منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الرعاية الصحية للاجئين في مصر.. حق قانوني يصطدم بأزمة التمويل وضغوط النظام الصحي

16 أغسطس 2026
سيدات لاجئات يستمعن لإرشادات طبية
سيدات لاجئات يستمعن لإرشادات طبية

قالت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين إن مصر تستضيف أكثر من 1.1 مليون لاجئ وطالب لجوء مسجلين، في ظل تداعيات متراكمة لحروب وأزمات إقليمية دفعت أعداداً متزايدة من النازحين إلى الأراضي المصرية، وأظهرت أحدث بيانات المفوضية حتى 30 يونيو 2026 استمرار ارتفاع أعداد المسجلين، في حين أكدت المفوضية أن الوصول إلى الرعاية الصحية بأسعار مناسبة لا يزال يمثل تحدياً، خصوصاً للاجئين المصابين بأمراض مزمنة أو الذين يحتاجون إلى رعاية متخصصة.

وأوضحت منظمة الصحة العالمية أن مصر عرضت خلال اجتماع رفيع المستوى في يونيو 2026 تجربتها في توفير وصول أكثر شمولاً للرعاية الصحية للاجئين والمهاجرين وطالبي اللجوء، مشيرة إلى تقديم مئات الآلاف من خدمات الرعاية الأولية سنوياً، إلى جانب خدمات الفحص والعلاج.

وقالت منظمة الصحة العالمية إن مصر تتجه إلى دمج احتياجات اللاجئين والمهاجرين ضمن النظم الصحية الوطنية، باعتبار الوصول المنصف إلى الرعاية جزءاً من حماية الحق في الصحة.

ارتفاع الاحتياجات

أفادت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بأن عدد اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين في مصر ارتفع بين عامي 2022 ومايو 2026 بنسبة 281 بالمئة، من نحو 288,500 شخص إلى 1.1 مليون.

وأوضحت منظمة الصحة العالمية في مارس 2026 أن مصر تستضيف أكثر من 9 ملايين مهاجر ولاجئ، في حين يتركز جزء كبير من الاحتياجات الصحية في القاهرة وأسوان ومناطق أخرى تستضيف أعداداً كبيرة من الوافدين. وأعلنت المنظمة مع الوكالة اليابانية للتعاون الدولي إطلاق مشروع لتقييم الاحتياجات الصحية للمهاجرين واللاجئين والمجتمعات المضيفة وتعزيز قدرة المنشآت الصحية على الاستجابة لها.

حق قانوني ومسؤولية دولية

أكدت الحكومة المصرية في ردها إلى آليات حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أن الدولة ملتزمة بإتاحة الخدمات الأساسية للاجئين وطالبي اللجوء، وأنهم وأطفالهم يستطيعون الحصول على الرعاية الصحية والتعليم على قدم المساواة مع المصريين.

واستندت الحكومة إلى المادة 18 من الدستور التي تقر بأن لكل إنسان الحق في الصحة، وأن الامتناع عن تقديم العلاج بأشكاله المختلفة لأي إنسان في حالات الطوارئ أو الخطر على الحياة جريمة.

وأشارت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن وزارة الصحة والسكان والمفوضية وقعتا في 2016 مذكرتي تفاهم تتيحان للاجئين وطالبي اللجوء من مختلف الجنسيات الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية الأولية والثانوية والطوارئ في المرافق العامة على قدم المساواة مع المواطنين. وأضافت المفوضية أن برامجها تشمل دعم الأمراض المزمنة والصحة النفسية والرعاية الثانوية والإحالات للحالات التي تهدد الحياة.

وأضافت الحكومة المصرية في وثيقة قدمتها إلى مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان أن منشآت وزارة الصحة قدمت بين أكتوبر 2024 وأكتوبر 2025 نحو 1,206,315 خدمة طبية لغير المصريين، بتكلفة بلغت 114.7 مليون جنيه مصري. وشملت الخدمات 351,502 خدمة رعاية صحية أولية للاجئين والمهاجرين، و26,735 حالة تلقت خدمات تخصصية بالمستشفيات خلال النصف الأول من 2025، إضافة إلى علاج 12,289 حالة من الأمراض المعدية خلال الفترة نفسها.

فجوة بين الحق والقدرة

أظهرت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن الاعتراف بمبدأ الوصول إلى الصحة لا يلغي العقبات العملية أمام العلاج، خصوصاً مع ارتفاع أعداد المحتاجين وتراجع التمويل الإنساني. وقالت المفوضية إن برامجها الصحية في 2025 قدمت 56 ألف استشارة متخصصة لنحو 17 ألف لاجئ، شملت الأمراض المزمنة والصحة النفسية ورعاية الحوامل ودعم الناجين من العنف القائم على النوع الاجتماعي وعلاج السل وفيروس نقص المناعة والرعاية بالمستشفيات والحالات الطارئة المنقذة للحياة.

وأوضحت المفوضية أن نقص التمويل أجبرها خلال 2025 على تعليق معظم أنشطة الرعاية الصحية الضرورية، ما ترك آلاف المرضى اللاجئين دون دعم بديل. وفي أبريل 2026 أطلقت برنامجاً نقدياً للصحة بتمويل أولي قدره 250 ألف دولار، يستهدف تمكين أكثر من 1,700 لاجئ من تحمل تكلفة الأدوية الشهرية الخاصة بالأمراض المزمنة.

وحذرت المفوضية في أبريل 2026 من أن أزمة التمويل أصبحت تهدد برامج المساعدة الأساسية في مصر، بعدما تراجعت الموارد المتاحة لكل لاجئ أو طالب لجوء من 11 دولاراً شهرياً في 2022 إلى 4 دولارات فقط في 2025، رغم زيادة الاحتياجات. وقالت إن أكثر من 20 ألف أسرة لاجئة كانت مهددة بفقدان المساعدات النقدية، في حين لم تكن قد حصلت سوى على 2 بالمئة من التمويل المطلوب لبرنامج المساعدات النقدية لعام 2026 وقت صدور التحذير.

تحديات هيكلية

أوضحت الاستراتيجية الوطنية للصحة في مصر 2024-2030 أن النظام الصحي يواجه تحديات هيكلية تسبق الزيادة الكبيرة في أعداد اللاجئين، بينها انخفاض كثافة الأسرّة بالمستشفيات من 14 سريراً لكل 10 آلاف نسمة عام 2014 إلى 12 سريراً عام 2023، مقابل مستهدف وطني يبلغ 30 سريراً لكل 10 آلاف نسمة بحلول 2030. كما بلغ عدد منشآت الرعاية الصحية الأولية 0.5 منشأة لكل 10 آلاف نسمة في 2023، بحسب وزارة الصحة والسكان.

وقالت منظمة الصحة العالمية إن معالجة صحة اللاجئين والمهاجرين ينبغي ألا تتم باعتبارها قضية منفصلة عن تقوية النظم الصحية الوطنية، مؤكدة أن إدماج هذه الفئات في النظام الصحي يمكن أن يحسن النتائج الصحية للجميع.

وأظهر تقرير المنظمة الصادر في مارس 2026 أن أكثر من 60 دولة من أصل 93 دولة شملها الرصد باتت تدرج اللاجئين والمهاجرين في سياساتها وقوانينها الصحية، مع استمرار وجود معوقات قانونية ومالية واجتماعية أمام الوصول إلى العلاج في دول عدة.

التمويل الدولي يدعم النظام العام

أعلنت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في فبراير 2026 تقديم جهازين للتصوير بالرنين المغناطيسي إلى وزارة الصحة والسكان لدعم مستشفيي الزيتون والقناطر، مؤكدة أن المعدات تستهدف تعزيز قدرة النظام الصحي العام على خدمة المجتمعات المضيفة واللاجئين معاً، وربطت المفوضية الخطوة بالضغوط الصحية الناتجة عن الحرب في دول الجوار.

وأعلنت منظمة الصحة العالمية والوكالة اليابانية للتعاون الدولي في مارس 2026 شراكة لدعم الاحتياجات الصحية للمهاجرين واللاجئين والمجتمعات المضيفة في القاهرة وأسوان، على أن تبدأ بتقييم شامل للاحتياجات الصحية وتنظيم زيارات ميدانية وتنسيق مع وزارة الصحة والسلطات الصحية الوطنية والمنشآت المختارة.

الجدل حول علاج غير المصريين

أعاد الجدل الذي رافق مؤسسة بهية لعلاج سرطان الثدي فتح سؤال التمويل والتمييز في تقديم الخدمات الصحية، وأكدت المؤسسة، في بيانها الذي أوردته المادة محل البحث، أن التبرعات المقدمة لعلاج المصريات غير القادرات تخصص وفقاً للغرض الذي جمعت من أجله، في حين تقدم خدمات لغير المصريات عبر القسم الاقتصادي وبموجب بروتوكولات تعاون مع جهات وسفارات تتحمل تكاليف الحالات المحالة، ويكشف الجدل في الوقت نفسه حساسية العلاقة بين العمل الخيري والتمويل الدولي والرعاية الصحية للاجئين، خصوصاً في ظل حملات إلكترونية تربط بصورة غير دقيقة بين علاج الوافدين وحرمان المصريين من الخدمات.

وأوضحت منصة اللاجئين في مصر أن المطالبة بالشفافية في أوجه إنفاق التبرعات حق مشروع، لكنها حذرت من تحويل النقاش حول الموارد الصحية إلى خطاب يحمل اللاجئين مسؤولية الأزمات الهيكلية في القطاع الصحي. وترى المنصة أن جنسية المريض ينبغي ألا تصبح مبرراً لحرمانه من العلاج، خصوصاً في حالات المرض الخطِر والطوارئ، مع ضرورة الفصل بين النقاش المشروع حول التمويل وبين التحريض أو التمييز ضد اللاجئين.

انتقادات حقوقية للإطار الجديد

وقالت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إن اللائحة التنفيذية لقانون لجوء الأجانب رقم 164 لسنة 2024 التي نشرت في الجريدة الرسمية في مايو 2026 لم تعالج في رأيها جوانب اعتبرتها قصوراً في منظومة حماية اللاجئين وطالبي اللجوء.

وأشارت المبادرة إلى أن اللائحة تدخل حيز التنفيذ خلال ثلاثة أشهر من نشرها، بالتزامن مع انتقال مسؤوليات رئيسة في ملف اللجوء من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين.

وفي المقابل، أكدت الحكومة المصرية في ردها إلى آليات مجلس حقوق الإنسان أن الدولة تعمل على ضمان وصول اللاجئين والمهاجرين إلى الرعاية الصحية، وأن مبادرات صحية وطنية تشملهم، منها حملات التطعيم ومبادرات صحة المرأة والكشف المبكر عن سرطان الثدي وعلاج الأمراض المزمنة وخدمات الصحة النفسية. ويعكس هذا التباين بين الموقف الرسمي والانتقادات الحقوقية وجود اتفاق على أهمية توفير الرعاية، مع اختلاف واضح حول مدى كفاية الضمانات القانونية والعملية وآليات تنفيذها.

تحذيرات أممية من معوقات الحماية

أعرب سبعة خبراء من آليات حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في مارس 2026 عن قلقهم إزاء ما وصفوه بتصاعد الاعتقالات التعسفية والترحيلات غير القانونية بحق لاجئين وطالبي لجوء ومهاجرين في مصر.

وأشار الخبراء إلى استهداف مجتمعات لاجئة في المنازل وأماكن العمل وحتى في مراكز الخدمات التي يديرها اللاجئون، في حين أثارت مذكرة أممية سابقة مخاوف بشأن صعوبات الحصول على الإقامة في الوقت المناسب، وتأثير ذلك في الوصول إلى الخدمات العامة.

وأكدت منظمة الصحة العالمية أن جميع اللاجئين والمهاجرين، بغض النظر عن وضعهم القانوني، يتمتعون بحق الإنسان في الصحة، وأن الدول مطالبة بتوفير خدمات صحية تراعي احتياجاتهم دون تمييز على أساس الجنسية أو العرق أو الدين أو العمر أو النوع الاجتماعي. وشددت المنظمة على أن الحواجز المالية والقانونية واللغوية والاجتماعية يمكن أن تؤدي إلى تأخير العلاج وتفاقم النتائج الصحية.

وبينما تواجه مصر ضغطاً متزايداً نتيجة أزمات النزوح الإقليمية وتراجع التمويل الإنساني، تبرز الرعاية الصحية باعتبارها واحدة من أكثر نقاط التماس حساسية بين حق اللاجئ واحتياجات المجتمع المضيف.

وتظهر البيانات الرسمية والأممية أن الدولة قدمت بالفعل ملايين الخدمات الصحية للمقيمين غير المصريين، وأن شركاء دوليين أسهموا في دعم المنشآت والمعدات والبرامج الصحية، لكن فجوة التمويل وارتفاع أعداد المحتاجين يهددان استمرارية بعض الخدمات المتخصصة والمنقذة للحياة.

ويضع ذلك منظومة الرعاية الصحية أمام اختبار مزدوج: الحفاظ على حق المصريين في خدمات عامة كافية، وضمان ألا يتحول نقص الموارد إلى تمييز ضد اللاجئين والمهاجرين. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن الطريق الأكثر استدامة يتمثل في تقوية النظام الصحي الوطني وإزالة المعوقات أمام الوصول إلى العلاج، في حين تظهر تجربة مصر أن الدعم الدولي يمكن أن يخدم اللاجئين والمجتمعات المضيفة معاً، من خلال المعدات والتدريب والرعاية الأولية والاستجابة للطوارئ.

وتظل القاعدة القانونية والإنسانية الأساسية أن المريض لا يفقد حقه في الرعاية بسبب جنسيته أو ظروف نزوحه. وبينما يظل من حق المجتمع المصري المطالبة بزيادة الإنفاق الصحي وتحسين جودة المستشفيات وتوفير الأدوية والأطباء والأسرّة، فإن معالجة هذه الاختلالات تحتاج إلى سياسات وتمويل وإدارة أفضل، لا إلى تحميل اللاجئ المريض مسؤولية أزمة سبقت موجات النزوح الحالية. وتؤكد البيانات الرسمية أن تعزيز قدرة النظام الصحي المصري، بالتوازي مع ضمان وصول اللاجئين إلى الخدمات، هو المسار الذي يمكن أن يحمي الحق في الصحة ويخفف الضغط عن المجتمعات المضيفة في آن واحد.