في أعلى برج سكني متضرر بحي تل الهوى في مدينة غزة، يقف الفلسطيني إبراهيم الضبة بين صناديق خشبية صغيرة، يراقب حركة النحل وهي تعود إلى خلاياها بعد رحلة بحث عن الرحيق وسط مدينة أنهكتها الحرب.
مشهد يبدو بسيطا، لكنه يحمل معنى أعمق بالنسبة له؛ فاستمرار النحل في الحياة فوق الركام أصبح رمزا لمحاولة الإنسان استعادة ما فقده، بحسب ما ذكرت وكالة “الأناضول”.
ولم تعد تربية النحل بالنسبة للضبة مجرد مهنة أو مصدر دخل، بل أصبحت محاولة لإحياء قطاع كامل تعرض لخسائر كبيرة، والحفاظ على حرفة عائلية توارثها عبر سنوات طويلة.
وبعد أن دمرّت الحرب مناحله ونفقت معظم طوائف النحل التي كان يمتلكها، اضطر إلى نقل خلاياه من الأراضي الزراعية إلى سطح مبنى متضرر، بعدما أصبح الوصول إلى مناطق الرعي شرقي القطاع محفوفا بالمخاطر.
من المزارع إلى أسطح الأبنية
اختار الضبة سطح البرج كحل اضطراري للحفاظ على ما تبقى من مشروعه، رغم أن المكان لا يوفر الظروف الطبيعية المعتادة لتربية النحل، فالنحالون في غزة كانوا يعتمدون سابقا على الحقول والأشجار والمناطق الزراعية الغنية بالنباتات المزهرة، لكن الحرب والقيود المفروضة على الحركة غيرت طبيعة عملهم.
بدأ الضبة محاولته الجديدة بثلاث خلايا فقط، قبل أن ينجح تدريجيا في رفع العدد إلى أكثر من 35 خلية فوق سطح البرج، مؤكدا أن هذا الخيار لم يكن مناسبا مهنيا، لكنه أصبح الوسيلة الأكثر أمانا في ظل الواقع الحالي.
ويقول الضبة إن النحالين لم يعودوا قادرين على الوصول بسهولة إلى المناطق المفتوحة القريبة من الحدود، حيث كانت تنتشر مصادر غذاء النحل، ما دفعهم إلى البحث عن بدائل داخل المناطق السكنية.
خسائر تتجاوز أصحاب المهنة
لم تكن خسارة الضبة حالة فردية، إذ تعرض قطاع تربية النحل وإنتاج العسل في غزة لأضرار واسعة خلال الحرب، شملت تدمير المناحل وتراجع الغطاء النباتي الذي يعتمد عليه النحل في التغذية.
وبحسب بيانات الجمعية التعاونية لمربي النحل في قطاع غزة، فقد بلغت خسائر القطاع نحو 39 مليون دولار منذ أكتوبر 2023، مع تدمير نحو 30 ألف خلية نحل كانت تنتج قبل الحرب ما بين 380 و400 طن من العسل سنويا.
وتشير البيانات إلى أن القطاع كان يعتمد عليه نحو ألف نحال، ويوفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لنحو 10 آلاف شخص، ما يجعل تضرر هذه المهنة خسارة اقتصادية واجتماعية في الوقت نفسه.
وتأتي هذه الخسائر في ظل تراجع كبير في القطاع الزراعي عموما، إذ أشارت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة إلى أن نحو 87% من الأراضي الزراعية في غزة لا تزال متضررة، إضافة إلى تضرر مساحات واسعة من البيوت الزراعية المحمية، وهو ما يؤثر مباشرة على مصادر غذاء النحل.
محاولة للعودة وسط نقص الإمكانات
بعد وقف إطلاق النار، بدأ مربو النحل محاولات محدودة لإعادة تشغيل القطاع بما تبقى لديهم من إمكانات. ويقول الضبة إن عدد الخلايا انخفض إلى أقل من 500 خلية، قبل أن يتمكن النحالون من رفع العدد تدريجيا إلى أكثر من 3 آلاف خلية يعمل عليها أكثر من 100 نحال.
لكن هذه المحاولات تواجه نقصا حادا في مستلزمات الإنتاج، من بينها الصناديق الخشبية والإطارات والشمع والأدوية الخاصة بعلاج النحل، وهي مواد أساسية يصعب توفيرها في ظل القيود المفروضة على دخول المعدات.
ولا يمثل نقص الأدوات تحديا اقتصاديا فقط، بل يهدد قدرة النحالين على إعادة بناء القطاع واستعادة دوره كمصدر رزق للعديد من الأسر.
حركة النحل مرتبطة بالأمان
تحتاج تربية النحل إلى الوصول إلى مناطق الرعي والحقول، لكن الواقع الأمني في غزة جعل هذه المناطق بعيدة المنال بالنسبة لكثير من النحالين.
وكان مربو النحل ينقلون خلاياهم إلى مناطق شرقي القطاع للاستفادة من النباتات المزهرة، إلا أن القيود على الحركة وانتشار القوات العسكرية جعلت الوصول إلى هذه المناطق أمرا شديد الخطورة.
وبذلك لم يعد التحدي الذي يواجه النحالين مرتبطا بالمهنة نفسها فقط، بل بقدرتهم على الوصول إلى البيئة التي تسمح باستمرارها.
أمل صغير فوق مدينة متعبة
رغم الدمار المحيط به، يرى إبراهيم الضبة في استمرار النحل داخل خلاياه رسالة أمل، فهذه الكائنات الصغيرة التي عادت للعمل فوق سطح مبنى متضرر أصبحت بالنسبة له دليلا على إمكانية إعادة البناء مهما كانت الخسائر.
ويقول إن رؤية النحل يتأقلم مع المكان الجديد أعادت إليه الشعور بإمكانية البدء من جديد، مؤكدا أن الإنسان أيضا قادر على مواصلة الحياة وإعادة بناء ما دمرته الحرب.
وفي قطاع غزة، لم تعد تربية النحل مجرد صناعة لإنتاج العسل، بل أصبحت قصة عن الصمود ومحاولة استعادة الحياة من بين الركام.
