جويل بولاك
تُعد جنوب إفريقيا واحدة من أكثر المجتمعات عداءً للمهاجرين في العالم.
فعلى مدى الأسابيع الماضية، شهدت البلاد احتجاجات مناهضة للهجرة، ولم يكتفِ بعض المحتجين بالتظاهر، بل أخذوا يطرقون أبواب المنازل بحثاً عن مهاجرين غير نظاميين، مطالبين بترحيلهم فوراً.
وعندما رويت هذه الوقائع لبعض أصدقائي في سان فرانسيسكو، تبادلوا النظرات وسألوني: وما الفرق بين ما يحدث هناك وما يجري في الولايات المتحدة؟
الإجابة في رأيي واضحة: تطبيق قوانين الهجرة في الولايات المتحدة يعزز سيادة القانون، أما ما يحدث في جنوب إفريقيا هو عدالة الشارع أو ما يُعرف بـ”اليقظة الشعبية”، حيث يأخذ المواطنون القانون بأيديهم.
الولايات المتحدة تمتلك قوانين واضحة للهجرة، والحكومة الفيدرالية تملك السلطة والإمكانات الكاملة لتطبيقها.
لكن أحد الحزبين الرئيسيين، وهو الحزب الديمقراطي، اختار لسنوات عدم تطبيق هذه القوانين بالشكل الكافي، على أمل أن يتحول المهاجرون مستقبلاً إلى ناخبين يمنحونه مكاسب سياسية.
أما الحزب الجمهوري، فهو منقسم بين تيار اقتصادي يفضل الحدود المفتوحة لتوفير العمالة الرخيصة، وتيار آخر يعد أمن الحدود أولوية لا يمكن التنازل عنها.
ولسنوات طويلة، ظل هذا التيار الأخير مهمشاً، قبل أن يصل إلى السلطة مع انتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة. ومنذ ذلك الحين، باتت الإدارة تطبق القوانين القائمة رغم المعارضة السياسية والإعلامية الشرسة.

لكن هناك فارقاً مهماً يجب التوقف عنده: فالمواطنون الأمريكيون لم ينزلوا إلى الشوارع لمطاردة المهاجرين بأنفسهم.
حتى في ذروة نشاط مشروع “مينيوتمان” الذي تأسس عام 2004 لمراقبة الحدود، اقتصر دور المتطوعين على الرصد والإبلاغ، ولم يتحولوا إلى جماعات تقتحم المنازل أو تفرض القانون بالقوة.
أما جنوب إفريقيا، فلها قصة مختلفة.
فطوال سنوات الفصل العنصري كانت الحدود الشمالية شبه مغلقة، ولم تكن الدول الإفريقية ترغب أصلاً في التعامل مع نظام بريتوريا آنذاك.
لكن بعد انتهاء نظام الفصل العنصري عام 1994، عاد قادة المعارضة من المنفى، وفتحت الحكومة الجديدة الحدود بصورة واسعة، فتدفقت موجات من المهاجرين إلى أغنى اقتصاد في إفريقيا جنوب الصحراء.
وفي الوقت نفسه، شهدت البلاد انفجاراً في معدلات الجريمة، وهو واقع لا يزال مستمراً حتى اليوم.

صحيح أن جزءاً كبيراً من الجرائم ارتكبه مواطنون محليون، لكن العصابات الأجنبية لعبت أيضاً دوراً مؤثراً في تصاعد الجريمة المنظمة.
المشكلة أن الحكومة الجديدة فشلت في التعامل مع هذا التحدي.
فالشرطة التي كانت تتمتع بسطوة كبيرة في عهد الفصل العنصري، لم تستطع أداء مهامها التقليدية في مكافحة الجريمة، في حين انغمس حزب المؤتمر الوطني الإفريقي الحاكم في الفساد، وسمح للجريمة المنظمة بالتغلغل داخل أجهزة الأمن وصنع القرار.
ولذلك، فقد المواطنون ثقتهم في أجهزة إنفاذ القانون، وبدأت ظاهرة العدالة الشعبية تنتشر، خاصة داخل الأحياء الفقيرة.
وهذا يفسر، جزئياً على الأقل، لماذا شهدت البلاد اعتداءات جماعية نفذها مواطنون سود ضد مهاجرين سود من دول إفريقية أخرى.
لكن التاريخ العنصري ليس التفسير الوحيد.
فقرون من التمييز جعلت المجتمع الجنوب إفريقي ينظر إلى الناس باعتبارهم جماعات متنافسة على الموارد، لا أفراداً يتعاونون لتحقيق الازدهار.
غير أنني أرى أن هناك سبباً أعمق يتمثل في طريقة التفكير الاقتصادي السائدة.
فكثير من الجنوب إفريقيين ينظرون إلى الاقتصاد باعتباره لعبة “محصلتها صفر”.

إذا امتلك شخص ثروة، فلابد -في نظرهم- أنه انتزعها من شخص آخر.
وإذا نجح مهاجر في تأسيس مشروع أو الحصول على وظيفة، يُنظر إليه باعتباره استولى على فرصة كان ينبغي أن تذهب إلى مواطن جنوب إفريقي، حتى لو كان هذا المواطن لم يخاطر برأسمال، أو لم يسعَ أصلاً إلى هذه الفرصة.
هذا المنطق لا يقتصر على دول العالم النامي، بل له جذور فكرية معروفة.
إنه جوهر الفكر الماركسي الذي عاد اليوم في صورة أكثر قبولاً تحت مسمى “الاشتراكية الديمقراطية”.
ورأينا انعكاسات هذا التفكير حتى في الولايات المتحدة، عندما احتفى بعض الديمقراطيين بتصريحات المرشح السابق لمجلس الشيوخ جراهام بلاتنر الذي قال إنه إذا أصبح إيلون ماسك أول تريليونير في العالم، فيجب أن يكون الأخير أيضاً.
كما يواصل حلفاؤه الدفع نحو فرض “ضريبة على أصحاب المليارات”، وهي سياسة أعتقد أنها ستقوض الثروة والاستثمار إذا طُبقت.

وفي جوهر هذه الأفكار تكمن غريزة قديمة قدم قصة قابيل وهابيل: الحسد.
الأمريكيون ليسوا مختلفين عن بقية البشر، لكن الثقافة الأمريكية تقوم على ما وصفه المفكر الفرنسي ألكسيس دو توكفيل بـ”المصلحة الذاتية المفهومة على نحو صحيح”.
أي إن نجاح الفرد لا ينتقص من الآخرين، بل ينعكس عليهم بالنفع.
نجاحك يمكن أن يفيدني، ونجاحي يمكن أن يفيدك.
وهذا، في رأيي، هو النقيض الحقيقي للاشتراكية.
وللأسف، يبدو أن نظام جنوب إفريقيا بعد الفصل العنصري لم يستوعب هذه الحقيقة.
ولهذا، فإن موجة كراهية الأجانب التي نشهدها اليوم، رغم أنها تبدو بدائية، ليست غريبة عن التاريخ.
إنها تذكرنا بما شهدته أوروبا قبل عقود، عندما امتزجت القومية المتشددة بالاشتراكية، وكانت النتيجة واحدة من أكثر الفترات ظلاماً في التاريخ.
ولهذا أحمد الله أن الولايات المتحدة لديها رئيس ملتزم بتطبيق قوانين الهجرة وحماية الحدود.
وأحمد الله أيضاً أن الأمريكيين، في المجمل، ما زالوا من أكثر الشعوب تسامحاً.
وفوق كل ذلك، أحمد الله أن هناك من لا يزال يؤمن بأن الحرية الاقتصادية أكثر إنسانية وعدلاً من أي مشروع اشتراكي.
نقلاً عن نيويورك بوست
