منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الحق في النسيان الرقمي.. أوروبا تبحث عن التوازن بين الخصوصية وحرية التعبير

06 أغسطس 2026
الحق في النسيان الرقمي يواجه تحديات معقدة
الحق في النسيان الرقمي يواجه تحديات معقدة

لم تعد الحياة الرقمية تقتصر على تخزين المعلومات، بل أصبحت الذاكرة الإلكترونية للفرد حاضرة بشكل دائم، وهو ما دفع الاتحاد الأوروبي إلى تطوير مفهوم “الحق في النسيان الرقمي”، الذي يمنح الأفراد إمكانية طلب حذف بعض بياناتهم أو إزالة نتائج بحث مرتبطة بهم.

لكن هذا الحق يواجه تحدياً معقداً يتمثل في ضرورة تحقيق التوازن بين حماية الخصوصية وحق المجتمع في المعرفة وحرية التعبير.

ومع تصاعد استخدام الإنترنت وتزايد حجم البيانات الشخصية المتداولة، أصبحت الدول الأوروبية أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن حماية الأفراد من استمرار انتشار معلومات قديمة أو غير دقيقة، دون أن يتحول حذف المحتوى إلى أداة لتقييد الصحافة أو إخفاء معلومات ذات أهمية عامة؟

حق قانوني وليس حذفاً مطلقاً

ينص الحق في النسيان الرقمي، المنصوص عليه في المادة 17 من اللائحة العامة لحماية البيانات الأوروبية، على إمكانية طلب حذف البيانات الشخصية في حالات محددة، لكنه لا يمنح الأفراد حقاً مطلقاً في إزالة أي معلومات عنهم.

وتؤكد سلطات حماية البيانات الأوروبية أن أي طلب حذف يجب أن يخضع لموازنة بين حقوق متعارضة، أبرزها الحق في الخصوصية من جهة، وحرية التعبير وحق الجمهور في الوصول إلى المعلومات من جهة أخرى.

ولهذا، فإن المعلومات المرتبطة بالشأن العام أو الأحداث التاريخية أو العمل الصحفي قد لا تكون مشمولة بالحذف إذا كانت هناك مصلحة عامة في استمرار الوصول إليها.

التطبيق في الدول الأوروبية

أظهر تقرير للمجلس الأوروبي لحماية البيانات (EDPB) شاركت فيه 32 سلطة لحماية البيانات وشمل مراجعة 764 جهة مسؤولة عن معالجة البيانات، وجود تحديات كبيرة أمام التطبيق العملي للحق في النسيان.

ومن أبرز هذه التحديات:

غياب إجراءات داخلية واضحة لدى بعض الجهات للتعامل مع طلبات الحذف

صعوبة إجراء الموازنة بين الخصوصية وحرية التعبير

الاعتماد على تقنيات إخفاء الهوية بدلاً من الحذف الكامل

صعوبات تقنية تتعلق بحذف البيانات من النسخ الاحتياطية

وأكدت سلطات حماية البيانات الأوروبية أن تحسين تطبيق هذا الحق يحتاج إلى تدريب العاملين، ووضع آليات واضحة لاتخاذ القرار.

حقوق أصحاب البيانات

شهد عام 2026 تطورات قضائية مهمة في ملف الخصوصية الرقمية، بعدما أكدت محكمة العدل الأوروبية حق الأفراد في اللجوء إلى القضاء وتقديم شكاوى إلى سلطات حماية البيانات بشكل متزامن، دون اشتراط انتظار نتيجة أحد المسارين.

ويعزز الحكم قدرة الأفراد على الدفاع عن حقوقهم الرقمية، ويؤكد أن حماية البيانات الشخصية لا تعتمد فقط على الإجراءات الإدارية، بل تشمل أيضاً ضمان الوصول إلى العدالة.

وأصدرت المحكمة أحكاماً مرتبطة بحدود إزالة المحتوى الرقمي، ما أعاد الجدل حول مدى إمكانية إلزام المنصات العالمية بحذف محتوى خارج حدود الاتحاد الأوروبي، في ظل المخاوف من تأثير ذلك على حرية التعبير عالمياً.

الخصوصية في مواجهة الحرية

يبقى التحدي الأكبر أمام الحق في النسيان مرتبطاً بالمحتوى الصحفي، إذ تستهدف نسبة كبيرة من طلبات الحذف معلومات منشورة في وسائل إعلام إلكترونية.

وترفض غوغل عدداً كبيراً من الطلبات عندما ترى أن المعلومات ذات أهمية عامة، حيث بلغت نسبة الرفض العالمية نحو 50.1%، ما يعكس صعوبة التوفيق بين رغبة الأفراد في حماية سمعتهم الرقمية وحق المجتمع في الوصول إلى المعلومات.

وأكدت هيئة حماية البيانات الفرنسية (CNIL) أن الحق في النسيان ليس حقاً مطلقاً، بل يجب تطبيقه بما يضمن عدم الإضرار بحرية التعبير أو تعطيل الوصول إلى المعلومات المهمة.

امتداد الحق في النسيان

ظهر خلال عام 2026 اتجاه جديد يتعلق بما يعرف بـ”الحق في النسيان الطبي”، خصوصاً في قطاع التأمين، حيث يناقش الاتحاد الأوروبي وضع قواعد تمنع استخدام بعض المعلومات الصحية السابقة، مثل تاريخ الإصابة بالسرطان بعد مرور فترة زمنية محددة، لمنع استمرار تأثير المرض السابق على فرص الحصول على الخدمات المالية والتأمينية.

وتختلف الدول الأوروبية في تطبيق هذه القواعد، إذ تعتمد بعض الدول فترة تصل إلى 15 عاماً، بينما تختار دول أخرى فترات أقصر لتحقيق توازن بين حماية المتعافين ومصالح المؤسسات المالية.

ويكشف تطور الحق في النسيان الرقمي أن حماية الخصوصية أصبحت واحدة من أهم قضايا العصر الرقمي، لكنها لا يمكن أن تنفصل عن حماية حرية التعبير وحق المجتمع في المعرفة.

ومع استمرار ارتفاع طلبات حذف البيانات وتزايد تعقيدات التكنولوجيا، تواجه أوروبا تحدياً أساسياً يتمثل في بناء نظام يحمي الإنسان من استمرار آثار الماضي الرقمي، دون أن يتحول إلى وسيلة لمحو المعلومات أو تقييد الحريات، فالنجاح الحقيقي للحق في النسيان لا يقاس بعدد الروابط التي تُحذف، وإنما بقدرة التشريعات على تحقيق توازن عادل بين خصوصية الفرد وحق المجتمع في المعرفة.