منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

“نازا”.. انتهاكات تطول صحفيين وتحذيرات من المادة 15 لحقوق الإنسان

19 سبتمبر 2026
"نازا".. انتهاكات تطول صحفيين وتحذيرات من المادة 15 لحقوق الإنسان
"نازا".. انتهاكات تطول صحفيين وتحذيرات من المادة 15 لحقوق الإنسان

كشف الجدل الذي فجّره الفيلم الوثائقي الإسرائيلي “نازا” عن تصاعد الضغوط والتهديدات ضد صحفيين وصناع أفلام تناولوا الحرب في غزة، بعدما تجاوزت الانتقادات السياسية للعمل الاتهامات والرفض إلى الدعوات للعنف، والتهديد بسحب الجنسية، والاحتجاجات أمام منازل عائلات صناع الفيلم، واقتحام مكاتب وسائل إعلام شاركت في التحقيقات التي يستند إليها.

ووثقت صحيفة “الغارديان” ردود الفعل التي أعقبت عرض الفيلم في مهرجان البندقية، حيث وقف الجمهور في قاعة سالا جراندي وصفق لصناعه لمدة 25 دقيقة بعد عرض استمر 80 دقيقة، في حين واجه المخرجان يوڤال أبراهام وراشيل زور اتهامات بالخيانة وتهديدات من سياسيين وجماعات يمينية متطرفة داخل إسرائيل.

وتناول الفيلم شهادات 24 من العاملين في أجهزة الاستخبارات والجيش الإسرائيلي، جرى إخفاء هوياتهم، وكشفوا تفاصيل أنظمة، بعضها يعمل بالذكاء الاصطناعي، تستخدم لاختيار آلاف الأشخاص الذين يفترض قتلهم في الضربات، التي كانت تنفذ في كثير من الأحيان ليلاً وفي أماكن يوجد فيها أفراد من عائلات المستهدفين.

وأوضحت الصحيفة أن المشاركين، رغم اختلاف مواقفهم ومشاعرهم تجاه ما شهدوه، قدموا روايات تقود إلى خلاصة بشأن المشاركة في قتل جماعي للمدنيين، في حرب قتل فيها أكثر من 73 ألف فلسطيني. ومن المقرر طرح الفيلم في دور السينما الأمريكية في 30 سبتمبر، على أن يبدأ توزيعه دولياً لاحقاً.

من الانتقاد إلى التهديد

صعّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هجومه على الفيلم، معلناً السعي إلى سن قوانين تسمح بسحب الجنسية من الأشخاص الذين “يشوهون” صورة الجنود الإسرائيليين، في حين دعا وزير الثقافة الإسرائيلي ميكي زوهار إلى سحب جنسية المخرجين، وطلب المدير العام لوزارة الدفاع الإسرائيلية إيال زامير التحقيق في احتمال تسريب معلومات عسكرية.

ونقلت وكالة “أسوشيتد برس” أن كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين الإسرائيليين هاجموا الفيلم رغم إقرار بعضهم بعدم مشاهدته، في حين قال نتنياهو إن إسرائيل تحارب “التحريض المعادي للسامية” عالمياً، لكن صدوره من الداخل أمر “لا يطاق”، واعتبر زامير الفيلم محاولة خطيرة لحرمان إسرائيل من شرعية الدفاع عن نفسها.

وتحولت الحملة إلى تهديدات مباشرة، بعدما دعا متظاهرون وجماعات من اليمين المتطرف إلى العنف ضد المخرجين، وطالب بعضهم بهدم منزليهما، في حين تجمع محتجون أمام منزل والدي راشيل زور ورددوا دعوات إلى “عقوبة الإعدام للخونة”.

وأعلنت “لجنة حماية الصحفيين” -وهي منظمة أمريكية مستقلة معنية بالدفاع عن حرية الصحافة وحماية الصحفيين حول العالم- أن نتنياهو طرح مشروعي قانونين؛ يتعلق أحدهما بسحب الجنسية من الإسرائيليين الذين “يشوهون” الجنود الإسرائيليين في الخارج، في حين يتصل الآخر بزيادة التعويضات المالية في قضايا التشهير، مؤكدة أن المقترحين لم يتحولا بعد إلى قانونين.

وحذرت المديرة الإقليمية للجنة حماية الصحفيين سارة قودة من انتقال السلطات من التهديدات العلنية إلى السعي لتشريع إجراءات يمكن أن تسحب الجنسية بسبب العمل الصحفي، مؤكدة أن الصحفيين ينبغي ألا يواجهوا خطر فقدان جنسيتهم أو الانتقام القانوني أو الترهيب بسبب تغطيتهم النقدية للجيش أو المؤسسات القوية.

تضامن من داخل إسرائيل

وقّع أكثر من ألف صانع أفلام إسرائيلي عريضة لدعم أبراهام وزور، بحسب صحيفة “هآرتس”، بينهم صناع أفلام بارزون مثل آري فولمان وشلومي إلكابتس وران تال وميخال أفيعاد، بعدما أكد الموقعون أن الدور الأساسي للفن والصحافة يتمثل في وضع مرآة أمام المجتمع وخلق مساحة للحوار والنقاش، حتى عندما تكون الحقيقة صعبة.

وحذر الموقعون من أن المسافة بين التحريض والدعوات إلى العنف والتهديدات الجسدية أصبحت تضيق بصورة غير مسبوقة، منتقدين مهاجمة الفيلم وأصحابه من جانب أشخاص لم يشاهدوه، وداعين إلى إتاحته للجمهور الإسرائيلي حتى يتمكن من رؤية العمل وبدء نقاش حقيقي حول حرب غزة وتداعياتها.

وأصدر منتدى الأفلام الوثائقية ونقابة المخرجين في إسرائيل بيانات مشابهة أدانت التهديدات على وسائل التواصل الاجتماعي، في حين رفض الجيش الإسرائيلي الادعاءات الواردة في الفيلم، وشكك في إمكانية التحقق من هويات المشاركين وخدمتهم وأدوارهم، وقال إن بعض الشهادات تتناول قضايا استراتيجية لا يمكن لعناصر منخفضة الرتبة معرفتها.

وكشفت لجنة حماية الصحفيين عن اقتحام مجموعة لمكاتب موقعي “+972” و”سيخا مكميت”، حيث نشر الصحفي والمخرج يوڤال أبراهام تحقيقاته المتعلقة بالجيش الإسرائيلي وغزة، وقال المدير التنفيذي لمجلة “+972″ والرئيس المشارك لـ”سيخا مكمِيت” حجاي ماتار إن المجموعة صورت الغرف وتسببت في حالة من الفوضى.

وأفاد معهد الصحافة الدولي IPI، في بيان مشترك مع لجنة حماية الصحفيين ومنظمات دولية أخرى لحرية الصحافة، بأن التهديدات ضد أبراهام وزور والاحتجاجات أمام منازل عائلتيهما واقتحام مكاتب وسائل الإعلام تكشف انتقال التصعيد من التهديد والترهيب العلنيين إلى أفعال مباشرة تستهدف الصحفيين وصناع الأفلام وأسرهم.

وحذر البيان من أن التهديدات الرسمية بسحب الجنسية تثير مخاوف جدية تتعلق بالمادة 15 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تنص على الحق في الجنسية وعدم الحرمان منها تعسفاً، مطالباً السلطات الإسرائيلية بضمان سلامة المخرجين وحماية حقوقهم الأساسية.

صراع على رواية الحرب

كشفت وكالة “أسوشيتد برس” أن الفيلم فاز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية، وأنه صُور سراً على مدى ثلاث سنوات ليلاً من أسطح مبانٍ في تل أبيب، في حين يقدم شهادات حول قتل المدنيين الفلسطينيين واستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي للمساعدة في تحديد أهداف محتملة لحماس في غزة.

وأكد الجيش الإسرائيلي أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تساعد في تحديد الأهداف، لكنه قال إن القرار النهائي بشأن تنفيذ الضربة يظل بيد البشر، ودافع أبراهام عن آلية التحقق من الشهادات، وقال في مقابلة مع القناة 13 الإسرائيلية إن الهجمات التي تعرض لها صناع الفيلم تؤكد سبب إصرار المشاركين على عدم الكشف عن هوياتهم.

وأوضحت المادة أن كثيراً من الادعاءات الأساسية التي يطرحها الفيلم سبق نشرها، وأن العمل جاء بعد فيلم “لا أرض أخرى” الذي أخرجه أبراهام وزور ووثق أوضاع الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، وفاز بجائزة أوسكار بوصفه أفضل فيلم وثائقي عام 2025.

وأبرزت ردود الفعل الإسرائيلية انقساماً حول حدود انتقاد الدولة والجيش؛ إذ دعا الصحفي يهودا شليسنجر، من القناة 14، إلى ملاحقة المخرجين ومنعهما من العودة إلى إسرائيل، ووصف التصفيق الذي حصلا عليه في البندقية بأنه “25 دقيقة من التصفيق المعادي للسامية”، في حين وصف الكاتب في “يديعوت أحرونوت”، نحوم برنيع، الدعوات إلى سحب الجنسية بأنها “وهمية”.

وحذر رئيس التحرير السابق لصحيفة “جيروزاليم بوست” يعقوب كاتز من أن مثل هذه الخطوة تعطي انطباعاً بأن لدى إسرائيل شيئاً تخفيه أو أنها تخشى الانتقاد، في حين قالت الخبيرة السياسية والكاتبة في “هآرتس” داليا شيندلين إن النقاش حول الفيلم أصبح أكثر بروزاً من قضايا سياسية أخرى، مستفيداً من عدم تمكن الإسرائيليين من مشاهدته.

ورأى الصحفي إيتان نيتشين أن الفيلم كان يمكن، في ديمقراطية سليمة، أن يعرض على الأخبار المسائية وأن تؤدي الادعاءات الواردة فيه إلى تحقيق شامل، لكنه اعتبر أن أبراهام وزور دُفعا فعلياً إلى المنفى.

أظهر التصعيد المحيط بـ”نازا” أن المعركة تجاوزت الفيلم نفسه إلى مساحة أوسع تتعلق بحدود النقد الصحفي والفني عندما يتناول الحرب والمؤسسات العسكرية والسياسات الحكومية، بعدما امتدت ردود الفعل من الرفض والاتهامات إلى التهديدات القانونية والتحريضية، في وقت طالبت فيه منظمات صحفية وفنانون إسرائيليون ودوليون بحماية صناع العمل وضمان قدرتهم على مواصلة عملهم.