كشفت غارات إسرائيلية جديدة على جنوب لبنان، أسفرت عن مقتل 10 أشخاص بينهم 6 مسعفين، أن العاملين في القطاع الصحي ما زالوا يواجهون مخاطر متصاعدة رغم سريان وقف إطلاق النار الهش.
وبينما وصفت وزارة الصحة اللبنانية الهجمات بأنها انتهاك للقانون الدولي، أعلنت منظمة الصحة العالمية توثيق 169 هجومًا على العاملين والمنشآت الصحية منذ اندلاع الحرب الأخيرة، ما أعاد تسليط الضوء على مدى احترام الحماية التي يكفلها القانون الدولي الإنساني للأطباء والمسعفين والمنشآت الطبية أثناء النزاعات المسلحة.
وأظهرت الوقائع الميدانية، بحسب شهادات نقلتها صحيفة الغارديان عن عاملين في القطاع الصحي، أن الطواقم الطبية تحولت من فرق يفترض أن تتمتع بالحماية إلى أطراف تدفع ثمن استمرار العمليات العسكرية.
وروى الجرّاح في مستشفى نبيه بري الحكومي بمدينة النبطية، مصطفى حمزة، كيف اضطر إلى الإقامة داخل المستشفى منذ بداية الحرب، بعدما أصبح الوصول إلى منزله في بلدة كفررمان محفوفًا بالمخاطر إثر تعرضه لهجوم بطائرة إسرائيلية مسيرة خلال محاولته العودة إليه.
وأوضح حمزة أنه أغلق عيادته الخاصة بعد اندلاع الحرب في 2 مارس وتطوّع للعمل داخل المستشفى الحكومي، حيث أمضى قرابة خمسة أشهر متنقلًا بين غرفة صغيرة حوّلها إلى مكان للنوم وقسم الطوارئ الذي استقبل المصابين بشكل متواصل، ولم يغادر إلا أربعة أيام بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في يونيو.
ووثّقت وزارة الصحة اللبنانية، وفق ما أوردته الغارديان، مقتل ما لا يقل عن 135 من العاملين في القطاع الصحي منذ 2 مارس، كثير منهم في ما يعرف بـ”الضربات المزدوجة”.
وفي المقابل، قالت إسرائيل إن سيارات الإسعاف استُخدمت لنقل أسلحة لصالح حزب الله، وهو ادعاء قالت منظمة العفو الدولية إنه لا يستند إلى أدلة.
استعاد حمزة مشاهد وصفها بأنها الأكثر قسوة خلال مسيرته المهنية، مؤكدًا أنه شاهد جثثًا في أوضاع غير مألوفة وأشخاصًا أُحرقوا أحياء، بينما أصبح يرى زملاءه يغادرون بسيارات الإسعاف ثم يعودون قتلى، كما روى مقتل المسعف مهدي أبو زيد، الذي تعرّف إليه خلال الحرب، معتبرًا أن فقدانه ترك أثرًا نفسيًا بالغًا.
استهداف فرق الإنقاذ
أكد رئيس فرق الإسعاف في خدمات الطوارئ بمدينة النبطية محمد سليمان أن الحروب السابقة كانت تحمل خطر الإصابة أثناء تنفيذ المهام، لكن العاملين لم يشعروا يومًا بأنهم هدف مباشر كما حدث خلال الحرب الأخيرة.
روى سليمان أن ثلاثة من المسعفين قُتلوا في غارات إسرائيلية مباشرة، بينهم نجله جود البالغ من العمر 16 عامًا، الذي قُتل مع زميله علي جابر أثناء نقلهما الطعام إلى أشخاص بقوا داخل مدينة النبطية، رغم ارتدائهما زي المسعفين.
وأشار سليمان إلى أن مسؤوليته عن إرسال سيارات الإسعاف أصبحت أكثر تعقيدًا، إذ بات يراجع كل مهمة مرات عدة قبل تكليف أي فريق بها خشية تعرضه للقصف، بينما قال المسعف ومساعد مدير جمعية الهيئة الصحية الإسلامية في صور حسن بوصي إن محاولات فهم أسباب استهداف المسعفين لم تعد مجدية، معتبرًا أن النتيجة واحدة، وهي منع فرق الإسعاف والإنقاذ من أداء عملها.
ونقلت رويترز مشاهد جنازة علي جابر وجود سليمان، حيث ودع زملاؤهما جثمانيهما قبل أن يعودوا مباشرة إلى توزيع المساعدات على السكان ومواصلة عملهم، وقال المسؤول المحلي حسن جابر، والد علي، إن ابنه كان متجهًا لإنقاذ آخرين ولم يكن يحمل سوى معدات الإسعاف عندما استُهدف وقُتل.
وأفادت وزارة الصحة اللبنانية، وفق الوكالة، بأن 42 مسعفًا قتلوا منذ 2 مارس، بينما أدت الغارات الإسرائيلية إلى إصابة أكثر من 3 آلاف شخص ومقتل ما يقرب من 1100 شخص، بينهم أكثر من 120 طفلًا و80 امرأة.
وسجلت منظمة الصحة العالمية 64 هجومًا على مرافق الرعاية الصحية منذ بداية الحرب، أدت إلى خروج خمسة مستشفيات عن الخدمة.
اتهم سليمان إسرائيل بتعمد قتل ابنه، فيما قال المسعف حسن جابر إن الحماية التي يقرها القانون الدولي الإنساني للعاملين في المجال الطبي أصبحت في لبنان “حبرًا على ورق”.
وفي المقابل، لم يرد الجيش الإسرائيلي على طلب للتعليق بشأن مقتل المسعفين والأضرار التي لحقت بالمرافق الصحية، بحسب رويترز.
استمرار الهجمات
سلّطت الهجمات الأخيرة الضوء على استمرار تعرض الطواقم الطبية للخطر رغم وقف إطلاق النار، وأفادت أسوشيتد برس بأن غارات إسرائيلية على جنوب لبنان أسفرت عن مقتل 10 أشخاص، بينهم 6 مسعفين وطفلة سورية.
وقالت وزارة الصحة اللبنانية إن الضربة الأولى استهدفت قرية الحنوية، ما أدى إلى مقتل أربعة مسعفين من جمعية الصحة الإسلامية، بينما أسفرت غارة أخرى على بلدة دير قانون النهر عن مقتل ستة أشخاص، بينهم طفل سوري ومسعفان من جمعية كشافة الرسالة، وإصابة ستة آخرين بينهم ثلاثة مسعفين، ووصفت الهجومين بأنهما انتهاك للقانون الدولي.
وأعلنت منظمة الصحة العالمية تسجيل 169 هجومًا مؤكدًا على العاملين والمنشآت الصحية في لبنان منذ اندلاع الحرب الأخيرة، أسفرت عن مقتل 116 شخصًا، في مؤشر على استمرار تعرض القطاع الصحي للهجمات.
وأكد الجيش الإسرائيلي أنه استهدف بنى تحتية تابعة لحزب الله في منطقة الحنوية، وأنه اتخذ إجراءات للحد من الأضرار التي قد تلحق بالمدنيين، شملت استخدام ذخائر دقيقة ومراقبة جوية، كما قال إنه استهدف عنصرين من حزب الله كانا يتحركان على دراجتين ناريتين في منطقة دير قانون النهر، وكرر الجيش اتهامه لحزب الله باستخدام سيارات الإسعاف غطاءً لأنشطة مسلحة، من دون تقديم أدلة.
واختتمت التطورات الأخيرة مشهدًا يعكس استمرار تعرض العاملين في القطاع الصحي لمخاطر مباشرة أثناء أداء مهامهم، في وقت تتواصل فيه الدعوات إلى احترام قواعد القانون الدولي الإنساني التي تكفل حماية الطواقم الطبية والمنشآت الصحية، وضمان قدرتها على الوصول إلى الجرحى والمرضى بعيدًا عن الاستهداف.
