كشفت مصادر أمنية إسبانية عن تقديرات تشير إلى أن مئات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين استفادوا من برنامج تسوية الأوضاع الذي أطلقته الحكومة الإسبانية، رغم عدم استيفائهم أحد أهم الشروط الأساسية للاستفادة من هذا الإجراء، وهو الإقامة داخل الأراضي الإسبانية لمدة خمسة أشهر قبل الأول من يناير 2026.
وأفادت صحيفة “ذي أوبجكتيف” الإسبانية، نقلاً عن مصادر أمنية في قسم شؤون الأجانب بالشرطة الوطنية، بأن ما لا يقل عن 400 ألف مهاجر في وضعية غير نظامية تمكنوا من الاستفادة من عملية التسوية الاستثنائية للأوراق رغم عدم استيفائهم شرط الإقامة المحدد، وهو ما اعتبرته الأجهزة الأمنية نتيجة مباشرة لما وصفته بتأثير الجذب الذي أحدثه البرنامج داخل إسبانيا وخارجها.
تأثير الجذب يعزز تدفقات الهجرة
وأوضحت المصادر الأمنية أن الإعلان عن برنامج التسوية دفع أعداداً كبيرة من المهاجرين الموجودين في دول أوروبية أخرى إلى التوجه نحو إسبانيا، مستفيدين من مرونة الإجراءات مقارنة بسياسات الهجرة الأكثر تشدداً في عدد من الدول الأوروبية.
وأضافت المصادر أن هذا التطور أدى إلى زيادة ملحوظة في تدفقات المهاجرين الراغبين في الحصول على وثائق إقامة قانونية، الأمر الذي رفع حجم الطلبات إلى مستويات تجاوزت التقديرات الحكومية الأولية، وفرض ضغوطاً إضافية على الجهات المكلفة بدراسة الملفات.
تحذيرات أمنية مبكرة
وأشار التقرير إلى أن المفوضية العامة لشؤون الأجانب والحدود كانت قد حذرت في تقرير أصدرته خلال فبراير الماضي من احتمال ارتفاع عدد المستفيدين من برنامج التسوية إلى نحو مليون و250 ألف شخص، وهو رقم يزيد كثيراً على تقديرات الحكومة التي قدرت عدد المهاجرين المقيمين بصورة غير نظامية في إسبانيا بنحو 500 ألف شخص.
وأكدت المصادر أن هذه التحذيرات استندت إلى مؤشرات ميدانية ودراسات رصدت تنامي الاهتمام ببرنامج التسوية داخل شبكات المهاجرين في أوروبا، إضافة إلى زيادة النشاط عبر الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي التي روجت للإجراءات الجديدة وسهلت تداول المعلومات المتعلقة بها.
تزوير واستغلال للإجراءات
وأوضح التقرير أن شبكات متخصصة استغلت الإقبال الكبير على برنامج التسوية، وعملت على توفير وثائق مزورة لبعض الراغبين في الحصول على الإقامة، ما أتاح تقديم طلبات لا تستوفي الشروط القانونية المطلوبة.
وأضاف أن هذه الممارسات زادت من تعقيد عمليات التدقيق التي تجريها السلطات المختصة، كما أثارت مخاوف أمنية بشأن قدرة الجهات الإدارية على التحقق من صحة جميع الوثائق المقدمة في ظل الحجم غير المسبوق للطلبات.
طلبات تجاوزت التوقعات
وأشار التقرير إلى أن الأرقام النهائية أكدت صحة جانب كبير من التقديرات الأمنية، إذ أعلنت وزارة الهجرة الإسبانية تلقي مليون و170 ألف طلب لتسوية الأوضاع حتى نهاية يونيو الماضي، وهو رقم تجاوز بوضوح توقعات الحكومة واقترب من تقديرات الأجهزة الأمنية.
وأضاف أن هذه النتائج تعكس ارتفاعاً ملحوظاً في تدفقات الهجرة نحو إسبانيا خلال الفترة الماضية، كما تؤكد أن البرنامج أحدث تأثيراً تجاوز الحدود الإسبانية، بعدما جذب مهاجرين من دول أوروبية أخرى سعياً للاستفادة من إجراءات التسوية.
وأكدت المصادر الأمنية أن تقديرات مؤسسة فونكاس التي قدرت عدد المقيمين بصورة غير نظامية في إسبانيا بنحو 840 ألف شخص مع بداية عام 2026 كانت ستصبح الأقرب إلى الواقع لولا تأثير الجذب الكبير الذي أحدثه البرنامج، موضحة أن ما بين 60 و70 في المئة من إجمالي المتقدمين استوفوا الشروط بصورة معقولة، في حين أخفق آخرون في استكمال المتطلبات بسبب جهلهم بالإجراءات أو تعرضهم لعمليات احتيال نفذتها شبكات تهريب وتزوير الوثائق.
تعد عملية تسوية أوضاع المهاجرين التي أطلقتها الحكومة الإسبانية من أكبر برامج تسوية الإقامة في أوروبا خلال السنوات الأخيرة، وتهدف إلى إدماج المقيمين بصورة غير نظامية داخل سوق العمل والاقتصاد الرسمي، مع فرض شروط قانونية تتعلق بمدة الإقامة والوجود الفعلي داخل البلاد قبل تاريخ محدد، إلا أن البرنامج أثار منذ الإعلان عنه نقاشاً واسعاً بين الأحزاب السياسية والأجهزة الأمنية ومنظمات المجتمع المدني، حيث يرى مؤيدوه أنه يسهم في الحد من الاقتصاد غير الرسمي وتعزيز اندماج المهاجرين، في حين يحذر معارضوه من احتمال تشجيع مزيد من الهجرة غير النظامية واستغلال شبكات التهريب للبرامج الاستثنائية من خلال تزوير الوثائق أو استقطاب مهاجرين جدد للاستفادة من إجراءات التسوية.
