دعت الدول المشاركة في الاستعراض الدوري الشامل لناميبيا إلى اتخاذ مجموعة واسعة من الإجراءات لتعزيز حماية حقوق الإنسان، شملت التصديق على عدد من الاتفاقيات والبروتوكولات الدولية، وفي مقدمتها البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب والاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، واتفاقية حقوق العمال المهاجرين وأفراد أسرهم، واتفاقية وضع الأشخاص عديمي الجنسية، إلى جانب اتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن الشعوب الأصلية والقبلية.
يأتي هذا الاستعراض الدوري ضمن فعاليات الدورة الـ63 من مجلس حقوق الإنسان التي تعقد في جنيف خلال الفترة من 7 سبتمبر إلى 7 أكتوبر 2026، في إطار البند السادس من جدول أعمال المجلس الخاص بالاستعراض الدوري الشامل.
وتضمنت التوصيات تعزيز استقلال مكتب أمين المظالم، وتسريع الإصلاحات التشريعية المتعلقة بحقوق الإنسان، واعتماد تشريعات شاملة لمكافحة التمييز، ومواصلة مكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي، وتحسين ظروف الاحتجاز والوصول إلى العدالة، وتعزيز حماية الأطفال والنساء والأشخاص ذوي الإعاقة والشعوب الأصلية والمجتمعات المهمشة.
وطالبت توصيات أخرى بتوسيع الحماية الاجتماعية، والحد من الفقر والبطالة وعدم المساواة، وضمان الوصول العادل إلى الصحة والتعليم والمياه والصرف الصحي والسكن، وتعزيز إجراءات مواجهة تغير المناخ وحماية الفئات الأكثر عرضة لتبعاته.
حالة حقوق الإنسان
تكتسب الوثيقة الخاصة بناميبيا أهمية خاصة في هذه الدورة، بعدما نظر الفريق العامل المعني بالاستعراض الدوري الشامل في حالة حقوق الإنسان في البلاد خلال دورته الثانية والخمسين، التي عقدت في الفترة من 4 إلى 15 مايو 2026، واعتمد تقريره بشأن ناميبيا في 15 مايو من العام نفسه. ومن المقرر، وفق الوثيقة، أن تقدم ناميبيا ردودها على التوصيات في موعد لا يتجاوز الدورة الثالثة والستين للمجلس.
ويكشف التقرير عن مشاركة دولية واسعة في تقييم سجل ناميبيا الحقوقي، إذ قدّمت 111 دولة وفودها بيانات خلال جلسة الحوار، تناولت التطورات التي شهدتها البلاد والتحديات التي لا تزال قائمة.
وبينما أشادت دول بالتقدم الذي أحرزته ناميبيا في مجالات الحماية الاجتماعية والصحة والتعليم والمساواة بين الجنسين ومكافحة الاتجار بالأشخاص، سلّطت دول أخرى الضوء على تحديات مستمرة، من بينها العنف القائم على النوع الاجتماعي، والعنف ضد الأطفال، والبطالة، وتفاوت الدخل والفقر، وعدم المساواة والتمييز.
وقدّمت ناميبيا خلال الاستعراض صورة عن جهودها في تعزيز حقوق الإنسان، مؤكدة التزامها بمبادئ المساواة والكرامة الإنسانية والمشاركة الديمقراطية وسيادة القانون.
وأشارت إلى نجاح الانتخابات الرئاسية وانتخابات الجمعية الوطنية في عام 2024، وانتخابات السلطات الإقليمية والمحلية في عام 2025، باعتبارها مؤشرات على استمرار المشاركة الديمقراطية والمساءلة وسيادة القانون.
وأبرزت التقدم في تمثيل المرأة، مشيرة إلى أن رئيسة البلاد ترأست الدولة تاريخياً، إلى جانب وجود ثماني وزيرات في مجلس الوزراء وامرأة على رأس الجمعية الوطنية.
العنف القائم على النوع
في الوقت نفسه، أقرت ناميبيا بوجود تحديات تحتاج إلى مزيد من المعالجة، بينها العنف القائم على النوع الاجتماعي والعنف ضد الأطفال وارتفاع معدلات البطالة وتفاوت الدخل والفقر.
وأوضحت أن استجابتها لهذه التحديات تندرج ضمن الخطة الوطنية السادسة للتنمية، التي تركز على الإدماج والنمو الاقتصادي والحماية الاجتماعية وتنمية رأس المال البشري وتعزيز المساواة والكرامة للجميع.
وفي الجانب التشريعي والمؤسسي، تضمنت التوصيات دعوات إلى تسريع اعتماد مجموعة من القوانين والإصلاحات، أبرزها مشروع قانون أمين المظالم، ومشروع قانون مناهضة التعذيب، ومشروع قانون تحديد حالات انعدام الجنسية والحماية منها، ومشروع قانون حماية البيانات.
وأفادت ناميبيا بأن هذه المشروعات كانت قيد التنفيذ خلال فترة الاستعراض، وأن مشروع قانون حماية البيانات كان في مرحلة الإعداد لعرضه على البرلمان، فيما تمت مواءمة مشروع قانون أمين المظالم مع مبادئ باريس الخاصة بالمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان.
وأوصت دول بتعزيز استقلال مكتب أمين المظالم وضمان امتثاله الكامل لمبادئ باريس، باعتباره إحدى الآليات الوطنية الأساسية لتعزيز وحماية حقوق الإنسان.
وشملت التوصيات تسريع اعتماد التشريعات اللازمة لضمان استقلال المكتب، وإنهاء الإصلاحات التشريعية المعلقة، بما يتيح للمؤسسة أداء دورها بصورة أكثر فعالية واستقلالاً.
ملف مكافحة التمييز
يبرز ملف مكافحة التمييز باعتباره أحد المحاور الأساسية للتوصيات، فقد دعت دول إلى اعتماد تشريعات شاملة لمكافحة جميع أشكال التمييز، مع توفير حماية خاصة للأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن وأفراد مجتمع الميم الموسع، وتعزيز المساواة وعدم التمييز من خلال الأطر القانونية والسياساتية.
كما طالبت بتقليص التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية وتحسين الوصول العادل إلى الرعاية الصحية والتعليم والخدمات الأساسية بالنسبة للفئات المحرومة.
أما في مجال العدالة وسيادة القانون، فقد دعت التوصيات إلى تحسين النظام القضائي، وتعزيز الوصول إلى العدالة والمساعدة القانونية، وزيادة التمويل المخصص لها، ولا سيما لضمان قدرة النساء على الوصول الفعلي إلى العدالة في جميع أنحاء البلاد.
وتضمنت توصيات بإصلاح نظام العدالة الجنائية وتحسين ظروف الاحتجاز، بما في ذلك تطوير بدائل للاحتجاز السابق للمحاكمة وتوفير مساعدة قانونية ميسورة التكلفة.
وتناولت التوصيات كذلك سلوك أجهزة إنفاذ القانون، حيث دعت إلى تكثيف الجهود للتصدي للاستخدام المفرط للقوة، وتعزيز آليات الرقابة والتدريب والمساءلة المتعلقة بسلوك الشرطة، وضمان توافق ممارسات إنفاذ القانون مع معايير حقوق الإنسان.
كما طالبت بتدريب موظفي إنفاذ القانون على حظر التعذيب وسوء المعاملة، وضمان التحقيق مع مرتكبي هذه الأفعال المزعومة ومحاكمتهم.
وفي ملف السجون، أوصت دول بتحسين ظروف الاحتجاز بما يتوافق مع قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء، المعروفة باسم قواعد نيلسون مانديلا، وإصلاح نظام السجون بما يضمن تخصيص مرافق إصلاحية للمجرمين الأحداث. كما دعت إلى التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان، ولا سيما تلك المنسوبة إلى قوات الشرطة، وتعزيز آليات المساءلة ومكافحة الفساد وتفعيل قوانين الوصول إلى المعلومات وحماية المبلغين عن المخالفات.
حماية النساء والفتيات
يحتل العنف القائم على النوع الاجتماعي موقعاً بارزاً في التوصيات، التي دعت إلى مواصلة وتعزيز الإجراءات الرامية إلى الوقاية منه والتصدي له، وضمان توفير الموارد الكافية لخدمات دعم الضحايا والناجيات، كما طالبت بتعزيز حماية النساء والفتيات، وضمان وصولهن إلى العدالة والملاجئ والدعم النفسي والاجتماعي، والتحقيق في حالات العنف وملاحقة مرتكبيها ومعاقبتهم.
وشملت التوصيات كذلك إزالة العقبات القانونية والعملية التي تحول دون ملاحقة مرتكبي العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي، بما في ذلك العنف المنزلي، وضمان حصول الناجين على الدعم والحماية من الوصم والانتقام، كما دعت إلى تخصيص الموارد الكافية لتنفيذ القوانين والسياسات المتعلقة بمكافحة العنف الجنساني، مع التركيز على حماية الناجيات والوصول إلى العدالة والمساءلة.
وفي ما يتعلق بالأطفال، طالبت التوصيات بتعزيز أنظمة حماية الطفل ومنع العنف ضدهم وزواج الأطفال والاتجار بهم واستغلالهم. كما دعت إلى وضع استراتيجيات للحد من التسرب المدرسي، خصوصاً بين الفتيات بسبب الحمل المبكر، وحظر العقاب البدني للأطفال، وضمان تسجيل جميع المواليد وإتاحة وثائق الهوية لهم.
وأوصت بتحسين وصول الأطفال إلى التعليم والرعاية الصحية والخدمات الأساسية، وحماية الأطفال من المخاطر الرقمية والاستغلال الجنسي وعمالة الأطفال.
التشريعات والسياسات الوطنية
يمتد الاهتمام الدولي إلى الأشخاص ذوي الإعاقة، حيث أوصت الدول بمواءمة التشريعات والسياسات الوطنية مع اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وتعزيز التنسيق المؤسسي وآليات الإنفاذ، وتطبيق نهج قائم على حقوق الإنسان في التعامل مع قضايا الإعاقة، كما دعت إلى ضمان وصول الأشخاص ذوي الإعاقة إلى الخدمات بصورة عادلة، وتنفيذ السياسة الوطنية المتعلقة بالإعاقة لعام 2025 بصورة فعالة.
وفي ملف الشعوب الأصلية والمجتمعات المهمشة، طالبت التوصيات بزيادة تمثيل الشعوب الأصلية في مجالات الحكم والإدارة العامة، وضمان حصولها على الرعاية الصحية والتعليم والعمل، وحمايتها من التمييز، وإشراكها في عمليات صنع القرار التي تؤثر على أراضيها ومواردها. كما شددت على ضرورة الحصول على موافقتها الحرة والمسبقة والمستنيرة قبل اعتماد وتنفيذ التدابير التي قد تؤثر عليها.
أما الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فقد احتلت مساحة واسعة من التوصيات، خصوصاً ما يتعلق بمكافحة الفقر والبطالة وعدم المساواة. ودعت الدول إلى تعزيز سياسات الحماية الاجتماعية، وتوسيع نطاقها ليشمل النساء والأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة والفئات الأكثر ضعفاً، مع تحسين الوصول العادل إلى الخدمات الأساسية.
وطالبت بتنفيذ خطط التنمية الوطنية بصورة أكثر فعالية والحد من الاعتماد على التمويل الخارجي في بعض الخدمات، بما يضمن استدامة الحماية الاجتماعية والخدمات العامة.
وفي مجال المياه والصرف الصحي والسكن، أوصت الدول بتوسيع نطاق حصول السكان على مياه الشرب الآمنة وخدمات الصرف الصحي، مع إعطاء أولوية للمجتمعات الريفية والمناطق الأكثر احتياجاً، كما دعت إلى مكافحة الفقر في المناطق الريفية وتوسيع برامج التنمية الشاملة للمجتمعات المهمشة، وضمان أن تشمل برامج بناء المساكن الميسورة جميع الناميبيين دون تمييز، وتعزيز السياسات التي تتيح السكن بأسعار معقولة للفئات منخفضة الدخل.
الوصول إلى الرعاية الصحية
في قطاع الصحة، ركزت التوصيات على ضمان الوصول العادل إلى خدمات الرعاية الصحية الجيدة، خاصة في المناطق الريفية والنائية والمجتمعات المحرومة.
ودعت إلى تعزيز البنية التحتية الصحية وتوزيع العاملين الصحيين بصورة أكثر عدالة، وتحسين خدمات الرعاية الصحية الأولية، وضمان حصول النساء والأطفال على خدمات صحية مناسبة. وشملت التوصيات كذلك توسيع نطاق التغطية الصحية الشاملة وضمان خدمات الصحة الجنسية والإنجابية بصورة آمنة ودون تمييز.
وفي التعليم، طالبت الدول بضمان تعليم جيد ومجاني وإلزامي وشامل لجميع الأطفال، مع التركيز على المناطق الريفية والمجتمعات المحرومة. كما دعت إلى تحسين البنية التحتية للمدارس، وتوزيع المعلمين بصورة عادلة، وتوسيع التعليم الشامل للأطفال ذوي الإعاقة، وتوفير المواد التعليمية والدعم اللازم لهم داخل المدارس العادية.
وشملت التوصيات أيضاً مواجهة تغير المناخ من منظور حقوق الإنسان، من خلال تعزيز سياسات التخفيف والتكيف، وحماية المجتمعات الأكثر تعرضاً للمخاطر، ولا سيما الفئات التي تعيش في أوضاع هشة ومهمشة. ودعت إلى دمج حقوق الإنسان والمنظور الجنساني في السياسات البيئية والمناخية، وضمان ألا تؤدي جهود حماية البيئة والتنوع البيولوجي إلى الإضرار بحقوق المجتمعات المحلية وسبل عيشها.
وتناولت التوصيات تمكين المرأة اقتصادياً وسياسياً، من خلال تعزيز فرص حصول النساء على التدريب المهني والائتمان والخدمات المالية والأراضي، وضمان مشاركتهن في عمليات صنع القرار.
وأوصت دول بزيادة فرص التدريب العملي والمهني للنساء والفتيات، خصوصاً بهدف خفض البطالة وتعزيز مشاركتهن في الاقتصاد الرسمي، مع إيلاء اهتمام خاص للنساء في المناطق الريفية ونساء الشعوب الأصلية.
تطوير الإطار التشريعي
تضمنت التوصيات في نهايتها دعوة إلى مواصلة تطوير الإطار التشريعي والمؤسسي لحماية حقوق اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين، وضمان حصولهم على الخدمات الأساسية، وهي التوصية التي قدمتها مصر ضمن عملية الاستعراض.
وتظهر الوثيقة في مجملها أن ناميبيا حققت تقدماً في عدد من المجالات، وهو ما أقر به العديد من الوفود المشاركة، خاصة في الصحة والتعليم والمساواة بين الجنسين والحماية الاجتماعية ومكافحة الاتجار بالأشخاص، وفي المقابل، تضع التوصيات أمام الحكومة مجموعة كبيرة من الاستحقاقات التي تتطلب إصلاحات تشريعية ومؤسسية وتمويلاً وقدرة تنفيذية، خصوصاً في الملفات المرتبطة بالعنف والتمييز والفقر والبطالة والخدمات الأساسية.
وأقرت ناميبيا بأن غالبية التوصيات التي قدمتها الوفود ترتبط بالمساواة والضمان الاجتماعي والتعليم والرعاية الصحية وحماية البيئة وحماية الفئات الضعيفة، بما فيها النساء والأطفال والمجتمعات المهمشة. وأوضحت أن البلاد ملتزمة بالفعل بهذه المجالات، لكنها تواجه عقبات مرتبطة بمحدودية الموارد المالية والبشرية، كما أكدت أن عدداً من الإصلاحات التشريعية والسياساتية قيد التنفيذ، وأنها مستعدة لمواصلة التعاون مع الإجراءات الخاصة لمجلس حقوق الإنسان.
وبذلك، تضع وثيقة الاستعراض الدوري الشامل ناميبيا أمام أجندة حقوقية واسعة تمتد من مكافحة التعذيب وتحسين ظروف الاحتجاز واستقلال القضاء، إلى حماية النساء والأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة والشعوب الأصلية والمهاجرين، مروراً بالتصدي للفقر والبطالة وعدم المساواة، وضمان الحق في الصحة والتعليم والسكن والمياه والصرف الصحي.
ويظل التحدي الرئيسي في المرحلة المقبلة هو الانتقال من الالتزامات والتوصيات إلى التنفيذ الفعلي، خصوصاً أن الوثيقة نفسها تشير إلى أن ناميبيا ستقدم ردودها على التوصيات قبل انعقاد الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان.
وبالنظر إلى أن العديد من التوصيات تتطلب تعديلات تشريعية وتمويلاً وتعزيزاً للمؤسسات وآليات المساءلة، فإن متابعة ما ستقبله ناميبيا وما ستلتزم بتنفيذه ستشكل مؤشراً مهماً على مسار حماية حقوق الإنسان في البلاد خلال المرحلة المقبلة.
