نجا إبراهيم في أيامه الأولى داخل حاضنة في مستشفى الشفاء، ثم نجا من رحلة إجلاء فرضتها الحرب، لكنه احتاج إلى أكثر من عامين ليعود إلى والده، أما قُصي فلا يزال يحتاج إلى تدخل جراحي لقلبه لا يتوفر داخل قطاع غزة.
بين الطفلين مساران مختلفان لأزمة واحدة، فبالنسبة إلى آلاف الأطفال في غزة لم تعد النجاة من القتل أو الإصابة نهاية الخطر؛ إذ تبدأ بعدها معركة أخرى مع مستشفيات متضررة وعلاج انقطع وأجهزة غير متوفرة وحالات تحتاج إلى الإجلاء خارج القطاع.
تكشف قصتا إبراهيم وقُصي وجهاً أقل ظهوراً في أرقام الحرب؛ أطفال بقوا على قيد الحياة لكن حقهم في الصحة ما يزال تحت الضغط، بعضهم يحتاج إلى جراحة، وبعضهم إلى علاج مستمر أو إعادة تأهيل، في حين يواجه النظام الصحي نفسه صعوبة في توفير الرعاية التي تسمح لهم باستكمال حياتهم.
وُلد إبراهيم قبل أوانه واضطر إلى البقاء في حاضنة بسبب انخفاض وزنه وحاجته إلى الرعاية الطبية، لكن مع اشتداد العمليات العسكرية حول مستشفى الشفاء في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، أصبح بقاؤه في المستشفى جزءاً من الخطر.

كان واحداً من 31 طفلاً خديجاً أُجلوا من وحدة العناية المركزة لحديثي الولادة في المستشفى إلى جنوب القطاع، قبل إجلاء عدد منهم لاحقاً إلى مصر لتلقي الرعاية الطبية. وانفصل إبراهيم عن أسرته خلال تلك الرحلة، في حين توفيت والدته قبل أن تتمكن من الاجتماع به مجدداً، وبعد أكثر من عامين عاد في أبريل/نيسان 2026 ضمن مجموعة من 11 طفلاً أُعيدوا إلى غزة ولمّ شملهم بأسرهم.
وأكدت اليونيسف أن الأطفال كانوا في حالة صحية مستقرة عند عودتهم، لكنهم ظلوا بحاجة إلى المتابعة والخدمات المتخصصة.
قُصي.. جراحة لا تتوفر في غزة
بدأت معاناة قُصي الصحية منذ أيامه الأولى، بعدما كشفت الفحوصات إصابته بعيوب خلقية خطيرة في القلب، بينها ثقب وانسداد في الشريان الرئوي، وهي حالة تحتاج إلى تدخل جراحي متخصص غير متوفر داخل قطاع غزة.
ولا يتوقف علاج طفل في حالته عند التشخيص أو الرعاية الطارئة، بل يحتاج إلى متابعة وجراحة متخصصة ورعاية لاحقة، لكن تضرر النظام الصحي ونقص الأجهزة والخدمات الطبية المتخصصة يجعلان الوصول إلى هذا العلاج مرتبطا بإمكانية الإجلاء الطبي إلى خارج القطاع، أما بالنسبة إلى أطفال مثل قُصي، يصبح البقاء على قيد الحياة جزءاً من رحلة طولى؛ إذ لا تكفي معرفة المرض إذا لم يكن العلاج متاحاً، ولا يكفي أن ينجو الطفل إذا تعذر الوصول إلى الرعاية التي يحتاجها.

آلاف الأطفال يحتاجون إلى الرعاية
تكشف بيانات اليونيسف حجم الأزمة التي تقف خلف القصتين. فحتى 30 يونيو/حزيران 2026 قُتل ما لا يقل عن 21,700 طفل في قطاع غزة وأصيب نحو 45 ألف طفل، بينهم أكثر من 11 ألفاً بإصابات غيّرت حياتهم.
وخلال النصف الأول من العام، تلقى 19,425 طفلاً تتراوح أعمارهم بين 6 و59 شهراً العلاج من سوء التغذية الحاد، بينهم 3,028 طفلاً يعانون سوء تغذية حاداً شديداً.
وفي مسح أجرته اليونيسف في المناطق التي أمكن الوصول إليها من غزة، تبين أن 12.2 في المئة من الأطفال دون الخامسة يعانون التقزم، في حين لم يحصل سوى 22.4 في المئة من الأطفال بين 6 و23 شهراً على الحد الأدنى المقبول من الغذاء، وعانى 37.1 في المئة من الأطفال دون الخامسة من الإسهال خلال الأسبوعين السابقين للمسح.
وتنبه اليونيسف إلى أن نتائج المسح تخص المناطق التي أمكن الوصول إليها ولا تمثل جميع أطفال القطاع.
وتكشف هذه المؤشرات وجهاً يتجاوز أعداد القتلى والجرحى؛ إذ يحتاج جزء من الأطفال الذين بقوا على قيد الحياة إلى علاج طويل أو جراحة أو أجهزة طبية أو إعادة تأهيل أو تغذية علاجية، في الوقت الذي تعرضت فيه قدرة النظام الصحي على تقديم هذه الخدمات لأضرار واسعة.
نظام صحي لا يلبي احتياجات الأطفال
في تصريح خاص لـ”صفر“، أكدت منظمة الصحة العالمية أن النزاعات المسلحة تقوض جاهزية الأنظمة الصحية وقدرتها على الاستجابة لفاشيات الأمراض، نتيجة تدمير البنية التحتية الصحية وتعطيل الخدمات الأساسية وإضعاف سلاسل الإمداد والتمويل.
وأوضحت المنظمة أن النزوح الجماعي وتضرر شبكات المياه والطاقة والصرف الصحي يزيدان احتمالات انتشار الأمراض المعدية، في وقت تتراجع فيه قدرة النظام الصحي على الاستجابة السريعة والفعالة، كما تؤثر الأضرار التي تلحق بالمستشفيات ومراكز الرعاية الأولية، إلى جانب انقطاع الأدوية واللقاحات والمستلزمات الطبية، في برامج التطعيم والترصد الوبائي والاستجابة للطوارئ.
ويقول مدير مستشفى الشفاء الدكتور محمد أبو سلمية لـ”صفر” إن الأطفال في القطاع ما زالوا يدفعون ثمناً كبيراً للحرب في ظل انتشار الأمراض وسوء التغذية وتراجع قدرة المؤسسات الصحية على تقديم الخدمات اللازمة لهم.
ويشير أبو سلمية إلى تضرر عدد من المستشفيات التي كانت تقدم خدمات للأطفال، بينها الدرة والنصر وكمال عدوان وبيت حانون، وما ترتب على ذلك من انخفاض كبير في القدرة على توفير الأسرّة وخدمات طب الأطفال.
ويضيف أبو سلمية أن الأطفال الذين يولدون بعيوب خلقية أو يعانون أمراضاً قلبية أو استقلابية أو وراثية لا يستطيعون دائماً الحصول على العلاج الكافي داخل غزة، خصوصاً الحالات التي تحتاج إلى أجهزة أو رعاية متخصصة غير متوفرة، مشيراً إلى أن آثار هذه الظروف قد تمتد سنوات وأجيالاً.
وتشير بيانات اليونيسف الواردة في التقرير إلى أن 19 مستشفى من أصل 35 كانت تعمل بصورة جزئية خلال النصف الأول من 2026، في حين كانت 10 مراكز فقط من أصل 222 مركزاً للرعاية الصحية الأولية تعمل بصورة كاملة.
حق الطفل في العلاج لا يسقط أثناء الحرب
لا تحول الحرب العلاج إلى مسألة اختيارية، فالطفل يبقى صاحب حق في الصحة والرعاية حتى أثناء النزاع.
ويقول الخبير في القانون الدولي وحقوق الإنسان الدكتور صلاح الرقاد لـ”صفر” إن الأطفال يتمتعون بحماية خاصة أثناء النزاعات المسلحة، وإن حقهم في الحصول على الرعاية الصحية يستمر خلال الحرب.
وتشمل الحماية القانونية المرافق الطبية والعاملين فيها والمرضى، في حين تكفل اتفاقية حقوق الطفل حق الطفل في التمتع بأعلى مستوى صحي يمكن بلوغه والحصول على العلاج وإعادة التأهيل.
ويشير الرقاد إلى أن تدمير المرافق الصحية أو تعطيلها أو عرقلة وصول الأدوية والمستلزمات الطبية يثير مسؤوليات قانونية وإنسانية تختلف بحسب كل حالة، مع ضرورة تقييم الوقائع بصورة منفصلة.
ولا ينتهي الحق في الصحة بعلاج الإصابة الأولى أو إنقاذ الطفل من خطر مباشر، بل يمتد إلى الرعاية اللاحقة وإعادة التأهيل واستمرارية العلاج، إضافة إلى الإجلاء الطبي للحالات التي تحتاج إلى خدمات غير متوفرة داخل منطقة النزاع.

العلاج لا ينتهي عند الإسعاف
يقول عبد الله الصياح، أحد سكان غزة، لـ”صفر” إن تدهور النظام الصحي ينعكس بصورة كبرى على الأطفال الذين يحتاجون إلى علاج مستمر أو متخصص، موضحاً أن الوصول إلى المستشفيات والأدوية والمستلزمات الطبية أصبح أكثر صعوبة.
ويضيف أن الأسر تضطر أحياناً إلى البحث عن الخدمة في أماكن أبعد أو الانتظار للحصول عليها، في حين يواجه الأطفال المصابون بأمراض مزمنة أو عيوب خلقية أو إصابات تحتاج إلى جراحة وإعادة تأهيل صعوبات كبرى عندما لا تتوفر بعض العلاجات أو الأجهزة.
ويشير إلى أن بعض الأطفال يفقدون انتظام علاجهم أو جلسات إعادة التأهيل، في حين يعيش آخرون مع إصابات وإعاقات تحتاج إلى متابعة لسنوات. ولا تقتصر آثار ذلك على الجسد؛ إذ يقول الصياح إن الأطفال يعيشون أيضاً تحت ضغط النزوح والخوف وفقدان أفراد الأسرة واضطراب تفاصيل حياتهم اليومية.
النجاة خطوة أولى
كان إبراهيم رضيعاً خديجاً يحتاج إلى حاضنة، فقادت الحرب إلى فصله عن أسرته أكثر من عامين، وفقد والدته قبل أن يعود إلى والده، في حين بدأ قُصي حياته بقلب يحتاج إلى تدخل طبي متخصص، لكن حاجته إلى العلاج اصطدمت بمنظومة صحية لا تستطيع توفير كل ما يحتاجه داخل القطاع.
وبين طفل عاد إلى أسرته بعد رحلة طويلة وآخر يحتاج إلى علاج لا يجده، تظهر أزمة لا تستطيع أرقام القتلى والجرحى وحدها وصفها؛ فحق الطفل في الحياة لا يقتصر على نجاته من الموت، كما أن حقه في الصحة لا ينتهي بإسعافه بعد الإصابة، بل يرتبط بقدرته على الوصول إلى الطبيب والدواء والجراحة وإعادة التأهيل والرعاية التي يحتاج إليها ليكبر.
