تصاعدت المخاوف الحقوقية بشأن استخدام عقوبة الإعدام في إيران على خلفية الاحتجاجات والقضايا المرتبطة بالأمن القومي، بعدما حذرت الأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية من ارتفاع عمليات وأحكام الإعدام بحق محتجين ومعارضين، وسط اتهامات بوجود انتهاكات لضمانات المحاكمة العادلة واستخدام تهم أمنية واسعة قد تنتهي بعقوبة الموت.
وقال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، في 5 أغسطس 2026، إن السلطات الإيرانية أعدمت ما لا يقل عن 56 شخصاً منذ 19 مارس الماضي في قضايا مرتبطة بالأمن القومي، بينهم 27 شخصاً في قضايا على صلة بالاحتجاجات التي شهدتها البلاد مطلع العام.
وأضاف أن أكثر من 100 شخص آخرين يواجهون خطر الإعدام في قضايا أمنية مماثلة، محذراً من استخدام العقوبة لترهيب السكان وقمع المعارضة.
ويأتي التحذير الأممي بعد أقل من أسبوع على إعلان منظمة العفو الدولية عن تصاعد تنفيذ أحكام الإعدام المرتبطة باحتجاجات يناير 2026، وقالت المنظمة في 29 يوليو إن السلطات أعدمت علناً محتجين اثنين في 28 يوليو، بعد تنفيذ أحكام بحق محتجين آخرين خلال الأيام السابقة، في حين يواجه ما لا يقل عن 60 شخصاً صدرت بحقهم أحكام بالإعدام خطراً مماثلاً، ومن بين هؤلاء ثلاثة أشخاص تقول المنظمة إنهم كانوا دون سن الثامنة عشرة وقت ارتكاب الأفعال المنسوبة إليهم.
من الاحتجاج إلى عقوبة الموت
لا تنحصر المخاوف الحقوقية في ارتفاع عدد الأحكام، بل تمتد إلى طبيعة القضايا والإجراءات القضائية التي تسبقها، وتقول منظمة العفو الدولية إنها وثقت أحكاماً بالإعدام صدرت عقب إجراءات وصفتها بأنها «فادحة الجور»، شملت محاكمات جماعية ومزاعم بشأن استخدام اعترافات انتُزعت تحت الإكراه، إلى جانب حالات حُرم فيها متهمون من ضمانات قانونية أساسية.
وبحسب المنظمة، ظهرت منذ استعادة خدمة الإنترنت في إيران في 26 مايو تقارير عن صدور ما لا يقل عن 15 حكماً جديداً بالإعدام عن محاكم ثورية، إضافة إلى تأييد المحكمة العليا 13 حكماً في عدد من المحافظات، في حين تعتقد المنظمة أن العدد الحقيقي للأحكام المرتبطة باحتجاجات يناير أعلى من الأرقام المعلنة.
وكان خبراء تابعون للأمم المتحدة قد أثاروا، في مراسلة إلى السلطات الإيرانية في مايو، مخاوف مرتبطة باعتقالات تعسفية واختفاءات قسرية مزعومة وتعذيب وسوء معاملة على خلفية الاحتجاجات، إلى جانب فرض عقوبة الإعدام في قضايا قالت المراسلة إن المتهمين فيها ربما لم يحصلوا على ضمانات المحاكمة العادلة وإن بعض الأدلة المستخدمة ضدهم ارتبطت باعترافات يُزعم أنها انتُزعت تحت التعذيب.
اتساع دائرة العقوبة
يبرز ضمن التطورات الأخيرة توسع استخدام تهم مرتبطة بالأمن القومي والتجسس والتعاون مع دول أو جهات تعدها السلطات الإيرانية معادية، وتقول منظمة العفو الدولية إن هذه التهم استُخدمت بصورة متزايدة خلال النصف الأول من عام 2026 ضد أشخاص اعتُقلوا في سياق الاحتجاجات، وسط مخاوف من أن تؤدي الصياغات الواسعة لبعض الجرائم إلى توسيع دائرة الحالات التي يمكن أن تنتهي بعقوبة الإعدام.
وهنا تتجاوز القضية الجدل التقليدي بشأن الإبقاء على عقوبة الإعدام أو إلغائها، لتطرح سؤالاً يتعلق بالحدود التي يضعها القانون الدولي على استخدامها.
فإيران طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية منذ عام 1975، وتنص المادة السادسة منه على حماية الحق في الحياة، وتفسر لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة مفهوم «أشد الجرائم خطورة» الذي يمكن للدول التي لم تلغِ عقوبة الإعدام أن تطبقها عليه، بصورة ضيقة تقتصر على الجرائم بالغة الخطورة التي تنطوي على قتل متعمد، ولذلك لا تعد الجرائم السياسية أو الاقتصادية أو الجرائم التي لا تؤدي مباشرة وبصورة متعمدة إلى الوفاة أساساً متوافقاً مع هذا المعيار لفرض عقوبة الموت.
ويكتسب الأمر حساسية إضافية عندما يتعلق بمن كانوا أطفالاً وقت ارتكاب الأفعال المنسوبة إليهم، إذ يحظر القانون الدولي فرض عقوبة الإعدام على شخص كان دون الثامنة عشرة عند ارتكاب الجريمة، وتقول العفو الدولية إن ثلاثة على الأقل من الأشخاص المرتبطين باحتجاجات يناير الذين يواجهون خطر الإعدام كانوا أطفالاً في ذلك الوقت.
المحاكمة العادلة والحق في الحياة
لا يفصل القانون الدولي بين عقوبة الإعدام وضمانات المحاكمة العادلة، ففي الدول التي لا تزال تطبق العقوبة، تصبح معايير المحاكمة أكثر صرامة بالنظر إلى عدم إمكانية التراجع عن تنفيذ الحكم بعد وقوعه.
وتشدد المعايير الأممية على أن عقوبة الإعدام، حيث ما زالت قائمة، لا يجوز أن تفرض نتيجة إجراءات تنتهك ضمانات المحاكمة العادلة، ومنها الحق في الدفاع والمساعدة القانونية وعدم استخدام أدلة تم الحصول عليها تحت الإكراه أو التعذيب.
ومن هنا، فإن المزاعم المتعلقة بالاختفاء القسري والتعذيب والاعترافات القسرية وحرمان المتهمين من بعض حقوق الدفاع لا تمثل قضايا إجرائية منفصلة عن ملف الإعدام، بل تمس بصورة مباشرة مشروعية الأحكام نفسها من منظور القانون الدولي لحقوق الإنسان.
حملة ضد المحتجين
ويكشف تزامن ارتفاع أحكام الإعدام مع حملة أوسع ضد المحتجين والمعارضين عن بعد يتجاوز النظام العقابي إلى أثر هذه الأحكام على المجال العام في إيران، فالمخاوف التي عبّر عنها المفوض السامي لحقوق الإنسان تركز تحديداً على إمكانية تحول العقوبة القصوى إلى وسيلة لبث الخوف وردع المعارضة، وليس فقط إلى عقوبة تطبق بعد ارتكاب جرائم جنائية محددة.
وتدافع السلطات الإيرانية عن نظامها القضائي واستخدام عقوبة الإعدام باعتبارهما متوافقين مع القانون المحلي وضروريين لحماية الأمن العام، في حين لم يقدم الوفد الإيراني في جنيف رداً فورياً على تصريحات المفوض السامي الأخيرة، وفق وكالة رويترز.
غير أن اتساع دائرة المحكوم عليهم، وتعدد التقارير عن مخالفات في إجراءات المحاكمة، ووجود محتجين وأشخاص كانوا أطفالاً وقت الوقائع المنسوبة إليهم ضمن المعرضين للعقوبة، يجعل ملف الإعدام في إيران يتجاوز النقاش حول السياسة الجنائية ليصبح اختباراً لمدى التزام الدولة بالحق في الحياة وضمانات المحاكمة العادلة وحرية التعبير والتجمع.
ومع وجود أكثر من مئة شخص، وفق تقديرات الأمم المتحدة، معرضين لخطر الإعدام في قضايا أمنية، فإن المسألة لم تعد مرتبطة بأحكام نُفذت بالفعل فقط، بل بما إذا كان التصعيد الحالي سيتحول إلى نمط مستمر تُستخدم فيه عقوبة الموت في مواجهة المعارضة والاحتجاجات، وهو ما دفع الأمم المتحدة إلى مطالبة طهران بوقف عمليات الإعدام والتحرك نحو إلغاء العقوبة.
