أنيل سيث
طالما راود البشر، على امتداد قرون، حلم صنع كائنات اصطناعية تشبههم؛ عقولاً صناعية وأجساداً قادرة ليس فقط على التفكير، بل أيضاً على الإحساس، فتكون ذكية وواعية في آن واحد. وبالنسبة لمعظم التاريخ، ظل هذا الحلم أقرب إلى الخيال العلمي والفلسفة منه إلى الواقع. لكن خلال السنوات القليلة الماضية، غيّر الصعود المتسارع للذكاء الاصطناعي، ولا سيما النماذج اللغوية، قواعد اللعبة بالكامل.
في الأسبوع الماضي، نشرت شركة Anthropic، إحدى الشركات الرائدة في تطوير الذكاء الاصطناعي، دراسة جديدة عن نموذجها اللغوي Claude، زعم فيها الباحثون أنهم رصدوا مؤشرات قد توحي بظهور ملامح للوعي داخل آلية عمل النموذج. صحيح أنهم لم يقولوا إن «كلود» واعٍ بالطريقة التي يكون بها الإنسان واعياً، لكن نتائجهم رفعت سقف النقاش حول إمكانية نشوء الوعي داخل أنظمة الذكاء الاصطناعي.
واللافت أن المناخ الفكري أصبح أكثر استعداداً لتقبّل مثل هذه الطروحات. فحتى عالم الأحياء التطورية الشهير ريتشارد دوكينز انتهى مؤخراً إلى أن «كلود» -أو «كلوديا» كما أسماه- لا بد أن يكون واعياً، بالنظر إلى المستوى المذهل الذي بلغه في المحادثة.
لكن ما يجعل هذا الجدل بالغ الأهمية هو أن الرهانات هائلة. فإذا كان الذكاء الاصطناعي واعياً، أو يمكن أن يصبح كذلك، فإن ذلك سيقودنا إلى أسئلة أخلاقية غير مسبوقة. فالأنظمة الواعية قد تكون قادرة على المعاناة، وهو ما قد يفتح الباب أمام كارثة أخلاقية لم يشهدها التاريخ. كما أن إثبات إمكانية وجود الوعي داخل شرائح السيليكون قد يعني أن أدمغتنا وأجسادنا البيولوجية لن تظل النموذج الأعلى للعقل، وأن الآلات قد تصبح يوماً ما وريثتنا، حاملة شعلة الوعي إلى المستقبل وربما إلى أعماق الكون.
لا أنكر أن الدراسة التي قادها جاك ليندسي مثيرة للإعجاب. فقد ابتكر فريقه طريقة جديدة لتحليل العلاقة بين ما يُدخله المستخدم إلى النموذج اللغوي وما ينتجه من إجابات، ليكتشفوا نشاطاً داخلياً يشبه ما أطلقوا عليه «مساحة عمل ذهنية».
هذه المساحة تحتفظ بالكلمات والعبارات المرتبطة بالحوار الجاري، وتعمل بما يشبه الذاكرة قصيرة المدى، وتنتقي المعلومات المناسبة لكل مهمة، كما أظهرت دلائل على التفكير المتسلسل خطوة بخطوة، وغيرها من العمليات المعقدة.
بعبارة أخرى، يبدو أن النموذج ينشئ تلقائياً مساحة داخلية ينظم فيها المعلومات و«يفكر» فيها قبل أن يصوغ استجابته.
وهنا تكمن النقطة الأساسية بالنسبة للباحثين؛ فهذه الخصائص تشبه إلى حد كبير ما تصفه إحدى أشهر نظريات الوعي المعاصرة، وهي نظرية مساحة العمل العالمية التي طرحها عالم الإدراك برنارد بارز في ثمانينيات القرن الماضي، ثم طورها لاحقاً عالم الأعصاب ستانيسلاس ديهان. وتفترض هذه النظرية أن التجربة الواعية تنشأ عندما تصبح المعلومات متاحة على نطاق واسع لمختلف أجزاء الدماغ.
لكن، هل يكفي وجود «مساحة عمل» داخل كلود لاعتباره واعياً؟
قبل الإجابة، علينا أن نتفق أولاً على معنى الوعي نفسه، وهي مهمة ليست سهلة، إذ لا يوجد تعريف يحظى بإجماع العلماء. ومع ذلك، أجد أن أفضل نقطة انطلاق هي ما طرحه الفيلسوف توماس ناغل قبل خمسين عاماً في مقاله الشهير «كيف يبدو أن تكون خفاشاً؟» عندما قال إن الكائن الواعي هو الكائن الذي «يوجد شيء ما يشبه أن تكونه».
هناك شعور يرافق كوني أنا، وهناك شعور يرافق كونك أنت، وربما يشعر الكلب أو الفيل بشيء مشابه أيضاً. أما الكرسي أو الطاولة أو الإنسان الواقع تحت تخدير كامل، فلا يوجد أي شيء يشبه أن يكون أحدهم.
فالوعي، ببساطة، هو التجربة الذاتية نفسها؛ ألم الأسنان، أو غيرة مفاجئة، أو متعة تناول المثلجات في يوم شديد الحرارة.
ومن هنا تنبع حقيقة كثيراً ما يغفلها الناس: الوعي ليس الذكاء.
فالوعي يتعلق بالإحساس والوجود، في حين يتعلق الذكاء بالقدرة على الإنجاز وأداء الوظائف.
الخطأ الأكثر شيوعاً في النقاش حول الذكاء الاصطناعي هو اعتبار علامات الذكاء دليلاً على وجود الوعي. صحيح أن الذكاء والوعي يجتمعان داخل الإنسان، لكن هذا لا يعني أنهما متلازمان في كل الكائنات أو الأنظمة.
ولهذا أرى أن قيمة دراسة Anthropic تكمن في أنها حاولت تجاوز هذا الانحياز النفسي، والبحث عن مؤشرات مشتركة لمعالجة المعلومات قد تتقاسمها العقول البشرية والآلات، وهي بالفعل تدّعي أنها وجدت بعضها.
ومع ذلك، تبقى الفروق الجوهرية بين «كلود» وبيننا أكبر بكثير من أوجه التشابه.
فحتى وفقاً لنظرية مساحة العمل العالمية، لا يحقق النموذج جميع الشروط المطلوبة؛ إذ يفتقر مثلاً إلى دوائر التغذية الراجعة العصبية المتكررة التي تميز الدماغ البشري.
لكن الأهم من ذلك أن «كلود» ليس سوى برنامج يعمل فوق شرائح السيليكون، أما نحن -ومعظم الكائنات الواعية- كائنات حية، تمتلك أدمغة متجسدة داخل أجساد، تعيش وتتفاعل مع العالم المحيط بها.
وهذا الفرق ليس تفصيلاً ثانوياً.
فإمكانية وجود ذكاء اصطناعي واعٍ تفترض مسبقاً أن الوعي مجرد عملية حسابية يمكن تنفيذها بالطريقة نفسها سواء داخل الدماغ أو داخل الكمبيوتر.
لكن كلما تعمقنا في دراسة الدماغ الحقيقي، أصبح من الواضح أنه ليس مجرد كمبيوتر مصنوع من اللحم.
فالدماغ، بخلاف الحاسوب، لا يمكن الفصل فيه بين «البرمجيات» و«العتاد». وما يفعله الدماغ مرتبط بطبيعته البيولوجية ارتباطاً وثيقاً، وهو ما يجعل من الصعب اختزال الوعي في مجرد عمليات حسابية.
أعتقد أننا، في مرحلة ما، نسينا أن تشبيه الدماغ بالحاسوب ليس أكثر من استعارة علمية مفيدة، لكنها تظل استعارة. والخطر يبدأ عندما نتعامل مع الاستعارة باعتبارها الحقيقة نفسها.
وبالنسبة لي، فإن ما تثبته دراسة Anthropic ليس أن الذكاء الاصطناعي أصبح واعياً، بل أن العقول الحية والحواسيب قد تتوصل إلى حلول متشابهة عندما تواجه مشكلات متشابهة.
فالطيران، على سبيل المثال، يمكن تحقيقه بالأجنحة كما يمكن تحقيقه بالمحركات النفاثة.
وبالمثل، يستطيع الدماغ البشري والنموذج اللغوي إنتاج إجابات مقنعة، لكن الأول يفعل ذلك مصحوباً بالوعي، والثاني يفعله من دونه.
إن معالجة المعلومات داخل «كلود» لا تجعل ظهور الوعي أكثر احتمالاً، تماماً كما أن محاكاة إعصار داخل جهاز كمبيوتر لا تخلق إعصاراً حقيقياً في الواقع.
لا شك أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تزداد قوة يوماً بعد يوم، لكن إذا أردنا أن نحسن التعامل مع هذا العالم الجديد، فعلينا ألا ننسى الفارق العميق بيننا وبين هذه الابتكارات التي تبدو سحرية.
فعندما نقلل من قيمة عقولنا ونمنح الآلات أكثر مما تستحق، فإننا لا نبالغ فقط في تقدير قدراتها، بل نقلل أيضاً من قيمة الإنسان نفسه.
نقلاً عن الجارديان
