منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

من الحماية إلى العقوبة.. تعديلات تركية تثير مخاوف بشأن سجن القاصرين مدى الحياة

16 يوليو 2026
سجن الأطفال في تركيا
سجن الأطفال في تركيا

تستعد تركيا لمناقشة مشروع قانون جديد يتعلق بنظام عدالة الأحداث، يتضمن تعديلات قد تسمح للمحاكم بإصدار أحكام بالسجن المؤبد أو السجن المؤبد المشدد بحق أطفال تتراوح أعمارهم بين 15 و18 عامًا في بعض الجرائم الخطيرة، ما فتح نقاشًا واسعًا بين الحكومة التي تطرح المشروع باعتباره أداة لمواجهة استغلال الأطفال من قبل العصابات، ومنظمات حقوقية تخشى من تراجع مبدأ إعادة التأهيل الذي يشكل أساس التعامل الدولي مع الأطفال المخالفين للقانون.

وقالت نائبة رئيس الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية في تركيا ليلى شاهين أوستا إن مشروع “قانون حماية الأطفال” أُحيل إلى البرلمان بهدف معالجة ما وصفته بارتفاع معدلات الجرائم التي يرتكبها القاصرون وانخفاض أعمار بعض المتورطين في جرائم خطيرة، مؤكدة أن التعديلات تستهدف مواجهة استخدام التنظيمات الإجرامية للأطفال في تنفيذ أعمال غير قانونية بحسب ما أوردته وكالة أنباء المرأة.

تشديد العقوبات على القاصرين

ينص مشروع القانون على تعديل المادة 31 من قانون العقوبات في تركيا، بما يمنح المحاكم صلاحيات أوسع في التعامل مع الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و18 عامًا في قضايا القتل العمد وبعض الجرائم التي تؤدي إلى إصابات خطيرة، ويسمح التعديل للقاضي بعدم تطبيق بعض التخفيضات التقليدية للعقوبات إذا رأى أن طبيعة الجريمة أو ظروف ارتكابها تستدعي ذلك.

وتشمل معايير التقييم القضائي، وفق نص المشروع، طبيعة الجريمة ودوافعها وطريقة تنفيذها والسجل السابق للطفل، وهي نقاط يرى مؤيدو القانون أنها تمنح القضاء قدرة أكبر على التعامل مع الجرائم الخطيرة، بينما يحذر منتقدون من أن هذه الصلاحيات قد تؤدي إلى فرض عقوبات بالغة القسوة على أشخاص لم يصلوا إلى سن الرشد القانوني.

ووفق منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف”، فإن أنظمة عدالة الأحداث الحديثة تقوم على مبدأ أن الأطفال يختلفون عن البالغين من حيث النمو النفسي والاجتماعي، وأن الهدف الأساسي من أي إجراء قانوني يجب أن يكون الإصلاح وإعادة الدمج داخل المجتمع، وليس العقاب طويل الأمد.

توسيع نطاق المسؤولية الجنائية

لا يقتصر المشروع التركي على الفئة العمرية بين 15 و18 عامًا، بل يتضمن أيضًا تعديلات تخص الأطفال بين 12 و15 عامًا، حيث يمنح القضاء إمكانية تقليص التخفيضات المقررة للعقوبات في بعض الجرائم وفق ظروف كل حالة.

كما يقترح المشروع خفض سن تطبيق أحكام “العود إلى الجريمة” من 18 عامًا إلى 15 عامًا، ما يعني إمكانية اعتبار بعض الأطفال ضمن فئة الأشخاص الذين يواجهون تشديدًا في العقوبة بسبب تكرار المخالفات.

وتقول الحكومة التركية إن هذا الإجراء يهدف إلى منع الجماعات الإجرامية من استغلال الأطفال الأصغر سنًا بسبب معرفتها بأن القوانين الحالية توفر حماية أكبر للقاصرين، لكن منظمات حقوقية ترى أن الحل لا يكمن في توسيع العقوبات، بل في معالجة الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تجعل بعض الأطفال أكثر عرضة للاستغلال.

وقالت لجنة حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة في ملاحظاتها العامة حول عدالة الأحداث إن خفض سن المسؤولية الجنائية أو تشديد العقوبات على الأطفال لا يمثل استجابة فعالة للحد من الجريمة، مؤكدة أن الدول مطالبة بتوفير برامج وقائية وتعليمية واجتماعية تقلل من أسباب انخراط الأطفال في الجرائم.

مسؤولية الوالدين

يتضمن مشروع القانون أيضًا تعديلات تتعلق بمسؤولية أولياء الأمور، حيث يسمح بمضاعفة العقوبات المفروضة عليهم حتى مرتين إذا ثبت أن الإهمال في واجبات الرعاية أو الإشراف أدى إلى ارتكاب الطفل جرائم قتل عمد أو اعتداءات خطيرة.

وترى الحكومة التركية أن هذا البند يهدف إلى تعزيز مسؤولية الأسرة في حماية الأطفال ومنع تعرضهم للتأثيرات الإجرامية، بينما يثير خبراء قانونيون مخاوف من إمكانية تحميل الأسر مسؤولية أوسع عن أفعال الأطفال دون النظر إلى الظروف الاجتماعية والنفسية المحيطة بهم.

وأكدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة أن حماية الطفل تتطلب دعم الأسرة وتوفير الخدمات الاجتماعية، وليس فقط فرض عقوبات عليها، مشيرة إلى أن الفقر والتهميش وضعف الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية تعد من العوامل التي تزيد مخاطر انخراط الأطفال في الجريمة.

تغييرات في نظام تنفيذ العقوبات

يقترح القانون الجديد تغيير طريقة تنفيذ الأحكام بحق الأطفال المدانين في تركيا، بحيث يبدأ المحكوم عليهم فترة احتجازهم داخل مراكز مغلقة، ولا ينتقلون إلى مراكز أكثر انفتاحًا إلا بعد تقييم سلوكهم من قبل لجان مختصة.

كما يلغي المشروع بعض الامتيازات السابقة المتعلقة باحتساب فترات الاحتجاز للأطفال في بعض الجرائم الخطيرة، وهو ما قد يؤدي عمليًا إلى زيادة مدة بقائهم داخل مؤسسات الاحتجاز.

ويرى المدافعون عن حقوق الطفل أن احتجاز القاصرين لفترات طويلة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، خصوصًا إذا لم ترافقه برامج تعليمية وتأهيلية فعالة.

وأكدت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقاريرها المتعلقة بعدالة الأحداث أن احتجاز الأطفال يجب أن يكون الإجراء الأخير والأقصر مدة ممكنة، وأن الدول مطالبة بتوفير بدائل مثل برامج الإصلاح المجتمعي والإشراف القضائي.

واقع الأطفال أمام القضاء في تركيا

يأتي مشروع القانون التركي الجديد في ظل نقاش متزايد حول أوضاع الأطفال داخل منظومة العدالة الجنائية، وسط تحديات مرتبطة بارتفاع معدلات تعرض القاصرين للجريمة أو تورط بعضهم في مخالفات قانونية، وتؤكد الجهات الرسمية في تركيا أن الهدف من التعديلات هو مواجهة الجرائم الخطيرة ومنع استغلال الأطفال من قبل الشبكات الإجرامية، بينما تطالب منظمات حقوقية بضرورة الاعتماد على بيانات دقيقة قبل الانتقال إلى تشديد العقوبات.

ووفق بيانات معهد الإحصاء التركي، بلغ عدد الأطفال الذين تعاملت معهم وحدات العدالة والأجهزة القضائية خلال السنوات الأخيرة عشرات الآلاف سنويًا، سواء باعتبارهم مشتبهًا بهم أو ضحايا أو أطرافًا في قضايا قانونية، وأظهرت بيانات المعهد أن جزءًا كبيرًا من قضايا الأطفال يرتبط بجرائم السرقة والإصابات والمخالفات المرتبطة بالسلوكيات الاجتماعية، وليس فقط الجرائم العنيفة التي تستند إليها الحكومة في تبرير التعديلات الجديدة.

كما تشير بيانات وزارة العدل التركية إلى أن نظام عدالة الأحداث يعتمد حاليًا على محاكم متخصصة للأطفال وتدابير بديلة للعقوبة في عدد من الحالات، مثل الرقابة القضائية، والخدمات الاجتماعية، وبرامج إعادة التأهيل، بهدف تقليل اعتماد الدولة على السجن كوسيلة أساسية للتعامل مع القاصرين.

تحذيرات حقوقية

تثير التعديلات المقترحة انتقادات منظمات حقوق الإنسان التي ترى أن منح إمكانية الحكم بالسجن المؤبد للأطفال يمثل تحولًا جوهريًا في فلسفة العدالة الجنائية الخاصة بالقاصرين.

وأكدت منظمة العفو الدولية أن الأطفال الذين يرتكبون جرائم يجب أن يحصلوا على فرصة للإصلاح وإعادة الاندماج، مشددة على أن حرمان الطفل من الحرية لفترات طويلة يتعارض مع المعايير الدولية التي تعتبر الاحتجاز آخر خيار ممكن.

وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن أي نظام عدالة خاص بالأطفال يجب أن يركز على معالجة الأسباب التي دفعت الطفل إلى الجريمة، مثل الفقر أو العنف الأسري أو التسرب من التعليم أو الاستغلال من قبل مجموعات إجرامية، وليس الاكتفاء بتشديد العقوبات.

وأضافت المنظمة أن فرض عقوبات قاسية على القاصرين قد يؤدي إلى آثار طويلة المدى على صحتهم النفسية وفرص اندماجهم مستقبلًا، خصوصًا أن مرحلة الطفولة والمراهقة تعد فترة أساسية في تطور الشخصية والسلوك.

موقف الأمم المتحدة والمعايير الدولية

تستند الانتقادات الدولية للمشروع التركي إلى اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل التي صادقت عليها تركيا عام 1995، وتلزم الدول باتخاذ إجراءات خاصة عند التعامل مع الأطفال المتهمين بارتكاب جرائم.

وتنص المادة 37 من الاتفاقية على ألا يتعرض أي طفل للتعذيب أو المعاملة القاسية أو المهينة، وأن يكون احتجاز الأطفال وفق القانون إجراءً أخيرًا ولأقصر فترة زمنية مناسبة.

كما تؤكد المادة 40 من الاتفاقية ضرورة معاملة الأطفال بطريقة تعزز إحساسهم بالكرامة والمسؤولية، وتساعدهم على العودة إلى المجتمع بدلًا من إخضاعهم لعقوبات تؤدي إلى عزلهم طويلًا.

وأكدت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الطفل في ملاحظاتها العامة بشأن عدالة الأحداث أن الدول يجب ألا تعامل الأطفال كنسخة أصغر من البالغين، لأن احتياجاتهم النفسية والاجتماعية تختلف بشكل جوهري، وأن العقوبات الطويلة قد تتعارض مع هدف إعادة التأهيل.

مخاوف بشأن السجن المؤبد للقاصرين

يركز الجدل الأكبر حول المشروع التركي على إمكانية الحكم بالسجن المؤبد على أطفال بين 15 و18 عامًا، وهي خطوة تعتبرها منظمات حقوقية من أكثر القضايا حساسية، لأن السجن مدى الحياة يحرم الطفل عمليًا من فرصة العودة إلى المجتمع.

وتشير المبادئ الدولية الخاصة بعدالة الأحداث إلى أن العقوبات يجب أن تراعي إمكانية تغير سلوك الطفل مع مرور الوقت، وأن أي نظام عقابي لا يأخذ في الاعتبار مراحل النمو النفسي والاجتماعي قد يفشل في تحقيق أهداف العدالة.

وقالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة إن الأطفال الذين يدخلون نظام العدالة يحتاجون إلى تدخلات تعليمية وعلاجية واجتماعية تساعدهم على تغيير مسار حياتهم، وليس فقط إلى العقوبة.

تطور عدالة الأحداث في تركيا

بدأت تركيا تطوير نظام خاص بعدالة الأحداث خلال العقود الأخيرة، خصوصًا مع إصلاحات قانونية هدفت إلى مواءمة التشريعات المحلية مع الاتفاقيات الدولية.

وفي عام 2005، دخل قانون حماية الطفل التركي حيز التنفيذ، وركز على إنشاء آليات لحماية القاصرين وتوفير التدخلات الاجتماعية والنفسية للأطفال الذين يدخلون في نزاعات مع القانون.

كما شهدت السنوات التالية إنشاء محاكم متخصصة بالأطفال وتوسيع دور المؤسسات الاجتماعية في متابعة القضايا، بهدف تقليل اللجوء إلى السجن وتشجيع الحلول الإصلاحية.

لكن النقاش حول تشديد العقوبات عاد بقوة خلال السنوات الأخيرة، خاصة مع تصاعد مخاوف حكومية بشأن جرائم يرتكبها قاصرون أو استخدامهم من قبل عصابات منظمة.

بين حماية المجتمع وحماية الطفل

تقول الحكومة التركية إن مشروع القانون لا يستهدف معاقبة الأطفال بسبب أعمارهم، بل يركز على الحالات التي ترتبط بجرائم خطيرة أو استغلال منظمات إجرامية للقاصرين.

وترى وزارة العدل التركية أن بعض الجرائم العنيفة تحتاج إلى أدوات قانونية أكثر صرامة، وأن النظام الحالي قد لا يكون كافيًا للتعامل مع الحالات التي تتكرر فيها الجرائم الخطيرة.

في المقابل، ترى منظمات حقوق الإنسان أن مواجهة الجريمة لا يجب أن تأتي على حساب المبادئ الأساسية لحماية الطفل، وأن الحلول الأمنية وحدها لا تعالج الأسباب العميقة التي تدفع بعض القاصرين إلى الانخراط في الجريمة، مؤكدة أن تشديد العقوبات على القاصرين قد يترك آثارًا تتجاوز الطفل نفسه لتصل إلى الأسرة والمجتمع، إذ قد يؤدي السجن الطويل إلى قطع الروابط التعليمية والاجتماعية وزيادة صعوبة العودة إلى الحياة الطبيعية بعد الإفراج.

وتطالب هذه المنظمات بإجراء دراسات اجتماعية وقانونية شاملة قبل اعتماد أي تعديلات، مع ضمان أن تكون مصلحة الطفل الفضلى هي المعيار الأساسي في كل قرار قضائي.

وتؤكد منظمة الأمم المتحدة للطفولة أن أفضل السياسات للحد من جرائم الأطفال تبدأ قبل وصولهم إلى القضاء، عبر مكافحة التسرب المدرسي، ودعم الأسر الهشة، وتوفير خدمات الصحة النفسية والحماية الاجتماعية.

يمثل مشروع قانون “حماية الأطفال” اختبارًا جديدًا لمدى التزام تركيا بالتوازن بين مكافحة الجريمة واحترام التزاماتها الدولية تجاه حقوق الطفل.

فبينما تؤكد السلطات أن التشديد يستهدف الجرائم الخطيرة ويحمي الأطفال من الاستغلال الإجرامي، تخشى المنظمات الحقوقية من أن يؤدي توسيع العقوبات إلى نقل الأطفال من دائرة الحماية والإصلاح إلى دائرة العقاب طويل الأمد.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية