منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بين اللغة والمهارات والتمييز.. متطلبات وعقبات تحدد مدى اندماج المهاجرين في السويد

30 يوليو 2026
مهاجرون صوماليون في السويد
مهاجرون صوماليون في السويد

كشفت بيانات وتحليلات حديثة في السويد أن اندماج المهاجرين في سوق العمل لا يسير بالسرعة نفسها بين جميع القادمين إلى البلاد، إذ تختلف فرص الحصول على وظيفة والاستقلال الاقتصادي بشكل كبير بحسب سبب الهجرة، ومستوى التعليم، ومدة الإقامة، والعمر، والجنس، وبلد المنشأ.

وأظهرت الدراسات أن المهاجرين القادمين للعمل يحققون نتائج أسرع بكثير من اللاجئين، بينما يحتاج كثير من القادمين عبر مسارات الحماية الدولية إلى سنوات طويلة للوصول إلى مستويات قريبة من السكان المولودين في السويد.

وقالت صحيفة داغينز نيهيتر السويدية، استنادا إلى بيانات رسمية وتحليلات اقتصادية، إن التعامل مع المهاجرين باعتبارهم مجموعة واحدة يؤدي إلى قراءة غير دقيقة لواقع الاندماج، لأن خلفيات القادمين إلى السويد تختلف بصورة كبيرة، سواء من حيث أسباب الوصول أو مستوى التعليم أو الخبرات المهنية أو الظروف الاجتماعية، وأكد التقرير أن الفروق تظهر بوضوح في معدلات الاعتماد على الدخل من العمل والقدرة على إعالة النفس بعد سنوات من الإقامة.

مهاجرو العمل في الصدارة

أوضحت وكالة الإحصاء السويدية أن المهاجرين الذين يصلون إلى البلاد بهدف العمل يحققون أسرع اندماج اقتصادي، لأن حصولهم على الإقامة يكون مرتبطا غالبا بوجود عقد عمل أو مهارة مطلوبة في سوق العمل، ويبدأ هؤلاء المهاجرون حياتهم في السويد من موقع مختلف عن اللاجئين، إذ يدخلون سوق العمل مباشرة، ويمتلكون في العادة مؤهلات تتناسب مع احتياجات القطاعات الاقتصادية.

وأشارت البيانات الرسمية السويدية إلى أن الحاجة إلى العمالة الماهرة في قطاعات مثل التكنولوجيا والهندسة والرعاية الصحية أسهمت في جذب مهاجرين يمتلكون خبرات مهنية مرتفعة، ما ساعدهم على تحقيق معدلات توظيف قريبة من السكان الأصليين خلال فترة زمنية قصيرة.

اللاجئون يحتاجون سنوات أطول

أكدت مصلحة الهجرة السويدية أن اللاجئين وأفراد أسرهم يواجهون تحديات مختلفة عند دخول سوق العمل، بسبب حاجتهم إلى تعلم اللغة السويدية، وتقييم شهاداتهم وخبراتهم السابقة، والتكيف مع متطلبات سوق العمل المحلي، وأظهرت التحليلات الاقتصادية أن نحو نصف اللاجئين وأفراد أسرهم يصبحون قادرين على إعالة أنفسهم من خلال العمل عند احتساب المجموعة بأكملها، مع وجود اختلافات كبيرة ترتبط بمدة الإقامة.

وبيّن تقرير صحيفة داغينز نيهيتر أن الرجال اللاجئين الذين وصلوا إلى السويد عام 2012 ارتفعت نسبة القادرين على إعالة أنفسهم من خلال العمل أو الدخل المرتبط بالعمل من 10 في المئة بعد عام واحد فقط من الوصول إلى 52 في المئة بعد خمس سنوات، ثم إلى 63 في المئة بعد عشر سنوات.

الزمن عامل حاسم

أكد المجلس الوطني السويدي للصحة والرعاية الاجتماعية أن طول فترة الإقامة يمثل أحد أهم العوامل التي تحدد فرص الاندماج، إذ تمنح السنوات الإضافية المهاجرين فرصة أكبر لاكتساب اللغة، وتكوين العلاقات المهنية، والحصول على تدريب أو تعليم مناسب لسوق العمل.

وأظهرت البيانات أن اللاجئين الذين يصلون حديثا يواجهون في السنوات الأولى فجوة كبيرة مقارنة بالمولودين في السويد، لكنها تبدأ في الانخفاض تدريجيا مع مرور الوقت، خاصة لدى الأشخاص الذين يحصلون على تعليم وتدريب وفرص اتصال مباشرة بأصحاب العمل.

الرجال والنساء.. فجوة مختلفة

كشفت التحليلات السويدية وجود فرق واضح بين مسارات اندماج الرجال والنساء من أصول مهاجرة، إذ يدخل الرجال سوق العمل بوتيرة أسرع خلال السنوات الأولى، بينما يستغرق اندماج النساء وقتا أطول لكنه يستمر في التحسن على مدى فترة أطول.

وأرجعت صحيفة داغينز نيهيتر هذا التفاوت إلى عوامل متعددة، من بينها مسؤوليات الأسرة، ورعاية الأطفال، ومستويات التعليم السابقة، وأنماط المشاركة الاقتصادية قبل الوصول إلى السويد، وأشارت البيانات إلى أن بعض النساء حديثات الوصول تأخرن في دخول سوق العمل بسبب القواعد السابقة الخاصة بإجازة الوالدين التي كانت تسمح بالحصول على عدد كبير من أيام الإجازة حتى للأطفال الأكبر سنا.

وأضافت مصلحة التأمينات الاجتماعية السويدية أن تعديل قواعد إجازة الوالدين عام 2017 قلّص عدد الأيام المتاحة للوافدين الجدد مع تقدم عمر الطفل، بهدف الحد من فترات الابتعاد الطويلة عن سوق العمل، إلا أن تأثير هذه التغييرات على سرعة اندماج النساء ما زال محل دراسة.

بلد المنشأ يصنع فارقاً

أظهرت الدراسات السويدية أن بلد المنشأ يمثل عاملا مؤثرا في سرعة الاندماج، لكنه يرتبط بمجموعة عوامل أخرى مثل التعليم، واللغة، وطبيعة الخبرات المهنية، والظروف التي وصل فيها المهاجر إلى البلاد.

وأوضح تقرير داغينز نيهيتر أن الرجال القادمين من إريتريا تمكنوا بعد نحو عشر سنوات من تحقيق معدلات مشاركة اقتصادية تقترب من مستويات السكان المولودين في السويد، بينما واجهت نساء قادمات من الصومال صعوبات أكبر، إذ لم تتمكن سوى نحو واحدة من كل ثلاث نساء من إعالة نفسها بعد 12 عاما من الإقامة.

وأكدت التقارير السويدية أن هذه الفروق لا ترتبط بالجنسية وحدها، وإنما تتداخل معها عوامل مثل سنوات التعليم، ومعرفة اللغة، وحجم الأسرة، والفرص المتاحة في المناطق التي يعيش فيها المهاجرون.

التعليم مفتاح لكنه ليس كافياً

أوضحت جامعة ستوكهولم ومؤسسات بحثية سويدية أن التعليم يمثل عاملا أساسيا في تحسين فرص العمل، إذ يحقق أصحاب التعليم بعد المرحلة الثانوية نتائج أفضل من أصحاب التعليم المنخفض، لكن الدراسات أكدت أن الشهادة وحدها لا تضمن الاندماج، لأن نوع التخصص ومكان الحصول على التعليم يلعبان دوراً مهماً.

وأشارت التقارير إلى أن الاستفادة من التعليم تكون أكبر عندما يحصل المهاجر على جزء من تعليمه داخل السويد، بسبب توافق المناهج مع احتياجات سوق العمل، وامتلاك الخريج شبكة علاقات مهنية ومعرفة أكبر باللغة والنظام الوظيفي المحلي.

المنطقة تؤثر في الفرص

كشفت دراسة سويدية منشورة عام 2022 أن مكان الإقامة يؤثر بشكل مباشر على فرص الاندماج الاقتصادي، إذ بلغت نسبة اللاجئين الذين لديهم دخل من العمل بعد عشر سنوات في منطقة ستوكهولم نحو 70 في المئة، مقابل 55 في المئة في منطقة مالمو ولوند.

وأوضح معهد أبحاث سوق العمل السويدي أن قوة الاقتصاد المحلي، وتوفر الوظائف، وقرب المهاجر من مراكز النشاط الاقتصادي، تؤثر على سرعة الانتقال من الاعتماد على المساعدات إلى الاعتماد على العمل.

وأضاف التقرير أن وجود تجمعات من أبناء الجالية نفسها قد يكون عاملا مساعدا أحيانا، عندما توفر هذه الشبكات معلومات عن فرص العمل أو تساعد في بناء العلاقات المهنية، لكنه قد يصبح عائقا إذا أدى إلى العزلة عن المجتمع الأوسع.

إجراءات اللجوء تؤثر على المستقبل

أكدت دراسات اقتصادية سويدية أن طول فترة انتظار قرارات اللجوء يمكن أن يترك آثارا طويلة على مسار المهاجر الاقتصادي، إذ يؤدي التأخير الطويل إلى فقدان مهارات مهنية وإبطاء دخول سوق العمل.

وأوضحت مصلحة الهجرة السويدية أن استثمار فترة الانتظار في تعليم اللغة والتدريب المهني وتقييم الشهادات يمكن أن يقلل من الآثار السلبية، بينما يؤدي بقاء الأشخاص خارج سوق العمل لفترات طويلة إلى زيادة صعوبة العودة إليه لاحقاً.

التمييز يظل عائقاً

أكدت مؤسسات حقوقية سويدية أن التمييز في التوظيف يمثل أحد العوامل التي تعوق اندماج بعض المهاجرين، حتى عندما يمتلكون المؤهلات والخبرة والمهارات اللغوية المطلوبة.

وأظهرت دراسات سويدية اعتمدت على إرسال طلبات توظيف متطابقة بأسماء مختلفة أن الأشخاص الذين تحمل أسماؤهم دلالات عربية أو إفريقية يحصلون على دعوات أقل للمقابلات مقارنة بأشخاص يحملون أسماء سويدية رغم تطابق المؤهلات.

وشددت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان على أن مكافحة التمييز في سوق العمل جزء أساسي من حماية حقوق المهاجرين، مؤكدة أن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري تلزم الدول بضمان المساواة في فرص العمل وعدم التمييز على أساس الأصل أو العرق أو الجنسية.

شهدت السويد تحولا ديموغرافيا كبيرا خلال العقود الماضية، إذ ارتفعت نسبة السكان المولودين خارج البلاد من نحو 11 في المئة مطلع الألفية إلى قرابة 20 في المئة حاليا، وفقا لبيانات وكالة الإحصاء السويدية. واستقبلت البلاد موجات كبيرة من اللاجئين خلال أزمات دولية مختلفة، خاصة من سوريا والعراق وأفغانستان والصومال وإريتريا، ما جعل قضية الاندماج في سوق العمل من أكبر التحديات السياسية والاجتماعية.

وتؤكد المؤسسات السويدية والأممية أن نجاح الاندماج لا يعتمد على المهاجر وحده، بل يرتبط أيضاً بسرعة الاعتراف بالمؤهلات، وجودة تعليم اللغة، وقوة الاقتصاد المحلي، ومكافحة التمييز، وتوفير مسارات عادلة تتيح للمهاجرين الانتقال من الاعتماد على الدعم إلى المشاركة الكاملة في المجتمع وسوق العمل.