ضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان التي تعقد في جنيف خلال الفترة من 7 سبتمبر إلى 7 أكتوبر 2026، يستعرض المجلس تقرير الفريق العامل المعني بالاستعراض الدوري الشامل الخاص بإستونيا، والذي يتناول حصيلة التقدم الذي أحرزته الدولة خلال السنوات الماضية، إلى جانب التحديات القائمة والتوصيات الجديدة التي قدمتها الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لتعزيز أوضاع حقوق الإنسان.
ويأتي التقرير تحت البند السادس من جدول أعمال المجلس، بعد أن جرى استعراض حالة إستونيا خلال الدورة الثانية والخمسين للفريق العامل في مايو 2026، بمشاركة ممثلي 100 دولة في الحوار التفاعلي.
توصيات واسعة
وتتصدر التوصيات الجديدة في مجلس حقوق الإنسان قائمة القضايا التي يتعين على السلطات الإستونية التعامل معها خلال المرحلة المقبلة، حيث شملت طيفاً واسعاً من الملفات، بدأ بالتصديق على الاتفاقيات الدولية وتعزيز آليات تنفيذ التوصيات، مروراً بمكافحة التمييز وخطاب الكراهية وتعزيز المساواة بين الجنسين وحماية النساء والأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة، وصولاً إلى قضايا المهاجرين واللاجئين وعديمي الجنسية والحقوق الرقمية والذكاء الاصطناعي.
وطالبت عدة دول إستونيا بالتصديق على الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم، في حين دعت توصيات أخرى إلى الانضمام إلى اتفاقيات دولية إضافية، منها البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واتفاقية اليونسكو لمكافحة التمييز في مجال التعليم، واتفاقية منظمة العمل الدولية الخاصة بالعمال المنزليين.
كما طُرحت توصيات تتعلق باتفاقيتي عامي 1954 و1961 بشأن حماية الأشخاص عديمي الجنسية وخفض حالات انعدام الجنسية.
وفي جانب تنفيذ الالتزامات الدولية، أوصت الدول بتعميق التعاون مع آليات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وتوفير الموارد المالية والتقنية والبشرية اللازمة لتنفيذ الخطط الوطنية في مجالات التنمية وحقوق الإنسان والرعاية الاجتماعية، إلى جانب إنشاء آلية دائمة لرصد وتنفيذ التوصيات الدولية، وتعزيز قدرات المسؤولين الحكوميين في مجال تنفيذ الالتزامات المتعلقة بمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
المساواة وعدم التمييز
واحتلت قضية المساواة وعدم التمييز مساحة واسعة من التوصيات المقدمة إلى إستونيا.
ودعت عدة دول إلى الإسراع في اعتماد مشروع قانون المساواة بين الجنسين وتكافؤ الفرص، ووضع استراتيجية وطنية شاملة للمساواة بين الجنسين، وتعزيز الإطار المؤسسي للنهوض بحقوق المرأة والتصدي للتمييز الجنساني، ومنه أشكال التمييز المتداخلة.
كما ركزت التوصيات على ضرورة مواصلة المبادرات التشريعية والسياساتية الرامية إلى تعزيز المساواة بين الجنسين ومنع العنف الجنساني، في وقت شهدت فيه إستونيا تقدماً ملحوظاً في خفض الفجوة في الأجور بين الرجال والنساء التي وصلت في عام 2025 إلى أدنى مستوياتها المسجلة، وفقاً لما عرضه الوفد الإستوني أمام الفريق العامل.
خطاب الكراهية
وشكلت مكافحة التمييز العنصري وخطاب الكراهية وجرائم الكراهية أحد أكثر الملفات حضوراً في التوصيات داخل مجلس حقوق الإنسان.
وطالبت الدول بتطوير التشريعات بحيث تحظر جميع أشكال التمييز في مختلف مجالات الحياة، وليس فقط في مجال العمل، وتوفير حماية متساوية على أساس الأصل الإثني أو اللغة أو الدين أو المعتقد أو العمر أو الإعاقة أو الميل الجنسي وغيرها من الأسس.
كما أوصت الدول بتجريم خطاب الكراهية بصورة أكثر فعالية، واعتبار الدوافع القائمة على الكراهية ظرفاً مشدداً للعقوبة، وضمان التحقيق والملاحقة القضائية في جرائم الكراهية، وتوفير سبل الانتصاف للضحايا.
وبرزت كذلك دعوات إلى اتخاذ إجراءات أكثر حزماً لمواجهة كراهية الأجانب والتمييز الإثني واللغوي والتحريض ضد الأقليات القومية، ومنها الناطقون باللغة الروسية.
الصحة والرعاية الاجتماعية
وفي ملف الصحة والرعاية الاجتماعية، طالبت التوصيات بتحسين إتاحة الخدمات الصحية لجميع السكان، وزيادة الاستثمار في القطاع الصحي وتعزيز القوى العاملة فيه، مع تركيز خاص على الصحة النفسية للأطفال والشباب والسكان في المناطق الريفية والمناطق التي تعاني نقصاً في الخدمات.
كما دعت بعض التوصيات إلى معالجة التفاوتات الإقليمية وفترات الانتظار والمعوقات الاقتصادية والاجتماعية التي قد تحول دون حصول الجميع على خدمات الرعاية الصحية.
وفي الوقت نفسه، أقر التقرير بالخطوات التي اتخذتها إستونيا خلال السنوات الأخيرة، ومنها تحديث نظام الصحة العامة من خلال قانون الصحة العامة لعام 2025، ووضع خطة للقوى العاملة في مجال الرعاية الصحية، وتوسيع نطاق خدمات الصحة النفسية المجتمعية، وتنفيذ استراتيجية للوقاية من الانتحار، فضلاً عن توسيع برامج التطعيم.
كما أشارت الدولة إلى أن الحد من الفقر وتحسين الرفاهية من أولى أولوياتها، خاصة بالنسبة لكبار السن والأسر ذات الوالد الواحد والأشخاص ذوي الإعاقة.
حقوق الأطفال
وفيما يتعلق بالأطفال، تضمنت التوصيات دعوات إلى تعزيز أنظمة حماية الطفل وتوسيع نطاق الخدمات عالية الجودة في جميع أنحاء البلاد، وتحسين فرص أطفال الروما في الحصول على تعليم جيد وضمان اندماجهم في المدارس العادية، إلى جانب الحد من التفاوتات التعليمية المرتبطة بالخلفية الاجتماعية والاقتصادية والفوارق الإقليمية.
كما طالبت بعض الدول بوضع وتنفيذ استراتيجية وطنية شاملة لحماية الأطفال والمراهقين في البيئات الرقمية، وتعزيز إجراءات الوقاية والقدرات التحقيقية والتنسيق بين المؤسسات لمواجهة أشكال العنف التي تيسر التكنولوجيا ارتكابها، فضلاً عن إنشاء آليات يسهل الوصول إليها وتمكن الأطفال من الإبلاغ بصورة سرية وآمنة عن حالات العنف وسوء المعاملة.
المهاجرون واللاجئون
وامتد ملف التوصيات إلى قضايا اللاجئين والمهاجرين وطالبي اللجوء، حيث دعت عدة دول إلى ضمان حصول المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء على فرص متساوية وفعالة في الوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم والحماية الاجتماعية، مع توفير برامج اندماج ودعم لغوي كافٍ.
كما شددت التوصيات على ضرورة عدم احتجاز طالبي اللجوء إلا بوصفه حلاً أخيراً، وعدم احتجاز الأطفال لأسباب تتعلق بالهجرة، وتحسين الظروف المعيشية في مراكز الاستقبال، وتطوير سياسات إدماج اللاجئين، وضمان تطبيق مبدأ عدم الإعادة القسرية، وتعزيز التقييم الفردي لطلبات اللجوء وفقاً للمعايير الدولية.
حصيلة الاستعراض السابق
ويأتي هذا الاستعراض بعد دورة سابقة شهدت حصول إستونيا في مايو 2021 على 274 توصية، أيدت أكثر من 75% منها، وقدمت في عام 2024 تقريراً مرحلياً لتقييم ما أحرزته من تقدم في تنفيذ تلك الالتزامات.
وأكدت إستونيا أنها نفذت خلال الفترة الماضية عدداً من التوصيات، خاصة في مجال التصديق والانضمام إلى صكوك دولية رئيسية لحقوق الإنسان، منها اتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن القضاء على العنف والتحرش في عالم العمل، والاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، والبروتوكولات الاختيارية ذات الصلة باتفاقية حقوق الطفل واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.
ومن الخطوات التي أبرزها التقرير أيضاً إعادة اعتماد مكتب أمين المظالم، بوصفه المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، في الفئة “أ”، ما يعكس امتثاله لمبادئ باريس، كما أدخلت الدولة تعديلات لتعزيز استقلال المؤسسات الدستورية.
وفي مجال الحقوق المدنية والاجتماعية، عدلت إستونيا قانون الأسرة للاعتراف بالحق في الزواج على قدم المساواة للزوجين من الجنس نفسه، كما واصلت جهودها لتقليص الفجوة في الأجور بين الجنسين.
الحقوق في العصر الرقمي
وفي ملف الرقمنة الذي يمثل أحد أبرز ملامح التجربة الإستونية، عرض الوفد ما وصفه بنموذج “الدولة الرقمية” القائم على معالجة البيانات بصورة آمنة وقانونية، مع اعتبار الخصوصية حقاً أساسياً.
وأكد الوفد أن الضمانات تستند إلى الرقابة المستقلة والمعايير القانونية والحماية التقنية، وأن الاستراتيجيات المتعلقة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي تعطي أولوية للكرامة وعدم التمييز والمساءلة وسلامة الأطفال على الإنترنت.
تحديات مستمرة
ورغم الإشادة الواسعة التي حظيت بها إستونيا من عدد من الوفود، فإن جلسة الحوار كشفت أيضاً عن استمرار تحديات مهمة، خاصة فيما يتعلق بخطاب الكراهية والتمييز العنصري، وحماية الأقليات، وإدماج الأشخاص ذوي الإعاقة، وتحسين أوضاع طالبي اللجوء، ومعالجة بعض أوجه عدم المساواة الاجتماعية.
كما أثار انسحاب إستونيا من اتفاقية أوتاوا الخاصة بحظر الألغام المضادة للأفراد في عام 2025 انتقادات وقلقاً لدى بعض الدول المشاركة في الحوار.
مرحلة جديدة أمام تالين
وفي ختام الاستعراض، أكدت إستونيا تمسكها بعملية الاستعراض الدوري الشامل والتزامها بحقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون، مع إقرارها في الوقت نفسه بأن تحديات لا تزال قائمة.
وأوضحت أنها ستدرس التوصيات المقدمة بعناية، وتقدم مواقفها منها في الوقت المناسب قبل انعقاد الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان.
ويعني ذلك أن مرحلة جنيف المقبلة ستكون محطة مهمة لتحديد مدى استعداد تالين لترجمة التقدم التشريعي والمؤسسي الذي حققته إلى التزامات جديدة قابلة للتنفيذ، خصوصاً في ملفات مكافحة التمييز، وحماية الفئات الأكثر هشاشة، وضمان الحقوق في المجالين الرقمي والاجتماعي.
