وُلدت إعادة التوطين بوصفها أحد أكثر أدوات الحماية الدولية إنصافا، إذ تمنح اللاجئين الأكثر عرضة للخطر فرصة للانتقال إلى دول تكفل لهم الأمن والحقوق الأساسية، غير أن هذا المسار يشهد اليوم تراجعاً متواصلاً، في وقت يسجل فيه العالم أعلى مستويات النزوح القسري في تاريخه الحديث، الأمر الذي يضع منظومة حماية اللاجئين أمام اختبار حقيقي، ويثير تساؤلات حول قدرة المجتمع الدولي على الوفاء بالتزاماته تجاه الفئات الأكثر هشاشة.
وتشير بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن عدد النازحين قسراً حول العالم بلغ نحو 117.8 مليون شخص بنهاية عام 2025، بينهم 41.6 مليون لاجئ.
وتوضح البيانات أن 65% من اللاجئين يقيمون في دول مجاورة لبلدانهم الأصلية، في حين تتحمل الدول منخفضة ومتوسطة الدخل العبء الأكبر من الاستضافة، وفي المقابل، لا تستوعب برامج إعادة التوطين سوى نسبة محدودة من المحتاجين للحماية، وهو ما يوسع الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية وقدرة النظام الدولي على توفير حلول دائمة.
إعادة التوطين ومنظومة الحماية
إعادة التوطين ليست برنامجاً للهجرة، بل أحد الحلول الدائمة الثلاثة التي تعتمدها منظومة حماية اللاجئين، إلى جانب العودة الطوعية والاندماج المحلي.
ويخصص هذا المسار للاجئين الذين يتعذر ضمان أمنهم أو حقوقهم في دول اللجوء الأولى، مثل النساء المعرضات للعنف، والأطفال غير المصحوبين بذويهم، وضحايا التعذيب، والحالات الطبية الحرجة.
ومن ثم، فإن تراجع برامج إعادة التوطين لا يعني انخفاض أعداد المنتقلين إلى دول ثالثة فحسب، بل ينعكس أيضاً على فرص الحصول على التعليم والرعاية الصحية والعمل والإقامة القانونية، ويطيل بقاء آلاف اللاجئين في أوضاع إنسانية هشة.
إعادة رسم سياسات الاستقبال
يرى المحلل السياسي التركي علي الأسمر، أن برامج إعادة التوطين أصبحت تواجه تحديات غير مسبوقة، بعدما تجاوزت أعداد المحتاجين إلى الحماية قدرة الدول المستقبلة أو رغبتها السياسية في استقبالهم.
ويقول الأسمر في حديثه لـ”صفر”، إن اعتبارات الأمن الداخلي، والضغوط الاقتصادية، والاستحقاقات الانتخابية دفعت حكومات كثيرة إلى تقليص حصص إعادة التوطين وتشديد شروط القبول، الأمر الذي جعل هذا المسار متاحاً لعدد محدود جداً من اللاجئين، في حين بقيت دول اللجوء الأولى تتحمل العبء الأكبر رغم محدودية إمكاناتها.
ويضيف الأسمر أن المجتمع الدولي يتجه بصورة متزايدة إلى بدائل، مثل لمّ الشمل، والتأشيرات الإنسانية، وبرامج الدراسة والعمل، إلا أن هذه الخيارات قد لا تصل إلى الفئات الأكثر هشاشة إذا ارتبطت بالمؤهلات التعليمية أو المهنية.
ويرى أن تعزيز الدعم المقدم لدول اللجوء الأولى، وضمان حق اللاجئين في العمل والتعليم والإقامة القانونية، ومعالجة أسباب النزوح، تمثل عناصر أكثر استدامة للحفاظ على منظومة الحماية الدولية.
الحماية مسؤولية قانونية
من جانبه، يؤكد القانوني السعودي دخيل الدخيل، أن تراجع برامج إعادة التوطين لا يسقط الالتزامات القانونية الواقعة على عاتق الدول، إذ تستند حماية اللاجئين إلى اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين وبروتوكولها لعام 1967، إلى جانب قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان، وفي مقدمتها مبدأ عدم الإعادة القسرية.
ويشير الدخيل في حديثه لـ”صفر”، إلى أن مسؤولية الدول لا تقتصر على توفير فرص إعادة التوطين، وإنما تشمل ضمان تمتع اللاجئين بحقوقهم الأساسية، وفي مقدمتها الأمن، والتعليم، والرعاية الصحية، والعمل، والإقامة القانونية، بعيداً عن أي تمييز أو إجراءات تعسفية.
ويلفت الدخيل إلى أن مبدأ تقاسم المسؤولية والتضامن الدولي يفرض على المجتمع الدولي تعزيز الدعم المالي والفني لدول اللجوء الأولى، وتوسيع المسارات القانونية والآمنة، بما يضمن ألا تتحول الحماية الدولية إلى التزام انتقائي تحكمه الاعتبارات السياسية أكثر من المبادئ القانونية.
الحماية تبدأ بتقاسم المسؤولية
تكشف المؤشرات الدولية أن أزمة إعادة توطين اللاجئين لم تعد مسألة تتعلق بعدد المقاعد المتاحة في الدول المستقبلة، بل أصبحت اختباراً لقدرة منظومة الحماية الدولية على الوفاء بالغرض الذي أنشئت من أجله، فكلما تقلصت فرص إعادة التوطين، ازدادت المسؤولية الواقعة على المجتمع الدولي لضمان عدم تحول سنوات اللجوء إلى حالة دائمة من الانتظار والحرمان.
ومن هنا، فإن تعزيز تقاسم المسؤولية، وتوسيع المسارات القانونية، ودعم دول اللجوء الأولى، ليست خيارات سياسية فحسب، بل شروط أساسية للحفاظ على حق اللاجئين في الحماية والعيش بكرامة، وفق الالتزامات التي أقرها القانون الدولي.

