تواصل حرائق الغابات اجتياح مناطق واسعة في جنوب أوروبا، مدفوعة بموجات الحر القياسية والجفاف الممتد والرياح القوية، في وقت اضطرت فيه السلطات الفرنسية إلى إجلاء أكثر من 10 آلاف شخص من المناطق السياحية في جنوب غرب البلاد، بينما واصلت فرق الإطفاء عملياتها للحد من انتشار النيران التي أتت على آلاف الهكتارات من الغابات والأراضي الزراعية.
وتعكس هذه التطورات تصاعد المخاطر المناخية التي تواجهها أوروبا خلال صيف 2026، مع تكرار موجات الحر واتساع رقعة الحرائق في عدد من الدول.
وذكرت وكالة رويترز ووكالة فرانس برس أن السلطات الفرنسية أجلت خلال الساعات الماضية أكثر من 10 آلاف شخص من منطقة جيروند غرب مدينة بوردو، بعدما اجتاح حريق سريع الانتشار أكثر من ألفي هكتار من الغابات بالقرب من خليج أركاشون، أحد أبرز المقاصد السياحية في فرنسا، وأوضحت السلطات أن معظم الذين غادروا المنطقة من السياح المقيمين في المخيمات الصيفية، إضافة إلى سكان المناطق القريبة من بؤر النيران.
إجلاء واسع في جنوب غرب فرنسا
أكدت السلطات المحلية أن نحو 500 من رجال الإطفاء يواصلون العمل لاحتواء الحريق الذي ما زال ينتشر بفعل الرياح ودرجات الحرارة المرتفعة، مشيرة إلى أن فرق الطوارئ لم تسجل أي إصابات بين السكان حتى الآن، رغم اتساع رقعة الحريق واستمرار خطر امتداده إلى مناطق مأهولة.
وأجلت سلطات جيروند سبعة آلاف شخص إضافي بصورة احترازية، ليرتفع إجمالي السكان والسياح الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم وأماكن إقامتهم إلى نحو 12 ألف شخص.
وشملت عمليات الإجلاء ستة مخيمات سياحية ومجمعا سكنيا يقع شمال منطقة كاب فيريه، في إطار إجراءات تهدف إلى حماية المدنيين مع استمرار اشتعال النيران.
حريق ثان يزيد الضغوط
واصل رجال الإطفاء في الوقت نفسه مكافحة حريق آخر اندلع في مقاطعة فار جنوب شرق فرنسا، بعدما امتدت النيران إلى نحو 2500 هكتار، وأجبرت السلطات على إجلاء نحو 400 شخص من المناطق المهددة.
وقال فرانك غراسيانو، المسؤول في جهاز الإطفاء والإنقاذ بمقاطعة فار، إن الظروف الجوية تزيد من صعوبة عمليات الإخماد، موضحا أن درجات الحرارة في المناطق الداخلية قد تصل إلى 45 درجة مئوية، بينما تتجاوز سرعة الرياح 60 كيلومترا في الساعة، وهو ما يرفع احتمالات توسع حرائق الغابات خلال ساعات النهار.
خسائر بشرية وموسم استثنائي
أعلن وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز أن فرنسا سجلت منذ بداية العام أكثر من 12500 حريق، أتت على نحو 44 ألف هكتار من الأراضي، وهي مساحة تجاوزت ما احترق خلال عام 2022 الذي شهد واحدا من أكثر مواسم الحرائق تدميرا في البلاد.
وأضاف الوزير أن الحرائق أودت هذا الأسبوع بحياة اثنين من رجال الإطفاء خلال مشاركتهما في مكافحة النيران بالقرب من مطار مدينة بوردو، في حادثة أعادت تسليط الضوء على المخاطر الكبيرة التي تواجه فرق الإنقاذ أثناء التعامل مع الحرائق الضخمة.
إيطاليا تواجه موجة حرائق جديدة
امتدت حرائق الغابات إلى إيطاليا، حيث أعلن وزير الداخلية ماتيو بيانتيدوسي مقتل أحد رجال الإطفاء أثناء مشاركته في إخماد النيران جنوب البلاد، بينما واصلت الحرائق التهام مساحات واسعة من الغابات في جزيرة صقلية.
وأجلت السلطات الإيطالية نحو مئة شخص و22 مريضا من إحدى العيادات الطبية في وسط الجزيرة، بعد تجاوز درجات الحرارة 40 درجة مئوية خلال الأيام الأخيرة.
وأكد رئيس إقليم صقلية ريناتو شيفاني أن السلطات دفعت بنحو ستة آلاف عنصر من حراس الغابات والإطفاء والحماية المدنية، إضافة إلى 20 طائرة ومروحية للمشاركة في مكافحة الحرائق، مشيرا إلى أن نحو 50 حريقا من أصل 344 حريقا جرى تسجيلها في يوم واحد ظلت مشتعلة حتى مساء الأربعاء.
كما رصدت السلطات أكثر من 160 حريقا جديدا في إقليم كالابريا المجاور خلال أربع وعشرين ساعة فقط.
إسبانيا تكافح أكبر الحرائق
واصلت إسبانيا بدورها مواجهة سلسلة من الحرائق الواسعة، وأعلنت أجهزة الطوارئ السماح لمعظم السكان الذين أجلتهم السلطات من المناطق الواقعة جنوب غرب مدريد بالعودة إلى منازلهم، بعدما حققت فرق الإطفاء تقدما ملحوظا في احتواء النيران.
ورغم ذلك، استمر أكبر حرائق البلاد في الاشتعال داخل مقاطعة غوادالاخارا، حيث التهم نحو 32 ألف هكتار منذ اندلاعه الأسبوع الماضي.
وقالت مارا مورا، وهي من عناصر الإطفاء المشاركين في عمليات المكافحة، إن بعض المناطق التي تعرضت للحريق تمتلك قيمة بيئية كبيرة، وقد تحتاج إلى نحو خمسين عاما حتى تستعيد غطاءها النباتي بالكامل.
وأضافت السلطات الإسبانية أن حريقا آخر التهم خلال الأسبوع الماضي نحو 15 ألف هكتار في مقاطعة سرقسطة، بينما شهدت مقاطعة ألميريا قبل أيام حريقا أسفر عن مقتل 13 شخصا.
تغير المناخ يزيد المخاطر
أكد فريق دولي من العلماء، في دراسة حديثة، أن تغير المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية أدى إلى تفاقم موجة الجفاف التي تضرب أوروبا، وساهم في تسجيل درجات حرارة قياسية رفعت احتمالات اندلاع الحرائق واتساعها.
وأظهرت بيانات الأقمار الاصطناعية التابعة لنظام إيفيس الأوروبي، أن عام 2026 يحتل حتى الآن المرتبة الثانية من حيث المساحات التي أتت عليها الحرائق داخل دول الاتحاد الأوروبي خلال العقدين الماضيين.
وأشار العلماء إلى أن الجفاف الشديد الذي أصاب التربة والنباتات منذ أشهر، إلى جانب موجات الحر المتعاقبة خلال يونيو ويوليو، جعل الغابات أكثر قابلية للاشتعال، وسرع انتشار الحرائق في مناطق واسعة من جنوب القارة.
تشهد أوروبا خلال السنوات الأخيرة تصاعدا ملحوظا في حرائق الغابات نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وتكرار موجات الجفاف المرتبطة بتغير المناخ، وتؤكد تقارير مرصد كوبرنيكوس الأوروبي والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن أوروبا تعد القارة الأسرع احترارا في العالم، وهو ما أدى إلى زيادة مدة مواسم الحرائق واتساع رقعتها وارتفاع خسائرها البشرية والاقتصادية والبيئية.
كما تشير بيانات الاتحاد الأوروبي إلى أن دول جنوب القارة، وفي مقدمتها فرنسا وإسبانيا وإيطاليا واليونان والبرتغال، أصبحت تواجه سنويا حرائق أكثر شدة وتعقيدا، الأمر الذي يدفع الحكومات إلى تعزيز قدرات الإطفاء والإنذار المبكر، بالتوازي مع تكثيف الجهود الرامية إلى الحد من آثار تغير المناخ وحماية السكان والموارد الطبيعية.
