانونية واضحة، تحترم الكرامة الإنسانية والاستقلالية وتحول دون التعسف أو التمييز.
وعلى المستوى المحلي، أصدر العراق قانون رعاية ذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة رقم 38 لسنة 2013، في إطار تنظيم حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة ورعايتهم.
لكن تجربة مها تضع الحديث عن الحقوق والاستقلالية أمام اختبار يومي شديد البساطة: هل يستطيع موظف ذو إعاقة الوصول إلى مكتبه في مبنى حكومي من دون أن يحمله الآخرون؟
من الإعانة إلى المشاركة المستقلة
يرى الصحفي إسكندر العلواني أن المشكلة لا تكمن بالضرورة في غياب برامج الدعم، وإنما في مدى وصولها إلى الشخص ذي الإعاقة بالطريقة التي تمنحه قدرة كبرى على الاعتماد على نفسه.
فالحصول على إعانة مالية، بحسب العلواني، لا يعني بالضرورة أن الشخص يستطيع التنقل بحرية أو الوصول إلى مكان العمل أو الحصول على الخدمات الصحية والتأهيلية أو الوصول إلى المعلومات والخدمات الحكومية من دون مساعدة الآخرين.
لذلك يرى أن تقييم الحماية الاجتماعية يحتاج إلى النظر إلى الظروف المحيطة بالمستفيد وليس إلى الدعم المالي وحده.
ويضيف العلواني لـ”صفر” أن استقلالية الأشخاص ذوي الإعاقة ترتبط بمجموعة من الحقوق والخدمات المتداخلة، ومنها فرص العمل والتعليم والنقل المهيأ والأجهزة المساعدة والخدمات الصحية والتأهيلية وإمكانية الوصول إلى المؤسسات و المنصات الرقمية.
وكلما بقيت هذه الجوانب منفصلة عن منظومة الحماية الاجتماعية، بحسب العلواني، ظل الدعم قادراً على تخفيف بعض الأعباء الاقتصادية من دون أن يزيل المعوقات التي تحد من قدرة الشخص على اتخاذ قراراته وإدارة حياته بصورة مستقلة.

الدرج الذي لم يُهيأ بعد
في البصرة تختصر درجات قليلة كثيراً من هذا النقاش. تصل مها إلى عملها لكنها لا تستطيع الوصول إلى مكتبها إلا إذا وجدت من يحملها وكرسيها إلى الطابق الثاني، وعند انتهاء الدوام تحتاج إلى المساعدة نفسها للنزول، ثم إلى يد أخرى تساعدها في الوصول إلى السيارة.
درست مها وعملت وواجهت آثار إصابة رافقتها منذ طفولتها، لكن البيئة المحيطة بها ما تزال تضع أمام استقلالها حواجز كان يمكن إزالتها، وحين يتجنبها بعض الزملاء خشية أن تطلب مساعدتهم، أو يسألها أحدهم “لماذا تعملين أصلا؟” لا يعود غياب التهيئة مجرد مشكلة في تصميم مبنى، بل عائقاً يمس الحق في العمل والكرامة والمشاركة والاستقلال.
وبين حماية اجتماعية تخفف بعض أعباء المعيشة، وقانون ينظم الحقوق والرعاية، واحتياجات يومية تتجاوز الدعم المالي، تكشف تجربة مها أن الحياة المستقلة لا تبدأ من الإعانة وحدها، بل من إزالة الحواجز التي تجعل الشخص محتاجاً إلى الآخرين في أبسط تفاصيل يومه. فبالنسبة إلى مها قد تبدأ الاستقلالية من أمر يبدو صغيراً؛ أن تصل إلى مكتبها وتغادره من دون أن تنتظر من يحملها.
