منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

998 دولارا عن كل يوم داخل الولايات المتحدة

إدارة ترامب توسع سياسة الغرامات المالية لإجبار المهاجرين غير النظاميين على المغادرة

23 يوليو 2026
ضبط مهاجر في الولايات المتحدة
ضبط مهاجر في الولايات المتحدة

صعدت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إجراءاتها الرامية إلى تشديد سياسات الهجرة، بعدما وسعت العمل بسياسة تفرض غرامات مالية مرتفعة على المهاجرين غير النظاميين الذين يواصلون البقاء داخل الولايات المتحدة رغم صدور أوامر قضائية نهائية بترحيلهم.

 وتقول الإدارة إن هذه الخطوة تهدف إلى دفع المخالفين لمغادرة البلاد طوعاً، في حين يرى محامون ومنظمات حقوقية أنها تمثل وسيلة ضغط مالي تدفع المهاجرين إلى ما يعرف بالترحيل الذاتي، خوفاً من تراكم الديون ومصادرة ممتلكاتهم.

وذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن وزارة الأمن الداخلي الأمريكية أرسلت أكثر من 100 ألف إشعار إلى مهاجرين تبلغ قيمة الغرامة الواردة فيها 998 دولاراً عن كل يوم يقضيه الشخص داخل الولايات المتحدة بعد صدور أمر نهائي بترحيله، ويعني استمرار المخالفة لعدة سنوات أن الغرامة قد تصل إلى نحو 1.8 مليون دولار خلال الحد الأقصى الذي يسمح به القانون، في واحدة من أكثر أدوات الضغط المالي التي استخدمتها الإدارة الأمريكية في ملف الهجرة.

غرامات قد تتجاوز ملايين الدولارات

أوضحت الصحيفة أن القانون الذي يسمح بفرض هذه الغرامات يعود إلى عام 1996، إلا أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة لم تطبقه بصورة واسعة، وخلال الولاية الأولى للرئيس ترامب واجهت محاولات تطبيقه عقبات إدارية وقانونية، قبل أن يعيد تفعيله مع بداية ولايته الثانية، موجهاً الجهات المختصة إلى استخدام جميع الصلاحيات القانونية المتاحة لفرض الغرامات وتحصيلها ضمن خطته لتشديد الرقابة على الهجرة غير النظامية.

وأكدت الإدارة الأمريكية أن بقاء أي شخص داخل البلاد بعد صدور أمر نهائي بترحيله يمثل مخالفة قانونية تستوجب فرض العقوبات المالية المنصوص عليها، حتى إذا كان يسعى في الوقت نفسه للحصول على وضع قانوني جديد أو ينتظر الفصل في بعض الإجراءات الإدارية، ما لم يحصل على حماية قانونية توقف تنفيذ أمر الترحيل.

خيارات صعبة أمام المهاجرين

وجد آلاف المهاجرين أنفسهم أمام خيارات شديدة الصعوبة، إذ يواجهون إما مغادرة الولايات المتحدة وترك وظائفهم وأسرهم وحياتهم التي أسسوها على مدار سنوات، أو البقاء وتحمل غرامات مالية ضخمة قد تؤدي إلى ملاحقتهم مالياً ومصادرة بعض أصولهم وإحالة ملفاتهم إلى شركات متخصصة في تحصيل الديون.

ورأى محامون متخصصون في قضايا الهجرة أن هذه السياسة لا تقتصر آثارها على الجانب المالي، بل تمتد إلى التأثير النفسي والاجتماعي في المهاجرين، خاصة أولئك الذين لديهم أبناء ولدوا داخل الولايات المتحدة أو ينتظرون البت في طلبات للحصول على إقامة قانونية أو تأشيرات إنسانية.

قصة مهاجرة أثارت الجدل

استعرضت نيويورك تايمز قصة المهاجرة المكسيكية فيفي فاسكيز التي تعيش في الولايات المتحدة منذ 17 عاماً، وتحمل تصريح عمل رسمياً، كما تنتظر البت في طلب للحصول على تأشيرة إنسانية. وأشارت إلى أنها فوجئت بتلقي إشعار يطالبها بدفع أكثر من 1.8 مليون دولار بسبب بقائها داخل البلاد بعد صدور أمر ترحيل سابق.

وقالت فاسكيز إن الرسالة تسببت لها في حالة من القلق الشديد والخوف من خسارة كل ما تملكه، خاصة أنها كانت تنتظر قراراً بشأن وضعها القانوني. وأضافت أن السلطات أرفقت مع الإشعار دعوة لاستخدام تطبيق حكومي مخصص لإجراءات المغادرة الطوعية، مع إبلاغها بأن مغادرة البلاد قد تؤدي إلى إلغاء الغرامات. وتمكن محاميها لاحقاً من إلغاء الغرامة بعد مراجعة ملفها القانوني.

أرقام تكشف حجم الحملة

أعلنت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية أن سلطات الهجرة أصدرت منذ يناير 2025 وحتى منتصف يوليو 2026 أكثر من 103 آلاف غرامة بحق مهاجرين خالفوا أوامر الترحيل، وبلغت القيمة الإجمالية لهذه الغرامات أكثر من 84 مليار دولار.

وأظهرت البيانات الرسمية في الوقت نفسه أن المبالغ التي تمكنت الحكومة من تحصيلها فعلياً حتى منتصف يوليو لم تتجاوز 1.2 مليون دولار، وهو ما يعكس الفجوة الكبيرة بين قيمة الغرامات المعلنة والأموال التي دخلت بالفعل إلى الخزانة الأمريكية.

معارك قضائية متواصلة

واجهت هذه السياسة عدداً متزايداً من الدعاوى القضائية، إذ أكد محامون ومنظمات حقوقية أن فرض الغرامات بهذه الصورة يخالف الضمانات الدستورية المتعلقة بالإجراءات القانونية الواجبة، كما قد يتعارض مع الحظر الدستوري المفروض على العقوبات المالية المفرطة.

وأشار محامون إلى أن السلطات تطبق الغرامات بصورة آلية في كثير من الحالات، من دون مراجعة دقيقة للطلبات القانونية أو الظروف الفردية للمهاجرين الذين قد يمتلك بعضهم ملفات قانونية تمنحهم فرصة للبقاء داخل الولايات المتحدة بصورة مشروعة.

وفي المقابل، واصلت الإدارة الأمريكية الدفاع عن سياستها، مؤكدة أن استمرار تنفيذ أوامر الترحيل يمثل جزءاً أساسياً من إنفاذ قوانين الهجرة، وأن الغرامات تشكل أداة قانونية تهدف إلى ضمان الالتزام بالأحكام القضائية.

كما واصلت السلطات إجراءات تحصيل الأموال، فأحالت بعض الملفات إلى شركات خاصة لتحصيل الديون، وصادرت مبالغ من مستحقات استرداد الضرائب لبعض المهاجرين، وبدأت اقتطاع جزء من أجور آخرين، في حين رفعت وزارة العدل دعاوى قضائية لإلزام عدد منهم بسداد الغرامات المستحقة.

وقد أقر الكونغرس الأمريكي عام 1996 نصاً قانونياً يسمح بفرض غرامات مالية يومية على الأشخاص الذين يمتنعون عن تنفيذ أوامر الترحيل النهائية، إلا أن الإدارات الأمريكية السابقة استخدمت هذا النص في نطاق محدود، ومع عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، أعادت الإدارة تفعيل هذه الآلية ضمن حزمة واسعة من إجراءات تشديد الهجرة، شملت تكثيف حملات الترحيل، وتوسيع استخدام أدوات الضغط المالي والإداري، وتشجيع المهاجرين غير النظاميين على المغادرة الطوعية.

وفي المقابل، تواصل المحاكم الأمريكية النظر في طعون قانونية تتعلق بمدى توافق هذه السياسة مع الدستور الأمريكي، في حين تثير الإجراءات الجديدة جدلاً واسعاً بين مؤيدي تشديد قوانين الهجرة والمدافعين عن حقوق المهاجرين.