منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

حماية الرسالة الثقافية.. مطربة أمريكية ترفض استخدام البيت الأبيض لأغنيتها في دعاية الحرب

27 يوليو 2026
البيت الأبيض يستخدم أغنية لدعم الحرب
البيت الأبيض يستخدم أغنية لدعم الحرب

أعادت واقعة استخدام البيت الأبيض أغنية للمغنية الأمريكية كاتي بيري في مقطع مصور يوثق غارات عسكرية على إيران، الجدل حول حدود توظيف الأعمال الفنية في الرسائل الحكومية المرتبطة بالحروب، بعدما رفضت صاحبة الأغنية استخدامها في سياق عسكري، مؤكدة أن العمل الذي كتبته ليكون “نشيداً للأمل والشفاء والقوة الداخلية” جرى توظيفه، من دون موافقتها، لمرافقة مشاهد الدمار والعنف، في قضية أعادت إلى الواجهة النقاش بشأن الحقوق الثقافية وحق المبدعين في حماية الرسالة التي تحملها أعمالهم.

استخدم البيت الأبيض، وفق ما أوردته صحيفة الغارديان، أغنية “Firework” في مقطع فيديو نُشر عبر حسابه على منصة “تيك توك”، تضمن مشاهد لغارات عسكرية أمريكية على أهداف إيرانية، في حين تزامنت كلمات الأغنية مع لقطات لانفجارات وصاروخ يصيب سفينة حربية إيرانية، وحمل المنشور عبارة: “تم تحذير إيران”.

حقق الفيديو أكثر من 6 ملايين مشاهدة، قبل أن ترد بيري برفض استخدام أغنيتها في هذا السياق.

أعلنت المغنية الأمريكية كاتي بيري، في بيان نشرته عبر منصة X، أنها تشعر “باستياء وغضب شديدين” من استخدام أغنيتها موسيقى خلفية لمقاطع تُظهر غارات عسكرية، مؤكدة أنها لم تمنح موافقتها على هذا الاستخدام، ولم يُطلب منها الإذن به، وأنها ترفضه “رفضاً قاطعاً”.

لم تكتب للحروب

أكدت بيري أن الأغنية لم تُكتب للاحتفاء بالحروب أو مرافقة مشاهد القصف، وإنما جاءت، بحسب تعبيرها، “نشيداً للأمل والشفاء والقوة الداخلية للأشخاص الذين يمرون بأحلك لحظاتهم الشخصية”، معتبرة أن تحويل رسالة تقدير الذات والارتقاء بالنفس إلى وسيلة ترافق الدمار والعنف يمثل “انتهاكاً صارخاً” لكل ما تجسده الأغنية.

شددت الفنانة الأمريكية على أن موسيقاها تهدف إلى “توحيد الناس، لا إلى تمجيد الحروب”، معتبرة أن الرسالة الإنسانية التي حملتها الأغنية منذ صدورها عام 2010 تتناقض مع استخدامها في محتوى يرتبط بعمليات عسكرية، وهو ما كررته أيضاً مجلة “بيبول” الأمريكية وواشنطن بوست في تغطيتيهما للقضية، إذ أبرزتا تأكيدها أن الأمل والشفاء كانا الفكرة الأساسية التي قامت عليها الأغنية.

وأوضح مقطع الفيديو الذي نشره البيت الأبيض، بحسب المصادر، مشاهد لانفجارات وغارات عسكرية على إيران، في حين تزامنت لحظة الانفجارات مع المقطع الشهير من الأغنية الذي يتضمن عبارة “Boom, Boom, Boom”، في توظيف اعتبرته بيري خروجاً كاملاً عن المعنى الذي أرادت أن تحمله الأغنية عند إنتاجها.

وأشار تقرير واشنطن بوست إلى أن بيري وصفت استخدام الأغنية في الفيديو بأنه “انتهاك” لما تمثله، مؤكدة مجدداً أنها لم تمنح أي موافقة على استخدامها، كما لم تكشف في المقابل عما إذا كانت تعتزم اتخاذ إجراءات قانونية لإلزام البيت الأبيض بحذف الفيديو، في حين لم يصدر عن البيت الأبيض تعليق فوري على طلبات وسائل الإعلام للتعقيب على تصريحاتها.

سلسلة من الاعتراضات

أعاد الجدل الحالي إلى الأذهان سلسلة من الاعتراضات التي أثارها فنانون أمريكيون خلال الأشهر الماضية بسبب استخدام أعمالهم الموسيقية في منشورات رسمية أو سياسية دون موافقتهم، وهو ما جعل قضية كاتي بيري تأتي ضمن سياق أوسع يتعلق بعلاقة السلطة التنفيذية بالأعمال الفنية وحدود استخدامها في الرسائل الحكومية.

انتقدت المغنية أريانا غراندي، في يونيو الماضي، استخدام البيت الأبيض أغنيتها “Bye” في مقطع فيديو عبر “تيك توك” روج لعمليات احتجاز نفذها ضباط إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية، وكتبت في تعليقها، وفق ما أوردته مجلة “بيبول” الأمريكية، مطالبة الإدارة بعدم استخدام موسيقاها فيما وصفته بأنه عمل “بربري ولاإنساني”، قبل أن يُكتم صوت الأغنية لاحقاً في الفيديو.

أدانت المغنية كيشا أيضاً استخدام أغنيتها “Blow” في مارس الماضي داخل مقطع مصور يُظهر طائرة مقاتلة تطلق صاروخاً يعقبه انفجار، مؤكدة أن استخدام موسيقاها للتحريض على العنف أو التهديد بالحرب أمر “مقزز ولاإنساني”، بحسب ما نقلته “بيبول”.

وسعت صحيفة الغارديان دائرة القضية بالإشارة إلى أن كاتي بيري ليست الفنانة الوحيدة التي اعترضت على استخدام أعمالها في منشورات رسمية لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، موضحة أن الإدارة واجهت اعتراضات متكررة من عدد من الفنانين، معظمهم من النساء، بسبب استخدام موسيقاهم في محتوى سياسي أو حكومي.

ترويج لرحيل المهاجرين

انتقدت المغنية أوليفيا رودريغو ظهور إحدى أغنياتها في فيديو حكومي روج لجهود ترحيل المهاجرين، في حين منعت المغنية بيونسيه استخدام أغنيتها “Freedom” بعد ظهورها في فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي، وكانت الأغنية نفسها قد استُخدمت سابقاً بوصفها الأغنية الرئيسية لحملة نائبة الرئيس السابقة كامالا هاريس في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2024.

هاجمت المغنية سابرينا كاربنتر استخدام أغنيتها “Juno” في فيديو يُظهر ضباط إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية وهم يلقون القبض على أشخاص، ووصفت الفيديو بأنه “شرير ومقزز”، مطالبة بعدم إقحامها أو موسيقاها فيما وصفته بـ”الأجندة اللاإنسانية”.

اعترضت كذلك المغنية جيس غلين على استخدام أغنيتها “Hold My Hand” في منشور على منصة X روج لعمليات ترحيل المهاجرين، مؤكدة استياءها من توظيف موسيقاها لنشر الفتنة والكراهية، في حين أشارت “واشنطن بوست” أيضاً إلى أن المغنية سابرينا كاربنتر، وأوليفيا رودريغو، وفرقة الروك Semisonic  كانت من بين الفنانين الذين انتقدوا استخدام الإدارة الأمريكية أغانيهم في مقاطع فيديو رسمية.

ردّ مدير الاتصالات في البيت الأبيض، ستيفن تشيونغ، على انتقادات كيشا بإعادة نشر تصريحاتها عبر منصة X، معتبراً أن اعتراضات الفنانين تمنح مقاطع الفيديو الرسمية مزيداً من الاهتمام والمشاهدات، في موقف أظهر استمرار الجدل بين الإدارة الأمريكية وعدد من الفنانين بشأن حدود استخدام الأعمال الموسيقية في الرسائل الحكومية.

اختتمت كاتي بيري موقفها بتأكيد أن موسيقاها صُنعت لتقريب الناس من بعضهم، لا لترافق مشاهد الحرب، لتتحول القضية من مجرد خلاف حول استخدام أغنية شهيرة، إلى نقاش أوسع حول الحقوق الثقافية وحدود توظيف الإبداع الفني في الخطاب الرسمي المرتبط بالنزاعات المسلحة، والحق المعنوي للمبدع في الحفاظ على الرسالة التي أراد أن يحملها عمله إلى الجمهور.