منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

ضمن الدورة 63.. مجلس حقوق الإنسان يناقش ملامح نظام دولي أكثر عدلًا وديمقراطية

09 سبتمبر 2026
مجلس حقوق الإنسان: مطالب بإصلاح الحوكمة العالمية وبناء نظام أكثر عدلاً
مجلس حقوق الإنسان: مطالب بإصلاح الحوكمة العالمية وبناء نظام أكثر عدلاً

في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية واتساع الفجوة بين الدول النامية والمتقدمة، ناقش مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة سبل تعزيز وجود نظام دولي ديمقراطي ومنصف، يقوم على احترام القانون الدولي ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة والمساواة في السيادة بين الدول.

وجاء النقاش في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى إصلاح منظومة الحوكمة العالمية والمؤسسات المالية الدولية، بما يضمن مشاركة أوسع للدول النامية في صناعة القرار الدولي، ويعزز قدرتها على تحقيق التنمية والوفاء بالتزاماتها في مجال حقوق الإنسان.

وضمن فعاليات الدورة الـ63 لمجلس حقوق الإنسان، عقدت جلسة بعنوان “الحوار التفاعلي مع الخبير المستقل المعني بتعزيز وجود نظام دولي ديمقراطي ومنصف”، بمشاركة عدد كبير من الدول والمجموعات الإقليمية والمنظمات غير الحكومية.

وتركزت المداخلات على مستقبل النظام الدولي في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة، وتزايد الحديث عن عالم متعدد الأقطاب، إلى جانب قضايا السيادة الوطنية، والتدابير الاقتصادية الأحادية، وإصلاح المؤسسات المالية الدولية، وحقوق الشعوب في التنمية وتقرير المصير.

وخلال الجلسة، عرض الخبير المستقل المعني بتعزيز وجود نظام دولي ديمقراطي ومنصف، جورج كاتروغالوس، رؤيته بشأن التحولات التي يشهدها النظام الدولي، مؤكدًا أهمية الانتقال من مجرد تعدد مراكز القوة إلى تعددية أطراف حقيقية تقوم على التعاون والمساواة واحترام القانون الدولي.

وشددت مجموعة من الدول، خلال النقاش، على أن بناء نظام دولي أكثر إنصافًا يجب أن يبدأ من الالتزام بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وفي مقدمتها المساواة في السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والتسوية السلمية للنزاعات، واحترام حق الشعوب في تقرير المصير.

وفي هذا السياق، أكدت فنزويلا، متحدثة باسم مجموعة من الدول، أن التعددية يجب أن تكون قائمة على احترام القانون الدولي ومشاركة الدول على قدم المساواة، مع رفض التدابير الانفرادية التي اعتبرتها تقوض سيادة الدول وتعرقل حقها في التنمية وتؤثر على تمتع شعوبها بحقوق الإنسان.

أما المجموعة الإفريقية، التي تحدثت باسمها كينيا، فأكدت أن النظام الدولي متعدد الأطراف يجب أن يقوم على السيادة وعدم التدخل والحل السلمي للصراعات. وشددت على ضرورة معالجة أوجه عدم التوازن في الحوكمة العالمية، وضمان تمثيل الدول النامية بشكل أكبر في آليات صنع القرار، مع أهمية تعزيز التعاون بين دول الجنوب وبناء القدرات ونقل المعرفة والتكنولوجيا.

وظهرت قضية الفجوة الاقتصادية بين الشمال والجنوب كأحد أبرز محاور النقاش. فقد أشارت أنغولا إلى أن الاختلالات الهيكلية في النظام المالي الدولي تحد من قدرة الدول النامية على إعمال حقوقها الاقتصادية والاجتماعية، داعية إلى توفير حيز سياسي أكبر لهذه الدول، وضمان وصول أكثر عدلًا إلى التمويل، والتوصل إلى حلول مستدامة لمشكلة الديون.

كما أكدت إثيوبيا أن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في تغير توزيع القوى عالميًا، وإنما في مدى قدرة النظام الدولي على توفير مزيد من الإنصاف وفرص التنمية والحيز السياسي للدول النامية، داعية إلى تعزيز التعاون بين دول الجنوب والتعاون الثلاثي باعتبارهما وسيلتين لنقل المعرفة والتكنولوجيا وتمويل التنمية.

وفي السياق نفسه، دعت دول عدة إلى التعامل بحذر مع فكرة إنشاء مؤشر عالمي لتنفيذ الالتزامات المتعلقة بحقوق الإنسان والتنمية، وهي المبادرة التي طرحها الخبير المستقل.

وأكدت سلطنة عمان والهند وباكستان وعدد من الدول الأخرى ضرورة أن يظل المؤشر طوعيًا وشفافًا، وألا يتحول إلى أداة للضغط السياسي أو فرض شروط على الدول، مع مراعاة اختلاف الظروف الوطنية والقيود الهيكلية التي تواجهها الدول النامية.

وتناولت المداخلات كذلك قضية التدابير الاقتصادية الأحادية والعقوبات، حيث أعربت دول مثل كوبا وفنزويلا والجزائر وتونس وماليزيا عن رفضها لاستخدام الإجراءات الاقتصادية كوسيلة للضغط السياسي، معتبرة أن آثارها قد تمتد إلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والتنمية، ولا سيما في الدول النامية.

وفي المقابل، شهدت الجلسة مداخلات من دول ومنظمات حقوقية ركزت على ضرورة عدم استخدام مبدأ السيادة أو التعددية لتبرير انتهاكات حقوق الإنسان. وأكد الاتحاد الأوروبي أن بناء نظام دولي ديمقراطي ومنصف يتطلب احترام حقوق الإنسان، معتبرًا أن تصاعد النزاعات والاستقطاب يمثل تحديًا مباشرًا أمام النظام الدولي.

كما تناولت بعض المنظمات غير الحكومية قضايا تتعلق بالصين والولايات المتحدة وإيران وفلسطين، ووجهت انتقادات إلى أداء النظام الدولي وآليات الأمم المتحدة، بينما ركزت منظمات أخرى على ما وصفته بازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي والعقوبات، ودعت إلى إصلاح المؤسسات الدولية بما يضمن المساواة وعدم الانتقائية.

وكانت القضية الفلسطينية حاضرة بقوة في عدد من المداخلات، إذ أكد ممثل فلسطين أن النظام الدولي يفقد جزءًا من مصداقيته عندما لا يتم تنفيذ قواعد القانون الدولي بصورة متساوية على الجميع، مطالبًا بتعزيز حماية الشعب الفلسطيني وضمان حقه في تقرير المصير.

كما شدد مصر و العراق وتونس وعدد من الدول الأخرى على أهمية تطبيق القانون الدولي بصورة عادلة، وربطوا بين إصلاح النظام الدولي وتعزيز قدرة المجتمع الدولي على التعامل مع النزاعات والأزمات، بما في ذلك القضية الفلسطينية.

جورج كاتروغالوس: الخبير المستقل المعني بتعزيز وجود نظام دولي ديمقراطي
جورج كاتروغالوس: الخبير المستقل المعني بتعزيز وجود نظام دولي ديمقراطي

الخبير المستقل: إصلاح الحوكمة الدولية ضرورة

وفي ختام الحوار، أكد جورج كاتروغالوس أن الانتقال إلى نظام دولي متعدد الأقطاب لا ينبغي أن يعني مجرد إعادة توزيع موازين القوة، وإنما يجب أن يقترن بإصلاح حقيقي لمنظومة الحوكمة العالمية، خصوصًا النظام المالي الدولي.

وأوضح أن مقترح المؤشر العالمي لتنفيذ الالتزامات سيكون طوعيًا، وأن الهدف منه إطلاق حوار يساعد على تقييم مدى تنفيذ الالتزامات المتعلقة بحقوق الإنسان والتنمية، مع وجود ضمانات تحول دون استخدامه كأداة لفرض شروط سياسية أو اقتصادية.

وأكد أن إصلاح النظام الدولي يتطلب كذلك معالجة الاختلالات التاريخية والاقتصادية التي تؤثر على قدرة دول الجنوب على تحقيق التنمية، مشيرًا إلى أهمية العدالة الضريبية العالمية وإصلاح المؤسسات المالية الدولية.

وتعكس مجمل المداخلات حجم النقاش المتزايد حول مستقبل النظام الدولي، في وقت تتسع فيه المطالب بإصلاح مؤسسات الحوكمة العالمية، وزيادة تمثيل الدول النامية، وتعزيز التعاون بين دول الجنوب، مع التأكيد على أن أي نظام دولي جديد لن يكون أكثر عدلًا إلا إذا استند إلى قواعد واضحة تطبق على الجميع دون انتقائية، وإلى احترام السيادة والقانون الدولي وحقوق الإنسان.