ديفيد بيلينغ
ما تفتقر إليه واجهة متجر جاكلين بامبير الصغيرة، ذات الجدران الطينية، من حيث الحجم، تعوضه بالبراعة، ففي مساحة لا يتجاوز حجمها حجم تابوت مقلوب، تتكدس إلى جانب بامبير نفسها مجموعة كبيرة على نحو غير متوقع من البضائع، تشمل أكياسًا من الفاصوليا والدقيق والذرة والأرز، وأكياسًا صغيرة من مرق شوربة “ماجي” معلقة من السقف مثل الزينة، وهناك أيضًا خلطات اليخنة ومعجون الطماطم، وزجاجات من زيت النخيل وزيت دوار الشمس، والسكر ودقيق الذرة، والشاي السائب والبسكويت المعبأ.
وإذا كنت بحاجة إلى قطعة صابون، أو أنبوب معجون أسنان، أو مسحوق لغسيل الملابس، أو شمعة، أو قفل، فإن بامبير لديها هذه الأشياء أيضًا، ولديها ميزان أزرق ساطع لوزن المنتجات التي تباع بالجملة، وحساب على “MTN MoMo”، وهي منصة للدفع الرقمي، لتسديد فاتورتك باستخدام الأموال عبر الهاتف المحمول.
يمكن أن يكون هذا المتجر الذي يوفر كل شيء تقريبًا في أي بلدة أو قرية في أفريقيا، لكنه موجود هنا داخل مخيم للاجئين، هو ماهاما، على الحدود بين رواندا وتنزانيا.
جاءت بامبير، البالغة من العمر 43 عامًا، إلى رواندا قبل 11 عامًا، فرارًا من العنف في بوروندي المجاورة، وتقول عن هروبها مع زوجها وأطفالها الخمسة: “كانت الرصاصات تتطاير في كل مكان حولنا”، وتضيف: “عندما جئنا إلى هنا، نمنا في الخارج في الليلة الأولى”.

وقضوا عامهم الأول في خيمة، ثم انتقلوا إلى منزل وفرته المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وفي ذلك الوقت، كانت الحصص الغذائية التي يقدمها برنامج الأغذية العالمي ــ والتي خُفضت إلى النصف هذا العام بسبب خفض التمويل ــ أكثر سخاءً.
وكانت بامبير تبيع الفائض لكسب المال من أجل تنويع النظام الغذائي لأسرتها، وادخار رأس مال أولي لمشروع بيع بالتجزئة شبيه بذلك الذي كانت تملكه في بوروندي قبل أن تفر منها.
وتقول عن مساحة المتجر التي تستأجرها الآن مقابل 20 دولارًا شهريًا: “هذا لا يُقارن بما كنت أملكه في السابق”.
تتمثل الصورة الشائعة لمخيم اللاجئين في مكان ينتظر فيه أشخاص يائسون وجائعون الحصول على المساعدات، لكن المخيمات يمكن أن تكون أيضًا بؤرًا للنشاط الاقتصادي، تتدفق الأموال إليها، وتدور فيها، وأحيانًا تتدفق إلى خارجها.. يبدأ الناس أعمالًا تجارية، ويبحثون عن وظائف، ويتزوجون، ويعلّمون أطفالهم.
أظهرت دراسة أجراها برنامج “اقتصادات اللاجئين” في جامعة أكسفورد أن اللاجئين في مخيم كاكوما شمال كينيا كانوا أفضل حالًا من السكان المحيطين بهم وفق عدة مؤشرات، من بينها الاستهلاك والأصول.
ويرى أستاذ الهجرة القسرية في جامعة أكسفورد، ألكسندر بيتس، أن اللاجئين “لديهم حيوات اقتصادية معقدة ومتنوعة، وغالبًا ما يكونون أصحاب روح ريادية بدرجة كبيرة ومرتبطين بالاقتصاد العالمي”.
ووفقًا للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، يعيش ما يقرب من 90% من إجمالي عدد النازحين في العالم، والمقدر بنحو 118 مليون شخص، في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، ويعيش نحو 45 مليونًا منهم في أفريقيا.
وتصبح حقيقة أن مخيمات اللاجئين اقتصادات مصغرة ذات أهمية متزايدة في عصر خفض المساعدات، عندما تصبح وكالات التنمية أقل قدرة على إبقاء الناس مزودين بالغذاء والملابس والمأوى.
تقول كامبيتا ساينزوغا، وهي ابنة لاجئين نفسها، قبل أن ترتقي إلى منصب الرئيسة التنفيذية لبنك التنمية الرواندي: “يمكن للاجئين أن يكونوا فاعلين اقتصاديين في المجتمع، لكن غالبًا ما يُنظر إليهم على أنهم عبء”.
تقدم ساينزوغا عضو في مجلس إدارة “إنكوموكو”، وهي مؤسسة غير ربحية قروضًا مدعومة لمشروعات النازحين، من بينهم عدة آلاف من أصل 71 ألف شخص في مخيم ماهاما.. كانت بامبير إحدى المستفيدات.
تكشف جولة سريعة في ماهاما عن خياطين، ومتاجر لتجهيز ملابس الزفاف، ومصففي شعر، ومطاعم صغيرة قوائم الطعام الخاصة بها مرسومة على الجدار الخارجي، ومشروعًا لشحن الهواتف، وحتى كشكًا للسينما، حيث يمكنك الجلوس وتنزيل الأفلام، وتعرض إحدى اللافتات المرسومة عبارة “إنترنت ستارلينك”.
يقول روهين أونيانغو، وهو مدير في “إنكوموكو”، إن القروض تمر بدورات، تبدأ عادةً من ألف دولار، وترتفع إلى 25 ألف دولار في جولات التمويل اللاحقة، بعد أن يُلزم المقرضون المقترضين بإتمام دورة في مسك الدفاتر، ويُشار إلى المقترضين باسم “العملاء”، وليس “اللاجئين”.
ويقول أونيانغو: “لا يأتي أحد إلى هنا من دون أي شيء.. فجميعهم لديهم مواهب وخبرات”.
تتعامل بامبير مع سوء الحظ الذي دفعها إلى رواندا بلا مبالاة، وتقول: “لدي أحلام كبيرة لأطفالي”.
نقلاً عن فايننشيال تايمز
ترجمة : زينب مكي
