بعد أكثر من أربع سنوات على توقيع اتفاق بريتوريا الذي أنهى الحرب المدمرة في إقليم تيغراي شمالي إثيوبيا، عادت المخاوف من اندلاع صراع جديد إلى الواجهة، مع تصاعد التوتر بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيغراي، بالتزامن مع مؤشرات على حشد عسكري وتحركات ميدانية تنذر بانتكاسة جديدة لعملية السلام.
ومؤخرا اتهمت سلطات تيغراي الحكومة الإثيوبية بشن ضربات بطائرات مسيرة استهدفت قواتها في جنوب الإقليم، ووصفتها بأنها “تصعيد خطير” أسفر عن خسائر بشرية، بالتزامن مع فرار مئات الإثيوبيين إلى السودان وسقوط قتلى وجرحى في مخيمات اللاجئين الحدودية جراء المواجهات المتصاعدة، وسط مخاوف من اندلاع حرب جديدة بين الطرفين.
وتأتي هذه التطورات في وقت لم يتعافَ فيه سكان الإقليم بعد من التداعيات الإنسانية للحرب التي اندلعت عام 2020 في إثيوبيا واستمرت عامين متواصلين، ما يثير مخاوف من أن تؤدي أي مواجهة جديدة إلى إعادة إنتاج دوامة القتل والنزوح والدمار.
اتفاق إنهاء الحرب في إثيوبيا
في نوفمبر 2022، وقعت الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي اتفاقا في جنوب إفريقيا برعاية الاتحاد الإفريقي، يقضي بإنهاء الحرب ووقف دائم لإطلاق النار، إلى جانب نزع سلاح قوات تيغراي وعودة السلطات الاتحادية إلى الإقليم.
ونجح الاتفاق بالفعل في وقف العمليات العسكرية واسعة النطاق، لكنه لم يحسم عددا من القضايا الجوهرية، وفي مقدمتها وضع الأراضي المتنازع عليها وعودة النازحين وترتيبات الحكم في الإقليم ومستقبل القوات التابعة لجبهة تحرير شعب تيغراي.
ومع استمرار هذه الملفات دون تسوية نهائية، ظلت عملية السلام هشة وقابلة للانتكاس، وهو ما انعكس في تجدد التوترات والاشتباكات خلال 2026، الأمر الذي دفع الأمم المتحدة إلى التحذير من احتمال اتساع رقعة الصراع والدعوة إلى ضبط النفس والتنفيذ الكامل لاتفاق وقف الأعمال العدائية.
ولم يعد الخلاف بين الطرفين مجرد اختلاف حول تفسير اتفاق بريتوريا، بل امتد إلى طبيعة إدارة الإقليم وترتيبات السلطة، إذ أعادت جبهة تحرير شعب تيغراي الإدارة التي كانت قائمة قبل الحرب إلى الإقليم، في خطوة اعتبرتها الحكومة الفيدرالية تحديا مباشرا للترتيبات السياسية التي أُنشئت بعد اتفاق السلام.
في المقابل، تتهم قيادة تيغراي الحكومة الفيدرالية بالتراجع عن التزاماتها بموجب اتفاق بريتوريا وفرض ترتيبات سياسية من جانب واحد، بينما يؤكد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أن جبهة تحرير شعب تيغراي تتبنى أيديولوجية سياسية ونهجا قياديا “عفا عليهما الزمن”، ولا يتوافقان مع الواقع السياسي الراهن في البلاد، وبين الاتهامات المتبادلة، تتزايد المؤشرات الميدانية على أن الخلاف السياسي قد يتحول مرة أخرى إلى مواجهة عسكرية.
إعادة سيناريو الحرب
وأعرب الخبير في الشؤون الإفريقية، عبد المنعم أبو إدريس، عن مخاوفه من احتمال اندلاع صراع جديد في إقليم تيغراي، مؤكدا أن الحوار يظل الطريق الأسلم لتسوية الأزمة بين جبهة تحرير شعب تيغراي وحكومة آبي أحمد.
وقال أبو إدريس، في تصريح لـ”صفر”، إن هذه المخاوف تعززها التطورات التي تجري في إقليم تيغراي الإثيوبي، من خلال حشد كل من الطرفين قواته، إضافة إلى التحليق المكثف لطائرات مسيرة استطلاعية تابعة للجيش الفيدرالي الإثيوبي، فضلاً عن معلومات عن إرسال تعزيزات عسكرية إلى غرب الإقليم، المتاخم للحدود مع السودان.
وشدد الخبير على أن هذه التطورات تنذر بإعادة سيناريو الحرب السابقة مرة أخرى، محذرا من أن استمرار التصعيد العسكري قد يدفع الإقليم إلى دائرة جديدة من العنف، في وقت لا تزال فيه تداعيات الحرب السابقة حاضرة بقوة.
وتبدو مخاطر التصعيد أكثر وضوحا مع وصول تداعيات المواجهات إلى المناطق الحدودية، إذ عبر مئات الإثيوبيين من تيغراي إلى السودان هربا من معارك قرب الحدود، فيما سقط قتلى وجرحى في مخيمات للاجئين بعد وصول مقذوفات إلى بعضها، فيما حذرت السلطات السودانية من أن استمرار الحشود العسكرية قد يؤدي إلى تدفق مزيد من اللاجئين ويزيد المخاطر الأمنية والإنسانية.
ولا تنفصل أزمة تيغراي عن التوترات الجيوسياسية المتزايدة في منطقة القرن الإفريقي، إذ يشير أبو إدريس إلى أن المقلق أن ارتفاع وتيرة التوتر يأتي في ظل تغيرات جيوسياسية في المنطقة، لافتا إلى توتر العلاقات بين أديس أبابا والخرطوم، على خلفية تبادل الاتهامات بشأن دعم حركات تمرد ضد كل من البلدين.
خسائر المدنيين
ويزيد موقع تيغراي المتاخم للسودان من حساسية أي تصعيد عسكري، خصوصا مع وجود مخيمات للاجئين على الحدود، ما يجعل عودة الحرب تهديدًا لا يقتصر على الداخل الإثيوبي، وإنما قد يمتد إلى دول الجوار عبر موجات نزوح جديدة ومخاطر أمنية متزايدة.
وفي قلب هذا التصعيد يقف المدنيون الذين لم يتعافوا بعد من آثار الحرب السابقة، إذ لا تزال قضايا النزوح والعودة والأراضي المتنازع عليها من أكثر الملفات تعقيدا، وعودة القتال ستعني بالنسبة إلى السكان مزيدا من النزوح، وتعطل الخدمات الأساسية، وتفاقم الاحتياجات الإنسانية، فضلا عن احتمال وقوع انتهاكات جديدة بحق المدنيين.
كما أن استمرار غياب تسوية نهائية لملف الأراضي وعودة النازحين يهدد بإبقاء جذور الصراع قائمة حتى في حال تجنب المواجهة العسكرية المباشرة.
ورغم قتامة المشهد، لا يرى أبو إدريس أن طريق السلام قد أغلق بالكامل، مرجحا أن يكون حديث رئيس الوزراء الإثيوبي عن أن “باب السلام لا يزال مفتوحا” موجها إلى الرأي العام الداخلي الإثيوبي وإلى حلفائه وأصدقائه في عدد من الدول، لكنه يرى أن الوصول إلى تسوية فعلية يتطلب استجابة لمطالب محددة مرتبطة بتنفيذ اتفاق بريتوريا.
وقال أبو إدريس إن الخطاب الموجه إلى الحكومة المسيطرة على إقليم تيغراي يتطلب الاستجابة لمطالب محددة مرتبطة بتنفيذ اتفاقية بريتوريا للسلام، وهو ما لم يحدث.
وخلص أبو إدريس إلى أن ما من سبيل لحل الأزمة في الإقليم إلا بالجلوس في مفاوضات سلام تستخدم اتفاق بريتوريا أساسا لحل الأزمة، لأن الاتفاق الذي أوقف الحرب لا يزال يمثل نقطة يمكن البناء عليها، لكن استدامة السلام تتطلب معالجة القضايا التي بقيت عالقة، وإعادة بناء الثقة بين الطرفين، وضمان عودة النازحين وحماية المدنيين، بدل الاكتفاء بوقف مؤقت لإطلاق النار.
فرص السلام مستمرة
من جانبه، يرى الخبير المتخصص في الشؤون الإفريقية، الدكتور علي محمود كلني، في حديث لـ”صفر”، أن إقليم تيغراي يمر بمرحلة شديدة الحساسية، في ظل مخاوف من عودة التوترات السياسية والأمنية، قبل استكمال معالجة تداعيات الحرب السابقة.
وحول إعلان رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أن “باب السلام مفتوح” أمام جبهة تحرير شعب تيغراي، يؤكد كلني أن جدية هذا الطرح لا يمكن قياسها بالتصريحات، وإنما بالإجراءات العملية ومدى الالتزام باتفاق بريتوريا واحترام حقوق الإنسان وضمان عودة النازحين وتسوية الملفات العالقة.
وأوضح أن اتفاق بريتوريا نجح في وقف الحرب، لكنه لم يعالج جذور الصراع بالكامل، إذ لا تزال قضايا الأراضي المتنازع عليها وعودة النازحين وإعادة الإعمار والمساءلة عن الانتهاكات ونزع السلاح وترتيبات الحكم والأمن بحاجة إلى تسويات سياسية وقانونية.
وحذّر من أن استمرار هذه الملفات دون حلول قد يعيد إنتاج التوتر، مشددا على أن إعلان الاستعداد للحوار سيكون خطوة إيجابية فقط إذا تحول إلى مسار سياسي واضح قائم على بناء الثقة وتنفيذ الالتزامات المتبادلة.
ويرى كلني أن الحل لا يمكن أن يكون عسكريا فقط، وإنما يتطلب تسوية سياسية شاملة، تضمن تنفيذ اتفاق السلام وحل القضايا المتنازع عليها بالوسائل القانونية والسياسية وعودة النازحين بصورة آمنة وطوعية وكريمة، إلى جانب آلية مستقلة وشفافة لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
ودعا المجتمع الدولي إلى دعم الحوار ومراقبة تنفيذ الاتفاقات وتمويل إعادة الإعمار والبرامج الإنسانية، مؤكدا أن فرص السلام لم تنتهِ بعد، لكن “الفرصة لن تبقى مفتوحة إلى الأبد”، فكلما تأخر تنفيذ الالتزامات وتراجعت الثقة بين الأطراف، ازدادت احتمالات عودة التوتر.

