في تحول جيوسياسي مأساوي حملته أرقام منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) وبرنامج الأغذية العالمي (WFP) الصادرة أخيراً، تجاوزت نسبة السكان الذين يعانون من الجوع المزمن في إفريقيا مثيلتها في آسيا، مسجلةً “نقطة تحول زلزالية” في جغرافيا المجاعة العالمية، كما وصفها مسؤولون أمميون، وسط تحذيرات من أن القارة السمراء أصبحت الآن “البؤرة الساخنة” لأزمة الغذاء العالمية.
كشف تقرير “حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم” (SOFI 2026) أن نسبة الجوع في إفريقيا بلغت 22.3% من إجمالي السكان، مقابل 17.8% في آسيا، وهو الفارق الأكبر منذ بدء الألفية. وبالرغم من أن آسيا لا تزال تضم العدد المطلق الأكبر (نحو 370 مليون نسمة)، فإن 49.3 مليون شخص في إفريقيا جنوب الصحراء يعيشون اليوم على حافة المجاعة، بزيادة 18% على العام الماضي.
مركز ثقل الجوع ينتقل من آسيا إلى إفريقيا
وعلق على هذه المعطيات الديف لابوردي، مدير شعبة الاقتصاد الزراعي بالفاو، بتصريح حصري لمراسلنا: “انتقل مركز ثقل الجوع من آسيا إلى إفريقيا… قبل 25 عاماً كانت الصين تعاني من الجوع لكنها حلت المشكلة، والهند تواجه المشكلة ولكنها تبذل جهوداً كبيرة لحلها بنشاط، لكن إفريقيا، ولأول مرة، تحتل هذا الموقع الخطير دون وجود بوادر انحسار”.
تداعيات الصراعات
لم يأتِ هذا التفوق القاتم صدفة؛ إذ يُرجعه الخبراء إلى “عاصفة مثالية” تضرب القارة، ففي منطقة الساحل والقرن الإفريقي، أدى ارتفاع درجات الحرارة في موسم 2025-2026 إلى فشل كامل للمحاصيل، بالتزامن مع تصاعد نزاعات مسلحة تعصف بسلاسل التوريد.
وفي هذا السياق، حذّر ألفارو لاريو، رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (IFAD): “نحن في عصر لدينا فيه أعلى عدد من الصراعات وهو لا يزال في ازدياد.. كلما حدث نزاع، زاد الجوع والنزوح واللاجئون، والتحدي الأكبر لم يعد مجرد إنتاج ما يكفي من الغذاء، بل جعل النظم الغذائية الصحية في متناول الجميع”.
أما كارل سكاو، نائب المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي، فأضاف محذراً من تداعيات الصراعات الخارجية: “إذا استمر هذا النزاع (في الشرق الأوسط)، فسوف تكون له تبعات صادمة في مختلف أنحاء العالم… ومن دون استجابة إنسانية ممولة تمويلاً كافياً، قد يعني ذلك كارثة لملايين الأشخاص الذين يعيشون بالفعل على حافة الهاوية”.
عبء الديون الخارجية
لكن الجديد في تقرير هذا العام هو الربط الصريح بين أزمة الجوع وعبء الديون الخارجية، وفي تصريح خاص، أوضح الدكتور كينيدي أوموندي، كبير الباحثين في معهد السياسات الغذائية الإفريقي، أن “ما يحدث هو انهيار في القدرة الشرائية للدول الإفريقية، حيث تذهب نسبة كبيرة من ميزانياتها لسداد الديون بدلاً من دعم المزارعين”.
وكشف موسى فيلاكاثي، مفوض الاتحاد الإفريقي للزراعة والتنمية الريفية، عن رقم صادم: “ما يقرب من 300 مليون شخص في القارة يعانون من انعدام الأمن الغذائي… وتنفق القارة ما يصل إلى 100 مليار دولار سنوياً على واردات الغذاء، يجب علينا تعزيز النظم الزراعية الغذائية، والاستثمار في القدرة على التكيف مع المناخ، وتحسين إنتاجية التربة، وتمكين النساء والشباب”.
نقص التمويل
أمام هذا المشهد الكارثي، تعاني الاستجابة الإنسانية من نقص حاد في التمويل، فقد أقرّت المديرة التنفيذية لبرنامج الأغذية العالمي، سيندي ماكين، بأن “المساعدات الإنسانية الحالية لا تغطي سوى 30% من الاحتياجات الفعلية في القارة”، مضيفةً: “عزيمتنا راسخة لا تتزعزع، سنغتنم كل فرصة لحشد الدعم والموارد اللازمة للوصول إلى من يعتمدون علينا من أجل البقاء”.
ومن جهتها، وصفت سارة لونغفورد، نائبة المدير الإقليمي لغرب ووسط إفريقيا (WFP)، الوضع بأنه “تحول نموذجي”، وقالت: “المساعدات الإنسانية الحيوية قوة تحويلية واستقرارية… إن خفض التمويل الذي شهدناه في 2025 عمّق الجوع وسوء التغذية. ولكسر حلقة الجوع للأجيال القادمة، نحتاج إلى تحول نموذجي في 2026”.
في ختام التحليل الإحصائي، حذّر شو دونيو، المدير العام لمنظمة الفاو، من أن الأزمة اكتسبت طابعاً هيكلياً دائماً، مؤكداً أن “انعدام الأمن الغذائي الحاد اليوم ليس واسع الانتشار فحسب، بل هو أيضاً مستمر ومتكرر”، ما يعني أن القارة لن تتعافى بمجرد تحسن موسم زراعي واحد.
دعوة أممية للإستثمار
اختتم التقرير بدعوة عاجلة لمجموعة العشرين لإعادة هيكلة الديون الإفريقية مقابل استثمارات في الري الحديث والبذور المقاومة للجفاف، وفي هذا الإطار، وجّه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، رسالة شديدة اللهجة قال فيها: “هذا التقرير بمنزلة دعوة للعمل لحشد الإرادة السياسية من أجل توسيع نطاق الاستثمارات في المساعدات المنقذة للحياة على وجه السرعة، والعمل على إنهاء النزاعات التي تتسبب في إلحاق قدر هائل من المعاناة بالعديد من البشر”.
ويأتي هذا التحذير القاسي قبل أيام من انعقاد قمة الاتحاد الإفريقي الاستثنائية حول الأمن الغذائي في أديس أبابا مطلع أغسطس، وسط آمال دولية ضئيلة بتحقيق اختراق يوقف هذا النزيف الإنساني غير المسبوق.
