منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الطلاق في لبنان.. ارتفاع مقلق يكشف أزمة اجتماعية

24 أغسطس 2026
ظاهرة الطلاق في لبنان
ظاهرة الطلاق في لبنان

تحت وطأة أزمة اقتصادية واجتماعية متفاقمة، لم تعد الأسرة اللبنانية بمنأى عن تداعيات الضغوط التي أثقلت تفاصيل الحياة اليومية، من تراجع القدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية إلى اهتزاز الاستقرار النفسي والاجتماعي، وكشفت أرقام الطلاق المتصاعدة خلال السنوات الأخيرة جانباً مؤلماً من أزمة أعمق، تتقاطع فيها الأعباء المعيشية مع تغيرات اجتماعية وقانونية تمس تماسك الأسرة واستقرارها.

وبين زوجين يواجهان ضغوطاً تفوق قدرتهما على الاحتمال، وأطفال يجدون أنفسهم وسط صراع الانفصال، يتحول الطلاق من قرار شخصي إلى تجربة تترك آثاراً طويلة في أفراد الأسرة والمجتمع.

ومع ارتفاع حالات الطلاق، يفتح المشهد اللبناني باباً لسؤال أكثر إلحاحاً حول مستقبل الأسرة في بلد أنهكته الأزمات، وحول قدرة المجتمع ومؤسساته على حماية أفراده من تداعيات الانهيار الاجتماعي والاقتصادي.

وفق بيانات المديرية العامة للأحوال الشخصية التابعة لوزارة الداخلية اللبنانية، ارتفعت حالات الطلاق المسجلة من 6,894 حالة عام 2024 إلى 8,823 حالة عام 2025، بزيادة تقارب 28 في المئة خلال عام واحد، وسجلت البيانات 2,823 حالة طلاق خلال الأشهر الأولى من عام 2026، ما يعيد ظاهرة الانفصال الأسري إلى واجهة النقاش الاجتماعي في بلد يواجه منذ سنوات أزمة اقتصادية وسياسية وأمنية متراكمة.

وكشفت بيانات “ستاتيستيك ليبانون” أن مسار الطلاق في لبنان كان صاعداً على مدى أكثر من عقد؛ إذ ارتفع من 6,249 حالة عام 2012 إلى 7,173 عام 2016، ثم 7,751 عام 2017 و8,348 عام 2018، قبل أن يسجل تراجعاً في بعض السنوات ثم يعود إلى 8,501 حالة عام 2023 و8,823 عام 2025. وأظهرت البيانات في المقابل تراجع عقود الزواج من 36,748 عقداً عام 2012 إلى 25,828 عقداً عام 2024، قبل ارتفاعها إلى 32,852 عقداً عام 2025.

نسبة تحتاج إلى تدقيق

وأوضحت دراسة تحليلية نشرتها منصة “180 بوست” أن مقارنة عدد حالات الطلاق المسجلة في سنة بعدد عقود الزواج المسجلة في السنة نفسها لا تعني أن هذه الزيجات انتهت بالطلاق في العام ذاته؛ لأن حالات الطلاق المسجلة في أي سنة قد تعود إلى زيجات أُبرمت قبل سنوات. وأشارت المنصة إلى أن نسبة 23 في المئة الناتجة عن مقارنة 7,823 حالة طلاق بـ32,852 عقد زواج في 2025 لا تمثل معدل انتهاء الزيجات بالطلاق، وهو تمييز إحصائي ضروري عند قراءة الأرقام.

وبينت بيانات “ستاتيستيك ليبانون” أن الطلاق ارتفع من نحو 15 في المئة من عقود الزواج عام 2009 إلى قرابة 28 في المئة عام 2023، وفق طريقة الاحتساب التي تعتمد مقارنة معاملات الزواج والطلاق المسجلة خلال العام نفسه. وقالت تقارير لبنانية إن هذه النسبة ارتفعت من نحو 20 في المئة عام 2019 إلى 23 في المئة عام 2020 ثم 26.5 في المئة عام 2022 و28 في المئة عام 2023، مع تأكيد أن هذه المقارنة لا تعني بالضرورة أن الزيجات التي عقدت في تلك السنوات انتهت بالطلاق.

أزمة اقتصادية تضغط الأسرة

ربط البنك الدولي التحولات الاجتماعية في لبنان بأزمة اقتصادية غير مسبوقة، إذ ارتفعت نسبة الفقر في المناطق التي شملها مسحه من 12 في المئة عام 2012 إلى 44 في المئة عام 2022، في حين بلغ الفقر بين اللبنانيين 33 في المئة.

وقال البنك الدولي إن الأسر اضطرت إلى تقليص الإنفاق على الغذاء والصحة وغيرها من الاحتياجات الأساسية، في حين أصبح الحصول على وظائف مستقرة ودخل يحافظ على القدرة الشرائية أكثر صعوبة. وتوفر هذه الظروف خلفية اقتصادية مهمة لفهم الضغوط التي تواجهها الأسر، من دون اعتبار الأزمة الاقتصادية سبباً وحيداً للطلاق.

وأشار البنك الدولي إلى أن الاقتصاد اللبناني انكمش بأكثر من 34 في المئة خلال خمس سنوات من الأزمة، في حين قدرت المؤسسة أن التصعيد العسكري عام 2024 خفض نمو الناتج المحلي الحقيقي بما لا يقل عن 6.6 في المئة، وأدى إلى فقدان نحو 166 ألف شخص وظائفهم وخسارة 168 مليون دولار من الدخل. ويعني تراجع الدخل وارتفاع تكاليف السكن والتعليم والصحة أن الخلافات الأسرية تجري داخل بيئة مالية أكثر هشاشة، خصوصاً لدى الأسر التي فقدت مصادر دخلها أو اضطرت إلى تغيير أنماط معيشتها.

وتكشف بيانات الأمم المتحدة عن جانب آخر من الضغوط التي أصابت الأسرة اللبنانية، إذ أفاد تقرير منظمة الأمم المتحدة للطفولة بأن 15 في المئة من الأسر أوقفت تعليم أطفالها، وخفضت 52 في المئة منها الإنفاق على التعليم، في حين خفضت ثلاثة أرباع الأسر الإنفاق على العلاج الصحي. وقالت اليونيسف إن أكثر من أسرة من كل عشر اضطرت إلى إرسال أطفالها للعمل، ما يعكس حجم الضغوط التي تتحملها الأسرة قبل الوصول إلى مرحلة الانفصال.

تحولات في أدوار الزوجين

وفق خبراء في علم الاجتماع فإن العامل الاقتصادي لا يفسر وحده التحول الاجتماعي وارتفاع حالات الطلاق، مشيرين إلى تغير أدوار الرجل والمرأة داخل الأسرة واتساع مشاركة النساء في سوق العمل والتعليم والحياة العامة. وبيّنت أن دخول المرأة بصورة كبرى إلى سوق العمل خلق توزيعاً جديداً للمسؤوليات المنزلية، في حين لا تزال بعض الأسر تحمل تصورات تقليدية بشأن دور المرأة، وهو ما قد يحول الاختلاف حول توزيع الأعباء إلى مصدر دائم للنزاع.

ورصدت تقارير وجود تغير في التعامل الاجتماعي مع الطلاق، مع تراجع بعض الوصمة التي كانت تحيط بالمرأة المطلقة تحديداً، لافتة إلى أن بعض اللبنانيين باتوا يتعاملون مع الانفصال باعتباره بداية مرحلة جديدة، ووصل الأمر لدى فئة محدودة إلى تنظيم حفلات وإعلانات عبر منصات التواصل الاجتماعي، وهي ظاهرة اجتماعية لا يمكن اعتبارها مقياساً إحصائياً للطلاق لكنها تعكس تغيراً في الخطاب العام حول الانفصال.

السوشيال ميديا في قلب النزاع

وأبرزت تقارير لبنانية دور وسائل التواصل الاجتماعي في تغيير صورة العلاقات الزوجية؛ إذ تسمح المنصات بعرض أنماط معيشة وصور مثالية قد تدفع إلى المقارنة والغيرة، كما تفتح مجالاً لعلاقات ومحادثات خارج إطار الأسرة، وقد نقلت صحيفة “النهار” اللبنانية عن باحثين ومحامين قولهم إن بعض ملفات الطلاق خلال السنوات الأخيرة تضمنت نزاعات مرتبطة بالهواتف والمحادثات والعلاقات الرقمية، لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى أن نسبة 28 إلى 32 في المئة التي ظهرت في تقرير مكتب محاماة عام 2024 ليست إحصاءً وطنياً رسمياً، ولذلك لا يمكن تعميمها على جميع حالات الطلاق في لبنان.

وأضافت المادة المقدمة أن التحول الاجتماعي شمل أيضاً نظرة المرأة إلى الاستقلال الاقتصادي والأسري؛ إذ أصبحت شريحة من النساء أكثر قدرة على تأمين دخل خاص ومواجهة تبعات الانفصال مقارنة بما كان عليه الوضع في أجيال سابقة. ولا يعني ذلك أن الاستقلال الاقتصادي يؤدي تلقائياً إلى الطلاق، لكنه قد يقلل من أحد المعوقات التي كانت تجعل استمرار الزواج خياراً اضطرارياً لدى بعض النساء، وفق التحليل الاجتماعي الوارد في المادة.

الأطفال في دائرة التداعيات

وأظهرت تقارير حقوقية أن آثار الطلاق لا تتوقف عند الزوجين؛ إذ يمكن أن تمتد إلى الحضانة والنفقة والسكن والتعليم والصحة النفسية للأطفال. ووجدت منظمة هيومن رايتس ووتش في دراسة شملت 447 حكماً صادراً عن محاكم دينية لبنانية، إضافة إلى مقابلات مع نساء ومحامين وقضاة وأخصائيين اجتماعيين، أن قوانين الأحوال الشخصية تضع عقبات متفاوتة أمام النساء في الطلاق والحضانة والحقوق المالية. وقالت المنظمة إن بعض قواعد الحضانة لا تجعل مصلحة الطفل الفضلى العامل الحاسم دائماً، وهو ما يتعارض مع المعايير التي تضع مصلحة الطفل في مقدمة الاعتبار.

وأكدت هيومن رايتس ووتش في تقريرها العالمي لعام 2026 أن قوانين الأحوال الشخصية القائمة على الانتماء الديني لا تزال تمنح المحاكم الدينية دوراً أساسياً في قضايا الزواج والطلاق ومسؤولية الأطفال، مع استمرار وجود أحكام تمييزية ضد النساء، ولفتت المنظمة إلى أن حماية المرأة في قضايا العنف الأسري وحقوقها داخل الأسرة لا تزال تواجه ثغرات قانونية ومؤسسية.

15 نظاماً للأحوال الشخصية

وأوضح مكتب الأمم المتحدة في لبنان أن مسائل الأحوال الشخصية، ومنها الزواج والطلاق والحضانة والميراث، تخضع في لبنان لـ15 نظاماً قانونياً دينياً معترفاً به، بحيث تطبق كل طائفة قواعدها الخاصة. وقالت الأمم المتحدة إن هذا النظام يثير قضايا تتعلق بالمساواة بين النساء والرجال، خصوصاً في الطلاق والحضانة والحقوق داخل الأسرة، رغم التزامات لبنان بموجب اتفاقيات دولية لحقوق الإنسان.

وأكدت لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان أن قوانين الأحوال الشخصية القائمة على الدين تثير مخاوف بشأن التمييز ضد النساء في الزواج والحقوق المالية والطلاق وحضانة الأطفال والميراث، ودعت لبنان إلى إلغاء الأحكام التمييزية والنظر في اعتماد قانون موحد للأحوال الشخصية يضمن المساواة بين النساء والرجال ويحترم حرية الدين والمعتقد.

المرأة بعد الانفصال

وبيّنت لجنة الأمم المتحدة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة أن لبنان أبقى تحفظات على أجزاء من المادة 16 من اتفاقية “سيداو” المتعلقة بالمساواة في الزواج والعلاقات الأسرية، ومنها الحقوق والمسؤوليات أثناء الزواج وعند انحلاله. ودعت اللجنة لبنان إلى سحب التحفظات واتخاذ خطوات تضمن المساواة في الحقوق والمسؤوليات الأسرية.

وكشفت “هيومن رايتس ووتش” أن النساء قد يواجهن آثاراً اقتصادية قاسية عند انتهاء الزواج، خصوصاً في ظل اختلاف القواعد المتعلقة بالنفقة والتعويض والحضانة بين الطوائف. وقالت المنظمة إن بعض النساء قد يترددن في طلب الطلاق بسبب الخوف من خسارة الأطفال أو عدم القدرة على تحمل تكاليف الإجراءات القضائية، في حين يؤدي طول الإجراءات وارتفاع التكاليف إلى زيادة العبء على الأسر الهشة.

الأزمات المتراكمة

وأظهرت الأمم المتحدة أن الضغوط على النساء والأسر لم تعد اقتصادية فقط؛ إذ أدت الحرب والنزوح وتراجع الخدمات إلى زيادة مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي. وقالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة في مارس 2026 إن نحو 620 ألف امرأة وفتاة اضطررن إلى النزوح منذ 2 مارس، وإن النساء واجهن قبل التصعيد أصلاً تفاوتاً في الدخل والحماية القانونية والخدمات، في حين زادت الأزمات من أعباء الرعاية المنزلية وفقدان مصادر الدخل ومخاطر الاستغلال والعنف.

وأكد صندوق الأمم المتحدة للسكان في تقريره عن لبنان أن النزوح والاكتظاظ وتضرر البنية التحتية زادت مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي، في حين واجهت خدمات الصحة والدعم النفسي والحماية ضغوطاً متزايدة. وأشار الصندوق إلى أن خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2025 احتاجت إلى 40 مليون دولار، لكنها لم تكن ممولة في يناير 2025 إلا بنسبة 14 في المئة، ما يوضح هشاشة شبكات الدعم التي تحتاجها النساء والأسر في أوقات الأزمات.

منظومة قانونية تحت الاختبار

وأكدت المعايير الدولية أن إنهاء الزواج يجب أن يتم على أساس المساواة وعدم التمييز، وأن حقوق الأطفال يجب أن تحظى بالأولوية في قضايا الحضانة والرعاية. وتنص المادة 16 من اتفاقية “سيداو” على المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والمسؤوليات أثناء الزواج وعند انحلاله، كما تؤكد المادة ذاتها ضرورة أن تكون مصالح الأطفال هي الاعتبار الأساسي في القرارات المتعلقة بهم. وقد دعت لجنة “سيداو” لبنان مراراً إلى مواءمة قوانينه مع هذه الالتزامات.

ولا تعني الزيادة في أعداد الطلاق وحدها أن الأسرة اللبنانية فقدت قدرتها على الاستمرار، كما لا يمكن اختزال الظاهرة في العامل الاقتصادي أو وسائل التواصل الاجتماعي. فالبيانات تشير إلى تزامن عدة عوامل: ارتفاع الفقر، تراجع القدرة الشرائية، الهجرة، تغير أدوار النساء والرجال، الأزمات الأمنية، النزوح، وتعدد الأنظمة القانونية التي تحكم الأسرة. ويظهر مسار الطلاق في لبنان بوصفه جزءاً من تحول اجتماعي أوسع يطول قرار الزواج نفسه، وشروط الاستمرار فيه، وقدرة الأسرة على تحمل الصدمات المتتالية.

المشهد الأكثر تعقيداً

وتشير الأرقام إلى مفارقة واضحة بين تراجع عقود الزواج مقارنة بما كانت عليه قبل أكثر من عقد وعودة حالات الطلاق إلى مستويات مرتفعة، لكن قراءة هذه المؤشرات تحتاج إلى الحذر من تحويل الأعداد السنوية إلى نسب مباشرة لانتهاء الزيجات. وتبقى القضية الأهم في تداعيات الطلاق على النساء والأطفال، وعلى القدرة الاقتصادية للأسر، وعلى منظومة الحماية القانونية والاجتماعية التي يفترض أن تضمن الحقوق عند انتهاء الزواج.

ويظهر التحدي أمام لبنان في بناء منظومة أسرية وقانونية قادرة على التعامل مع الانفصال باعتباره واقعاً اجتماعياً يحتاج إلى حماية الحقوق لا إلى الوصم، مع ضمان المساواة أمام القانون، وحماية الأطفال، وتوفير المساعدة القانونية والاجتماعية للنساء والأسر الأقل دخلاً، وتحسين خدمات الدعم النفسي والاجتماعي. وتؤكد الأمم المتحدة وهيومن رايتس ووتش أن إصلاح قوانين الأحوال الشخصية وتعزيز المساواة والحماية الاجتماعية يمثلان جزءاً أساسياً من معالجة التداعيات الإنسانية للانفصال، بالتوازي مع معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية الأوسع التي تضغط على الأسرة اللبنانية.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان