تواجه مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين مرحلة دقيقة في تاريخها، بعدما أثارت مناقشات داخل الإدارة الأمريكية بشأن مستقبل العلاقة مع المفوضية موجة واسعة من التحركات الدبلوماسية، ويخشى مسؤولون في الأمم المتحدة وشركاء العمل الإنساني أن يؤدي أي تراجع في الدعم الأمريكي إلى إضعاف قدرة المفوضية على الاستجابة لأزمات النزوح المتفاقمة في مختلف أنحاء العالم، في وقت يعيش فيه ملايين الأشخاص ظروفاً إنسانية قاسية بسبب الحروب والاضطهاد والكوارث.
وذكرت وكالة رويترز، نقلاً عن ثمانية مصادر مطلعة تضم دبلوماسيين ومسؤولين في قطاع المساعدات الإنسانية ومصدراً في الكونجرس الأمريكي، أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب درست خلال الأسابيع الأخيرة قطع علاقاتها مع مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، الأمر الذي دفع دبلوماسيين ومسؤولين أمميين إلى إطلاق حملة اتصالات مكثفة لإقناع واشنطن بالحفاظ على دعمها السياسي والمالي للمفوضية.
جهود لاحتواء الأزمة
أوضحت المصادر أن الولايات المتحدة التي تعد تاريخياً أكبر ممول للمفوضية، ناقشت بالفعل خيار إنهاء العلاقة معها، كما توقعت صدور قرار بهذا الشأن خلال الأسبوع الماضي، إلا أن الإدارة الأمريكية لم تعلن أي خطوة رسمية حتى الآن، وهو ما عزز الاعتقاد بأن الضغوط الدبلوماسية والاتصالات الدولية أسهمت في تأجيل القرار أو إعادة النظر فيه.
ولم تكشف وكالة رويترز عن هوية المصادر التي تحدثت إليها؛ نظراً لحساسية المداولات المرتبطة بالعلاقات بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة.
خلاف إداري
أرجعت خمسة مصادر جانباً من التوتر إلى الخلاف الذي نشأ عقب تعيين الدبلوماسية الأمريكية تريسا راي فينيرتي في منصب نائبة المفوض السامي لشؤون اللاجئين. وأشارت المصادر إلى أن هذه القضية فتحت باباً لخلافات أوسع بشأن إدارة المفوضية وطبيعة الإصلاحات التي ترغب واشنطن في رؤيتها داخل المنظمة.
وأضافت المصادر أن مسؤولي المفوضية أبلغوا عدداً من شركائهم بإمكانية إدراج المنظمة على قائمة سوداء أمريكية، وهو ما قد يؤدي إلى وقف التمويل الأمريكي، فضلاً عن احتمال انسحاب واشنطن من اللجنة التنفيذية التي تشرف على إدارة المفوضية وتحدد توجهاتها العامة.
تداعيات إنسانية واسعة
حذر دبلوماسيون ومسؤولون في قطاع الإغاثة من أن أي قرار بوقف التمويل الأمريكي سيترك آثاراً عميقة في برامج المفوضية الإنسانية، خاصة في ظل الارتفاع المستمر في أعداد النازحين واللاجئين حول العالم بسبب النزاعات الممتدة، وفي مقدمتها الحرب في أوكرانيا والصراع الدائر في السودان، إلى جانب أزمات إنسانية أخرى تتطلب استجابة دولية واسعة.
وأكد مصدر دبلوماسي أن مسؤولي المفوضية طلبوا خلال الأسبوع الماضي من الدول الداعمة استخدام مختلف القنوات السياسية والدبلوماسية مع الإدارة الأمريكية، من أجل الحفاظ على الشراكة القائمة وضمان استمرار التمويل الذي تعتمد عليه العمليات الإنسانية في عشرات الدول.
مواقف رسمية
امتنع متحدث باسم مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين عن التعليق على هذه المعلومات، في حين قال المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك إن المنظمة لا تملك معلومات تؤكد تلك الأنباء، ولذلك لا يمكنها التعليق عليها.
وفي المقابل، أكد متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية أن التعاون بين واشنطن والمفوضية لم يشهد أي تغيير حتى الآن، موضحاً أن الولايات المتحدة تواصل العمل مع المفوضية عندما يخدم ذلك مصالح السياسة الخارجية الأمريكية أو يسهم في إنقاذ الأرواح وتقديم المساعدات الإنسانية للمحتاجين.
صراع حول القيادة
ارتبطت الأزمة أيضاً بطريقة اختيار نائبة المفوض السامي، إذ فضل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش والمفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين برهم صالح تعيين تريسا راي فينيرتي بدلاً من المرشح الأمريكي سايمون هانكينسون، المسؤول السابق في السلك الدبلوماسي الأمريكي.
وأعرب هانكينسون عن استيائه من القرار، مؤكداً أن المفوضية تحتاج إلى إصلاحات تعيد تركيزها على مهمتها الأساسية المتمثلة في حماية اللاجئين الحقيقيين، إلى جانب تعزيز الرقابة على الميزانيات والإنفاق، معتبراً أنه كان المرشح الأنسب لتنفيذ هذه الرؤية.
أهمية التمويل الأمريكي
تكشف بيانات المفوضية عن حجم الاعتماد الكبير على الإسهامات الأمريكية، إذ قدمت الولايات المتحدة خلال عام 2025 تمويلاً بلغ 868 مليون دولار، وهو ما يمثل نحو ربع إجمالي إسهامات المانحين، الأمر الذي يجعل أي تغيير في موقف واشنطن ذا تأثير مباشر في قدرة المفوضية على تنفيذ برامجها الإنسانية حول العالم.
أنشأت الأمم المتحدة المفوضية السامية لشؤون اللاجئين عام 1950 لمساعدة اللاجئين الذين شردتهم الحرب العالمية الثانية، ثم توسع نطاق عملها ليشمل حماية ملايين اللاجئين وطالبي اللجوء والنازحين وعديمي الجنسية في أكثر من 130 دولة.
وتواجه المفوضية منذ سنوات ضغوطاً مالية متزايدة نتيجة ارتفاع أعداد المحتاجين للمساعدة وتراجع إسهامات عدد من الدول المانحة، وأظهرت بياناتها أن التمويل المتاح انخفض بنحو 30 بالمئة خلال عام 2025 مقارنة بعام 2024، الأمر الذي دفعها إلى إلغاء آلاف الوظائف وتقليص عدد من برامجها الإنسانية، في وقت تواصل فيه الأزمات الدولية رفع مستويات النزوح القسري إلى معدلات غير مسبوقة، ما يزيد أهمية استمرار التمويل الدولي لضمان وصول المساعدات الأساسية إلى ملايين الأسر الأكثر ضعفاً حول العالم.
