منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

مراكز اللجوء خارج أوروبا.. خطة دنماركية تحت اختبار حقوق الإنسان

23 يوليو 2026
مراكز اللجوء خارج أوروبا من أكثر القضايا المثيرة للجدل
مراكز اللجوء خارج أوروبا من أكثر القضايا المثيرة للجدل

تواجه خطة الدنمارك لإنشاء مراكز استقبال وترحيل لطالبي اللجوء خارج حدود الاتحاد الأوروبي اختبارًا حقوقيًا جديدًا، بعد تحذير مجلس أوروبا من مخاطر محتملة على حقوق الإنسان، في وقت تجعل فيه رئيسة الحكومة الدنماركية ميتا فريدركسن نقل إجراءات اللجوء والهجرة إلى خارج أوروبا إحدى أولويات حكومتها.

وجاء التحذير في رسالة وجهها مفوض مجلس أوروبا لحقوق الإنسان، مايكل أوفلاهيرتي، إلى الدنمارك وألمانيا والنمسا وهولندا واليونان، أعرب فيها عن قلقه من أن تؤدي هذه المشاريع إلى انتهاكات تتعلق بسوء المعاملة، والاحتجاز التعسفي، وعدم حصول طالبي اللجوء والمهاجرين على ضمانات قانونية كافية.

ولا يرفض مجلس أوروبا، من حيث المبدأ، البحث عن حلول جديدة لإدارة ملف الهجرة، لكنه يؤكد أن أي نموذج جديد يجب ألّا يؤدي إلى نقل المسؤولية القانونية والإنسانية إلى دول خارج الاتحاد الأوروبي.

فكرة دنماركية ومشروع أوروبي

دافعت رئيسة الحكومة الدنماركية ميتا فريدركسن عن فكرة نقل مراكز معالجة طلبات اللجوء إلى خارج أوروبا، معتبرة أن النظام الحالي يشجع على رحلات الهجرة غير النظامية، ويفرض ضغطًا كبيرًا على الدول الأوروبية.

وقالت فريدركسن، في مقابلات مع صحف محلية وصحيفة فاينانشال تايمز، إن المشروع السياسي الملموس الوحيد الذي تريد التركيز عليه خلال ولايتها الجديدة هو إقامة هذه المراكز خارج القارة.

وتحظى هذه السياسة بتأييد أحزاب برلمانية من معسكر اليمين ويمين الوسط في الدنمارك، بينما تواجه تحفظًا ورفضًا من اليسار ومنظمات وحركات حقوقية وإنسانية، بينها المجلس الدنماركي للاجئين والفرع الدنماركي لمنظمة العفو الدولية.

ولم تعد الفكرة دنماركية فقط، إذ حصلت مبادرات مشابهة على دعم داخل الاتحاد الأوروبي، بعدما وافق البرلمان الأوروبي على خطوات تمهد لإمكانية إقامة مراكز استقبال ومغادرة في دول ثالثة، بالتعاون مع حكومات خارج الاتحاد.

نموذج للاستقبال والترحيل

تسعى الدنمارك إلى بناء نموذج يشمل نوعين من المراكز خارج أوروبا: مراكز لمعالجة طلبات اللجوء، ومراكز لإيواء الأشخاص الذين رُفضت طلبات لجوئهم أو صدرت بحقهم قرارات ترحيل، لكن لا يمكن إعادتهم إلى بلدانهم لأسباب قانونية أو أمنية.

وترى الحكومة الدنماركية أن هذا النموذج قد يحد من رحلات الهجرة غير النظامية، ويجعل إدارة اللجوء أكثر تنظيمًا، ويخفف الضغط عن الدول الأوروبية.

لكن منتقدي المشروع يرون أن نقل طالبي اللجوء إلى دول ثالثة قد يؤدي إلى إضعاف حقهم في الطعن القانوني، أو تعريضهم لظروف لا تتوافق مع المعايير الأوروبية، خصوصًا إذا لم تكن هناك رقابة مستقلة وضمانات قانونية واضحة.

منطقة رمادية قانونية

يرى مجلس أوروبا أن الخطر الأساسي في هذه المشاريع يكمن في احتمال ظهور منطقة قانونية غير واضحة، يجد فيها أشخاص أنفسهم خارج الأراضي الأوروبية، بينما تظل مصائرهم مرتبطة بقرارات تتخذها دول أوروبية.

وأكد مفوض حقوق الإنسان مايكل أوفلاهيرتي، أن مسؤولية احترام الاتفاقيات الدولية لا تختفي بمجرد نقل الأشخاص إلى خارج الاتحاد الأوروبي.

وطالب الدول المعنية باتخاذ إجراءات واضحة قبل المضي في هذه المشاريع، من بينها إجراء تقييمات مسبقة للمخاطر، وضمان وجود رقابة مستقلة على المراكز، وإبرام اتفاقيات ملزمة مع الدول المضيفة، وتوفير الشفافية بشأن كيفية عمل هذه المنشآت.

ويعكس هذا الموقف جوهر الاعتراض الحقوقي على خطط الترحيل الخارجي، إذ لا يتعلق الأمر فقط بمكان وجود طالبي اللجوء، بل بمن يملك السلطة عليهم، ومن يتحمل المسؤولية القانونية عن حمايتهم.

نظام اللجوء الأوروبي

تخشى منظمات حقوقية ولاجئون وفاعلون سياسيون معارضون أن يؤدي نقل إجراءات اللجوء إلى الخارج إلى تغيير طبيعة نظام الحماية الأوروبي، الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية على مبدأ توفير الحماية للأشخاص الفارين من الاضطهاد والحروب.

ويرى المجلس الدنماركي للاجئين ومنظمة العفو الدولية في الدنمارك أن هذه السياسة قد تفتح الباب أمام إبعاد طالبي اللجوء عن الضمانات القانونية الأوروبية، وتجعل مراقبة أوضاعهم أكثر صعوبة، خصوصًا إذا أُقيمت المراكز في دول ذات سجل حقوقي أو مؤسسي هش.

وتزداد هذه المخاوف مع تجارب سابقة ناقشتها الدنمارك، من بينها مشروع إنشاء مركز لمعالجة طلبات اللجوء في رواندا، قبل أن تتراجع عنه عام 2022.

غير أن كوبنهاغن عادت لاحقًا إلى الفكرة ضمن إطار أوروبي أوسع، معتبرة أن الحل يجب أن يكون جماعيًا لا فرديًا.

مسار أوروبي أكثر تشددًا

تتعاون الدنمارك في هذا الملف مع دول أوروبية أخرى، بينها إيطاليا بقيادة جورجيا ميلوني، التي تتبنى بدورها سياسة نقل بعض إجراءات اللجوء إلى خارج حدود الاتحاد الأوروبي.

ويأتي هذا التوجه في سياق أوسع تشهده أوروبا، مع تصاعد نفوذ الأحزاب اليمينية التي تجعل تشديد سياسات الهجرة محورًا رئيسيًا في برامجها السياسية.

وتريد حكومة فريدركسن تحويل مراكز الترحيل خارج أوروبا إلى نموذج جديد للسياسة الأوروبية، لكنها تواجه تحديًا مزدوجًا: إقناع الشركاء الأوروبيين بجدوى المشروع، وضمان عدم تجاوزه الحدود القانونية والحقوقية التي تفرضها الاتفاقيات الدولية.

بين ضبط الهجرة وحماية الحقوق

تقول الحكومة الدنماركية إن الهدف من إنشاء مراكز خارج أوروبا هو الحد من الهجرة غير النظامية، وبناء نظام أكثر صرامة وتنظيمًا في التعامل مع طلبات اللجوء والقرارات المرتبطة بالترحيل.

أما المعارضون فيحذرون من أن أوروبا قد تخاطر بالتخلي عن مسؤولياتها القانونية والإنسانية عبر إرسال طالبي اللجوء إلى دول أخرى، بدل معالجة أوجه القصور داخل نظامها الخاص.

ولا يقتصر الجدل على الدنمارك، فعدد من الدول الأوروبية يواجه السؤال نفسه: كيف يمكن إدارة تدفقات الهجرة من دون المساس بالاتفاقيات الدولية وحقوق الإنسان؟

اختبار للقيم الأوروبية

تضع خطة الدنمارك الاتحاد الأوروبي أمام سؤال جوهري يتعلق بمستقبل نظام اللجوء: هل يمكن بناء سياسة هجرة أكثر صرامة من دون التفريط في المبادئ التي قام عليها نظام الحماية الأوروبي؟

بالنسبة إلى مجلس أوروبا، تبدأ الإجابة من قاعدة واضحة: نقل الحدود الجغرافية لا يعني نقل المسؤولية القانونية. فالدولة التي تتخذ القرار أو تمارس التأثير على مصير طالبي اللجوء تظل مطالبة باحترام الضمانات الدولية، حتى لو نُفذت الإجراءات خارج أراضيها.

أما بالنسبة إلى الحكومة الدنماركية، فإن مستقبل السياسة الأوروبية للهجرة يتطلب تغييرًا جذريًا في طريقة إدارة اللجوء، بما يقلل الهجرة غير النظامية ويحد من شبكات التهريب ويخفف الضغط الداخلي.

وبين هذين المنظورين، تبقى مراكز اللجوء خارج أوروبا واحدة من أكثر القضايا حساسية في النقاش الأوروبي الراهن، لأنها تختبر الحدود الفاصلة بين إدارة الهجرة وحماية الكرامة الإنسانية.