منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الحق في الطفولة.. دروس السباحة تعيد لأطفال غزة ما سلبته 3 سنوات من النزاع

25 يوليو 2026
الطفولة.. أطفال غزة يبحثون عن حقهم المفقود
الطفولة.. أطفال غزة يبحثون عن حقهم المفقود

استعادت مئات الفتيات والفتيان في قطاع غزة جزءاً من طفولتهم المفقودة مع استئناف دروس السباحة بعد ثلاث سنوات من الحرب، في مبادرة تحولت من مجرد نشاط رياضي إلى مساحة تمنح الأطفال فرصة للابتعاد، ولو لساعات، عن واقع الخوف والدمار الذي يحيط بهم.

وفي أحواض سباحة مؤقتة شُيدت من أكياس الرمل والأنقاض، يتعلم الأطفال الطفو والسباحة الأساسية في محاولة لاستعادة شعور افتقدوه طويلاً بالأمان واللعب والحياة الطبيعية.

وجسدت هذه المبادرة أحد أبرز أوجه الحق في الطفولة، بعدما حُرم مئات الآلاف من أطفال غزة من أبسط مقوماتها، فالملاعب غابت، والتعليم النظامي توقف، والخيام أصبحت مأوى لآلاف الأسر، في حين يعيش الأطفال تحت وطأة الخوف الدائم من الهجمات الإسرائيلية المتواصلة، وفق ما أوردته صحيفة الغارديان.

وأظهر مسح أجرته الأمم المتحدة في مارس الماضي أن 96% من الأطفال يشعرون بأن الموت وشيك، في مؤشر يعكس حجم الأثر النفسي الذي خلفته الحرب في جيل كامل.

منحت دروس السباحة الأطفال مساحة مختلفة عن واقعهم اليومي، إذ خُصصت الفترة الصباحية للأطفال الذين فقدوا آباءهم في الهجمات الإسرائيلية، في حين فُتحت المسابح خلال فترة ما بعد الظهر لجميع الأطفال، لتتحول إلى مكان تمتلئ مياهه بأصوات الضحك بدلاً من أصوات القصف، وإلى متنفس نادر في بيئة تهيمن عليها الخيام والأنقاض.

فرصة للهروب من الهموم

قالت الطفلة ألما شبات، البالغة من العمر 13 عاماً، والتي شهدت مقتل والدتها في غارة إسرائيلية خلال مايو الماضي، إن السباحة منحتها فرصة للهروب من الحرب والهموم التي ترافقها.

وأكدت أنها أصبحت تفضل السباحة الحرة بعد ثلاثة أسابيع من التدريب، كما كوّنت صداقات جديدة وتغلبت على خوفها من البحر والأمواج، لتصف الذهاب إلى الشاطئ بأنه تجربة جميلة وممتعة.

وأكد مؤسس المبادرة أمجد طنتش أن هذه الدروس تمثل للأطفال فرصة نادرة للاستمتاع والاسترخاء واستعادة جزء من طفولتهم المسلوبة، موضحاً أن المسابح المؤقتة أصبحت تجذب الأطفال من مختلف المناطق الساحلية، في ظل غياب أي مساحات آمنة أخرى يستطيعون اللعب فيها.

وعكس الواقع الذي يعيشه الأطفال حجم الانتهاكات التي طالت حقوقهم الأساسية خلال سنوات الحرب، فقد عانى معظم أطفال غزة من صدمات نفسية شديدة نتيجة فقدان الأقارب والأصدقاء أو إصابتهم، في حين قُتل أو جُرح واحد من كل عشرة من سكان القطاع خلال الحرب، في حين يُعتقد أن آلافاً آخرين ما زالوا مدفونين تحت الأنقاض، بحسب ما ورد في التقرير.

الأطفال مبتورو الأطراف

أوضحت لجنة تابعة للأمم المتحدة، في تقرير حول استهداف إسرائيل للأطفال الفلسطينيين، أن قطاع غزة يضم أعلى نسبة من الأطفال مبتوري الأطراف في العالم، مؤكدة أن الإعاقة بين الأطفال الفلسطينيين لم تعد حالة طبية فردية، بل أصبحت واقعاً ديموغرافياً مؤثراً.

وحذرت التقارير الأممية كذلك من أن المجاعة الناتجة عن الحصار الإسرائيلي ستترك آثاراً طويلة الأمد في النمو الجسدي والعقلي لعدد كبير من الأطفال، في وقت انقطع فيه التعليم النظامي منذ ثلاث سنوات، وتعرضت جميع مباني المدارس تقريباً للتدمير أو الأضرار، في حين لا تستوعب المدارس المؤقتة سوى أقلية من نحو 700 ألف طفل في سن الدراسة داخل القطاع.

وفرضت ظروف النزوح واقعاً أكثر قسوة على الأطفال، إذ يعيش الناجون في مخيمات خيام مكتظة، وسط نقص المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي، وفي مساحة لا تتجاوز ثلث مساحة قطاع غزة قبل الحرب، وهو ما جعل أي مساحة مفتوحة أو نشاط ترفيهي يمثل متنفساً نفسياً وجسدياً للأطفال.

ووصفت الطفلة مريم المصري، البالغة من العمر عشر سنوات، والتي فقدت والدها خلال الحرب، وجودها في دروس السباحة بأنه فرصة للتدرب واللعب واستنشاق الهواء النقي بعيداً عن الخيام، في حين أكدت ليلى قهمن، البالغة من العمر 14 عاماً، والتي فقدت شقيقها إثر قصف مسجد قريب من مكان لعبه، أن السباحة منحتها فرصة للاسترخاء ونسيان حياة الخيمة والخوف المستمر، مضيفة أنها أصبحت تشعر بثقة كبرى بعد أن تخلصت من خوفها من البحر.

وأعلن أمجد طنتش أن نحو 700 طفل التحقوا حتى الآن بدورات تدريبية تستمر ستة أسابيع، معرباً عن أمله في تدريب آلاف الأطفال الآخرين خلال الصيف إذا توفرت الموارد المالية اللازمة لتغطية النفقات الأساسية ورواتب المدربين، الذين يواصلون العمل حالياً بصورة تطوعية.

استعادة الحياة

استعاد طنتش قصة انطلاق أكاديمية السباحة التي أسسها قبل الحرب، موضحاً أن حلمه بدأ بعد مشاركة فلسطين لأول مرة في الألعاب الأولمبية في أتلانتا عام 1996، حين أدرك أنه لن يتمكن من تحقيق حلمه الأولمبي بوصفه سباحاً بسبب بدايته المتأخرة، فقرر أن يصنع الفرصة لجيل جديد من الأطفال.

وارتبط المشروع منذ بدايته أيضاً بهدف حماية الأطفال من الغرق، بعدما شهدت شواطئ غزة خلال سنوات متعاقبة وفيات متكررة نتيجة ضعف مهارات السباحة وغياب المنقذين، وأوضح طنتش أن كثيراً من العائلات كانت تخشى البحر، معتبرة إياه مكاناً يبتلع عشرات الأشخاص كل عام، الأمر الذي جعل إقناع أولياء الأمور بإلحاق أبنائهم بالدورات التدريبية أحد أكبر التحديات التي واجهها في البداية.

وشهدت السنوات اللاحقة توسع المشروع، إذ تعلم الأطفال السباحة أولاً داخل ميناء غزة حيث وفرت حواجز الأمواج قدراً من الحماية، قبل إنشاء سلسلة من المسابح على امتداد الساحل، تعلم فيها نحو 11 ألف شخص السباحة، وكان أكبر تلك المسابح الذي أُقيم فوق أنقاض منازل دمرتها الهجمات الإسرائيلية عام 2014 يمتد على مساحة تزيد على ألف متر مربع.

ودمرت الهجمات الإسرائيلية التي بدأت عام 2023 جميع تلك المسابح، كما قُتل عشرات من الأطفال الذين سبق لهم الالتحاق بالدورات، إضافة إلى ستة مدربين على الأقل، في حين أصيب عدد كبير من المشاركين بجروح متفاوتة، ليبدو استئناف المشروع أمراً بالغ الصعوبة.

وابتكر طنتش بعد ذلك فكرة إنشاء مسابح جديدة باستخدام أكياس الرمل والأنقاض، بعدما رأى أن الاعتماد على البحر وحده يشكل خطراً بسبب الأمواج والتيارات وقناديل البحر والصخور، مؤكداً أن المشروع الجديد لم يكن مخصصاً للأطفال وحدهم، بل أصبح بالنسبة إليه وسيلة للتعافي من فقدان شقيقه الأكبر بهجت، بطل الكاراتيه الذي قُتل خلال هجوم إسرائيلي أثناء محاولتهما الفرار من منزل العائلة تنفيذاً لأوامر الإخلاء.

واختتم طنتش حديثه بتأكيد أن رؤية الأطفال وهم ينسون أهوال الحرب للحظات أثناء وجودهم في الماء كانت أكبر دافع لمواصلة المشروع، قائلاً إن أول شخص ساعده هذا المشروع كان هو نفسه، بعدما منحه شعوراً بالسعادة والتعافي، وجعله يشعر بأنه عاد إلى الحياة من جديد.