منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بعد شهر من المأساة.. أزمة سبتة تجسد المعاناة الإنسانية للمغاربة العالقين

27 أغسطس 2026

بعد نحو شهر من موجة العبور الجماعي التي هزت الحدود بين المغرب وسبتة، لم تُغلق فصول الأزمة بانحسار أعداد العابرين، وإنما انتقلت إلى مرحلة أكثر قسوة، عنوانها الانتظار الطويل والعيش في ظروف هشة والقلق على المفقودين ومأساة الضحايا الذين لم تتمكن عائلاتهم حتى الآن من معرفة مصيرهم.

وفي نهاية يوليو الماضي، اندفع عشرات الآلاف غالبيتهم من المغرب، نحو سبتة الخاضعة للإدارة الإسبانية، بعدما انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي معلومات مضللة تفيد بأن الحدود مفتوحة أو أن الوصول إلى الأراضي الأوروبية أصبح ممكناً، وفي الوقت الذي تمكنت فيه أعداد كبيرة من العودة إلى المغرب، بقي آلاف آخرون في سبتة بعضهم في مراكز إيواء مؤقتة وآخرون في الشوارع، في انتظار تسوية أوضاعهم أو العودة إلى بلادهم أو الحصول على فرصة لطلب الحماية.

وتختلف التقديرات بشأن أعداد من لا يزالون عالقين؛ إذ تشير تقارير حديثة إلى وجود ما بين 5 آلاف و10 آلاف مهاجر في المدينة، بينهم نحو ألفي قاصر، في حين تتحدث السلطات الإسبانية عن أرقام أقل، ويواجه هؤلاء نقصاً في أماكن الإيواء والخدمات الأساسية، في وقت خصصت الحكومة الإسبانية ملايين اليوروهات للتعامل مع الأزمة.

لم يكن كثير من المغاربة الذين وصلوا إلى سبتة يتوقعون أن تتحول لحظة العبور إلى مأزق طويل، حيث جاء معظمهم مدفوعاً بالبطالة وضيق الأفق الاقتصادي، وآخرون استجابوا لما شاهدوه على منصات التواصل الاجتماعي من مقاطع ورسائل أوحت بأن الوصول إلى سبتة بات ممكناً باعتباره أقصر طريق نحو أوروبا، ليجدوا أنفسهم وجهاً لوجه أمام الاختباء والتشرد والخوف من الاعتقال أو الإعادة أو انتظار مصير مجهول.

وتوثق تقارير صحفية وحقوقية أوضاعاً معيشية هشة للعالقين، خصوصاً القاصرين غير المصحوبين الذين وجد بعضهم أنفسهم بلا مأوى مستقر، وسط محدودية الخدمات المتاحة لهم، كما حذرت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان من أن المساعدات المتوفرة داخل سبتة لا تزال دون مستوى الاحتياجات الفعلية بعد موجة العبور الجماعي.

غضب ومعاناة مستمرة

وفي الجانب الآخر من الأزمة، لا يزال كثير من الأسر المغربية يعيش على وقع القلق بشأن أبنائه الذين فقدوا الاتصال بهم منذ محاولة العبور، وربما يكون أكثر فصول الأزمة إيلاماً هو ذلك الذي لا تزال عائلات الضحايا تعيشه بين انتظار خبر عن مفقود أو صورة أو نتيجة فحص DNA، أو حتى تأكيد رسمي بأن أحد أفراد الأسرة بين الناجين أو الضحايا.

وفي 30 يوليو الماضي، تحولت محاولة العبور إلى مأساة دامية إذ لقي عشرات الأشخاص حتفهم أثناء محاولة الوصول إلى سبتة، في حين تتضارب الأرقام بين الجانبين المغربي والإسباني، وقالت السلطات الإسبانية إن أكثر من 80 شخصاً لقوا حتفهم، في حين تحدث المجلس الوطني لحقوق الإنسان في المغرب عن 14 وفاة وفق المعطيات التي كانت متاحة لديه.

وبعد أسابيع من المأساة، بدأت سلطات سبتة دفن بعض الجثامين التي لم يتم التعرف إلى أصحابها، في مقابر المسلمين بالمدينة، مع وضع علامات تحمل أرقاماً بدل الأسماء، ما يسمح بإعادة التعرف إليها لاحقاً إذا ظهرت نتائج جديدة. ولم تنتهِ المأساة عند حدود الموت، بل تبدأ معاناة أخرى أكثر تعقيدات لعائلات تبحث عن جثامين ذويهم لاستعادتها ودفنها في بلادهم.

ويعد القاصرون أصحاب الوضع الأكثر هشاشة في المشهد، خصوصاً أولئك الذين عبروا من دون ذويهم، حيث تشير التقديرات إلى وجود نحو ألفي قاصر بين الموجودين في سبتة، وهو ما يضع السلطات الإسبانية أمام مسؤوليات قانونية وإنسانية تتعلق بالحماية والإيواء وتوفير الرعاية المناسبة، في حين أظهرت شهادات وتقارير ميدانية أن جزءاً من القاصرين عاشوا ظروفاً صعبة في الشوارع أو الغابات، في انتظار إيجاد أماكن تستوعبهم.

وفي تفسيرها للأحداث، حملت السلطات المغربية مسؤولية موجة العبور إلى عدة أسباب أبرزها التضليل عبر الفضاء الرقمي ونشاط شبكات الاتجار بالبشر وسوء فهم بعض المعطيات القانونية والإدارية، في حين ترى المنظمات الحقوقية المغربية أن القضية لا يمكن اختزالها في التضليل أو شبكات الهجرة، وإنما يجب النظر إليها أيضاً باعتبارها نتيجة لأزمة اجتماعية واقتصادية ولانسداد الأفق أمام قطاعات من الشباب.

سياسة ليّ الأذرع

ومع اقتراب مرور شهر كامل على الأزمة، يرى رئيس العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان والنائب البرلماني السابق، عادل تشيكيطو، أن هذه المدة ينبغي ألا تُقاس بساعاتها وأيامها وأسابيعها، وإنما بحجم المأساة والمعاناة المستمرة في حياة الأسر والأفراد، سواء أولئك الذين خاضوا تجربة العبور وعادوا، أو الذين لا يزالون عالقين في سبتة.

وقال تشيكيطو، في حديث لـ”صفر”، إن القضية ينبغي ألا تتحول إلى مجرد سجال سياسي بين المغرب وإسبانيا، يختزل ملفات الضحايا والمغاربة العالقين في خلافات سياسية أو إعلامية بين الدولتين، مشدداً على ضرورة أن يظل المواطنون والأسر المغربية في صلب أي معالجة، ما يضمن حقوقهم ومصالحهم وكرامتهم.

وتساءل الحقوقي المغربي عن طبيعة الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الإسبانية سواء على المستوى المركزي في مدريد أو المحلي في سبتة، ومدى قدرتها على تخفيف معاناة الشباب الذين عبروا الحدود، معرباً عن قلقه من أن يتحول الإنسان في السياسة الإسبانية، خصوصاً في التعامل مع ملف الهجرة والمهاجرين، إلى مجرد ورقة في إدارة العلاقات السياسية والحدودية.

ووصف تشيكيطو طريقة التعامل مع الأزمة بأنها عشوائية وتشوبها محاولات لـ”لي الأذرع” من جانب الحكومة الإسبانية، منتقداً في الوقت نفسه احتجاز الأطفال القاصرين، خاصة أن مكانهم الطبيعي هو العودة إلى أسرهم متى كان ذلك ممكناً وبما يضمن مصلحتهم الفضلى وحقوقهم.

وفي ملف الضحايا، أشار إلى قيام السلطات الإسبانية بدفن مجموعة من المتوفين قبل استكمال التنسيق مع السلطات المغربية، ودون بذل ما يكفي من البحث عن عائلاتهم وتقصي هوياتهم وأنسابهم، معتبراً ذلك تعامل غير إنساني خاصة مع انتشار حوادث تعرض فتيات ونساء للتحرش والاغتصاب، وفق إفادات وشكاوى.

وخلص تشيكيطو إلى أن بعض الإجراءات التي اتخذتها الحكومة أو القضاء الإسباني تبدو انتقائية ولا ترقى إلى مستوى حجم الأزمة، محذراً من أن استمرار الوضع على هذا النحو قد يحول المأساة إلى أزمة مزمنة يتعايش معها الجميع، مؤكداً أن إسبانيا وبعد مرور شهر كامل، لا تزال أمام ملفات إنسانية لم تُحسم بالصورة المطلوبة.

اختبار سياسي وإنساني

من جانبه، قال الباحث في الشؤون الأوروبية، ديميتري بريجع، إن ما يحدث في سبتة لم يعد مجرد أزمة هجرة غير نظامية أو ملف حدودي بين المغرب وإسبانيا، بل تحول إلى اختبار سياسي وإنساني حقيقي لإسبانيا وللاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي، موضحاً أن استمرار معاناة المغاربة العالقين وغياب أفق واضح لتسوية أوضاعهم يكشفان أن المشكلة تجاوزت مسألة ضبط الحدود لتصبح قضية مرتبطة بالحقوق الإنسانية والمسؤولية السياسية والأمن الاجتماعي في الوقت نفسه.

وأشار بريجع في حديث لـ”صفر” إلى تناقض واضح في السياسات الأوروبية؛ فمن جهة هناك تشديد مستمر على حماية الحدود الخارجية ومنع الهجرة غير النظامية، ومن جهة أخرى توجد التزامات مرتبطة بحقوق الإنسان وحق طلب اللجوء وحماية القاصرين وضمان دراسة كل حالة بصورة فردية، قائلاً: “إن اختلال هذا التوازن يحول الحدود من أداة لتنظيم الحركة إلى نقطة دائمة لإنتاج الأزمات”.

وأوضح أن الدور الأوروبي حتى الآن لا يبدو متناسباً مع حجم المشكلة؛ لأن سبتة ليست قضية إسبانية مغربية فقط، بل هي أيضاً جزء من الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، وبالتالي فإن تحميل إسبانيا وحدها المسؤولية التنفيذية والإنسانية لا يكفي، كما أن ترك المغرب وحده في موقع الدولة المطالبة بمنع التدفقات لا يقدم حلاً مستداماً؛ لأن القضية تحتاج إلى توزيع للمسؤولية بين إسبانيا والاتحاد الأوروبي والمغرب، مع انخراط أكبر من المنظمات الدولية المعنية بالهجرة واللجوء والحقوق الإنسانية.

وحذر من أن استمرار حالة الانتظار والغموض القانوني قد يؤدي إلى تداعيات أمنية واجتماعية كبيرة، ليس لأن العالقين يشكلون تهديداً بذاتهم، بل لأن بقاء أعداد كبيرة من الأشخاص دون وضع قانوني واضح أو سكن مناسب أو إمكانية للحركة والعمل يخلق بيئة يمكن أن تستفيد منها شبكات التهريب والاتجار بالبشر والجريمة المنظمة، مؤكداً أن زيادة عناصر الشرطة أو إنشاء مراكز مؤقتة أو تشديد المراقبة يمكن أن يخفف الضغط مؤقتاً، لكنه لا يعالج جوهر المشكلة.

وعن سبل الحل، رأى بريجع أن الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى تطوير علاقته مع المغرب في ملف الهجرة بعيداً عن منطق حراسة الحدود فقط، مشدداً على أن المغرب ينبغي ألا يتحول إلى مجرد منطقة عازلة أمام أوروبا، بل يجب أن يكون شريكاً في سياسة أشمل تشمل التنمية وخلق فرص العمل والهجرة القانونية ومكافحة شبكات التهريب وتبادل المعلومات ومعالجة العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الشباب إلى المخاطرة بحياتهم من أجل الوصول إلى الضفة الأخرى.

وحذر من أن استمرار السياسة القائمة على الإغلاق الأمني من جهة والانتظار الإنساني من جهة أخرى، سيفاقم الأزمة ويحولها إلى نموذج متكرر في نقاط أخرى من الحدود الأوروبية، داعياً إلى بذل جهود مشتركة تجمع بين الأمن والقانون والتنمية والحماية الإنسانية، لاحتواء الأزمة والوصول إلى تسوية تدريجية ومستدامة.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان