منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

العمل اللائق في الاقتصاد الرقمي.. كيف أعادت المنصات تشكيل حقوق العمال في الصين؟

01 أغسطس 2026
تعاظم قيمة الاقتصاد الرقمي حول العالم
تعاظم قيمة الاقتصاد الرقمي حول العالم

لم يعد مكان العمل يقتصر على مصنع أو مكتب أو متجر، بل أصبح في كثير من الأحيان تطبيقاً على الهاتف يدير المهام ويحدد سرعة الإنجاز ويقيّم الأداء ويرسم حدود الدخل اليومي للعامل.

ومع هذا التحول لم يعد التحدي مقتصرا على خلق فرص عمل جديدة، وإنما على ضمان ألا يؤدي التطور التكنولوجي إلى إعادة تشكيل سوق العمل على حساب الحقوق الأساسية للعاملين.

وفي الصين، التي تمتلك أحد أكبر اقتصادات المنصات الرقمية في العالم، أصبح ملايين العمال يعتمدون على تطبيقات التوصيل والتجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية كمصدر رئيسي للدخل.

وبينما عزز هذا النمو فرص العمل وأسهم في توسع الاقتصاد الرقمي، فرض في الوقت نفسه تحديات متزايدة تتعلق بظروف العمل، والحماية الاجتماعية، ودور التشريعات في ضمان الحق في العمل اللائق.

إعادة تشكيل سوق العمل

تشير بيانات الأكاديمية الصينية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات إلى أن قيمة الاقتصاد الرقمي في الصين بلغت نحو 45 تريليون يوان، أي ما يزيد على 6 تريليونات دولار، بما يعادل قرابة 40% من الناتج المحلي الإجمالي.

وفي موازاة ذلك، تؤكد منظمة العمل الدولية أن العمل عبر المنصات الرقمية تحول إلى مصدر دخل رئيسي لملايين الأشخاص حول العالم، فيما تفيد بيانات الاتحاد الوطني للنقابات العمالية في الصين بأن عدد العاملين ضمن فئة العمالة الجديدة، التي تشمل عمال التوصيل، وسائقي المنصات، والعاملين في تطبيقات الخدمات، تجاوز 84 مليون عامل.

وتشير دراسات صينية رسمية إلى أن هذا التوسع دفع السلطات خلال السنوات الأخيرة إلى إصدار لوائح لتنظيم عمل المنصات الرقمية، شملت إلزام الشركات بتحسين ظروف العمل، وضمان الحد الأدنى للأجور، وتعزيز مظلة الضمان الاجتماعي، بالتزامن مع استمرار نمو التجارة الإلكترونية وخدمات التوصيل.

العمل اللائق معيار للنجاح

لا يقاس نجاح الاقتصاد الرقمي بعدد المنصات أو حجم الاستثمارات فحسب، وإنما بقدرته على توفير عمل يحفظ الكرامة الإنسانية، فالعاملون عبر المنصات الرقمية يواجهون تحديات تتعلق بساعات العمل الطويلة، وآليات تقييم الأداء المعتمدة على الخوارزميات، والاستقرار الوظيفي، ومستوى الحماية الاجتماعية.

ومن منظور حقوق الإنسان، يشمل الحق في العمل أكثر من مجرد الحصول على وظيفة، إذ يمتد إلى ضمان بيئة عمل آمنة، وأجر عادل، وساعات عمل معقولة، وحماية اجتماعية، وآليات فعالة للتظلم، بما ينسجم مع العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واتفاقيات منظمة العمل الدولية المتعلقة بالعمل اللائق.

وفي ظل الاعتماد المتزايد على الخوارزميات لإدارة العمال، تبرز الحاجة إلى تطوير الأطر القانونية بما يضمن ألا تتحول أدوات الإدارة الرقمية إلى وسيلة للانتقاص من الحقوق التي تكفلها المواثيق الدولية.

الإصلاحات القانونية تحمي العمال

يوضح الخبير في شؤون الصين تيمو شميتز، أن سوق العمل الصيني يختلف عن بعض النماذج الغربية، إذ لا يعتمد نظام “التوظيف حسب الرغبة” الذي يسمح بإنهاء خدمات الموظفين بسهولة، وإنما يخضع لإطار قانوني يمنح العمال حماية أكبر.

ويقول شميتز لـ”صفر” إن السلطات الصينية حظرت رسميا نظام العمل المعروف باسم “996”، الذي يقوم على العمل من التاسعة صباحا حتى التاسعة مساء لمدة ستة أيام أسبوعيا، وهو ما مثل خطوة مهمة للحد من ساعات العمل المفرطة وتعزيز حقوق العمال.

ويضيف أن الصين تمتلك منظومة مستقرة للضمان الاجتماعي، إلى جانب توجه قضائي حديث يعكس اهتماما بحماية العمال في ظل التحول الرقمي، مشيرا إلى صدور حكم قضائي اعتبر استبدال الوظائف البشرية بتقنيات الذكاء الاصطناعي بصورة مباشرة إجراء غير قانوني في بعض الحالات.

ويرى شميتز أن هذه التطورات تعكس سعيا لتحقيق توازن بين دعم الاقتصاد الرقمي وحماية العمال، إلا أن استمرار توسع المنصات الرقمية يتطلب تحديثا مستمرا للتشريعات وآليات الرقابة، بما يضمن ألا تؤدي الابتكارات التكنولوجية أو أنظمة الإدارة القائمة على الخوارزميات إلى تقليص الحقوق المرتبطة بالعمل اللائق أو الحماية الاجتماعية.

معيار نجاح الاقتصاد الرقمي

تكشف التجربة الصينية أن مستقبل الاقتصاد الرقمي لا يتحدد بسرعة نمو المنصات أو حجم استثماراتها وحدهما، وإنما بقدرتها على صون حقوق الإنسان داخل بيئة العمل الجديدة، فكلما اتسع الاعتماد على التطبيقات والخوارزميات في إدارة العمال، ازدادت الحاجة إلى ضمانات قانونية تكفل التوازن بين الابتكار والحقوق، بحيث تبقى التكنولوجيا أداة لتحسين ظروف العمل، لا وسيلة لإضعاف الحماية التي يستحقها العامل.

ومن هذا المنطلق، فإن استدامة الاقتصاد الرقمي لا ترتبط فقط بقدرته على تحقيق النمو، بل بمدى نجاحه في ترسيخ الحق في العمل اللائق، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وضمان ألا يفقد العامل حقوقه الأساسية كلما ازدادت سرعة التحول الرقمي، فالتقدم التكنولوجي الحقيقي لا يقاس بما تنتجه المنصات، وإنما بما توفره من بيئة عمل تحترم الكرامة الإنسانية وتصون حقوق من يقومون عليها.