دخلت حرية الصحافة في تركيا مرحلة جديدة من الضغوط الحقوقية مع استمرار الاعتقالات والملاحقات القضائية وفرض قيود واسعة على وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، في وقت تؤكد فيه منظمات دولية أن البيئة الإعلامية تشهد تضييقاً متزايداً على العمل الصحفي المستقل.
وتقول تقارير صادرة عن مجلس أوروبا، ومنظمة مراسلون بلا حدود، ولجنة حماية الصحفيين، وهيومن رايتس ووتش، إن هذه الإجراءات تؤثر بصورة مباشرة في قدرة الصحفيين على تغطية الأحداث والوصول إلى المعلومات ونقلها إلى الجمهور.
انتهاكات شهر يونيو 2026
رصدت جمعية صحفيات ميزوبوتاميا، في تقريرها الشهري عن أوضاع حرية الصحافة في تركيا خلال يونيو الماضي، استمرار الانتهاكات بحق الصحفيين والعاملين في وسائل الإعلام، لافتة أن السلطات اعتقلت سبعة صحفيين خلال الشهر، بينما فرضت قرارات حظر وصول على 125 منصة وموقعاً وحسابا إعلاميا رقميا، في واحدة من أكبر موجات القيود الرقمية التي وثقتها الجمعية خلال العام.
كما سجل التقرير إصابة ثلاثة صحفيين أثناء تغطية أحداث ميدانية، واعتقال أربعة آخرين، وتوقيف صحفيين، ومداهمة منزل صحفي، واستدعاء صحفي للتحقيق، إضافة إلى تعرض ثلاثة صحفيين لتهديدات مباشرة، ومنع ثلاثة آخرين من ممارسة التغطية الميدانية، مع استمرار نظر تسع قضايا أمام القضاء وبقاء سبعة صحفيين رهن الاحتجاز حتى نهاية يونيو.
الاحتجاجات توسع نطاق القيود
ربطت جمعية صحفيات ميزوبوتاميا تصاعد الانتهاكات بتغطية الاحتجاجات النسائية ضد الحزمة القضائية الثانية عشرة، والاحتجاجات الاجتماعية، والاستعدادات المرتبطة بقمة حلف شمال الأطلسي، وأكد التقرير أن قوات الأمن منعت صحفيين من الوصول إلى مواقع الأحداث، واحتجزت عدداً منهم أثناء أداء عملهم، وهو ما اعتبرته الجمعية مؤشراً على تحول القيود إلى ممارسة متكررة وليست حالات استثنائية.
كما وثّقت منظمات أوروبية تعرض عدد من الصحفيين لاعتداءات جسدية أثناء تغطية الاحتجاجات، ووصفت هذه الوقائع بأنها تمثل تصعيداً مقلقاً ضد الإعلام المستقل في تركيا.
الرقابة الرقمية تتسع
أصبحت الرقابة الرقمية أحد أبرز ملامح المشهد الإعلامي التركي، وتشير جمعية صحفيات ميزوبوتاميا إلى أن 125 قراراً بحظر الوصول استهدفت مواقع إلكترونية ومنصات إعلامية وحسابات صحفية خلال شهر واحد فقط.
وتؤكد جمعية دراسات الإعلام والقانون أن السلطات التركية استخدمت خلال السنوات الأخيرة تشريعات تتعلق بالأمن القومي ومكافحة التضليل وحماية النظام العام لتوسيع صلاحيات حجب المحتوى الرقمي، بينما وثقت تقاريرها حظر 14680 مادة صحفية و5641 منشوراً على وسائل التواصل الاجتماعي خلال عام 2023.
موقع تركيا في المؤشرات الدولية
تعكس المؤشرات الدولية استمرار الضغوط على قطاع الإعلام في تركيا، فقد وضعت منظمة مراسلون بلا حدود تركيا في المرتبة 163 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026، مؤكدة أن البيئة الإعلامية تواجه تحديات متزايدة تشمل الرقابة الرقمية، والضغوط القضائية، واستمرار ملاحقة الصحفيين داخل البلاد وخارجها.
كما تشير المنظمة إلى أن التعددية الإعلامية تراجعت بصورة كبيرة خلال العقد الأخير مع تزايد هيمنة المؤسسات المقربة من الحكومة على وسائل الإعلام الوطنية.
مجلس أوروبا يرصد تراجعاً مستمراً
أكد التقرير السنوي لمنصة مجلس أوروبا المعنية بحماية الصحافة أن الأشهر الأخيرة شهدت ارتفاعاً في الاعتداءات على الصحفيين خلال تغطية الاحتجاجات، حيث تعرض ما لا يقل عن 12 صحفياً لاعتداءات جسدية من قبل قوات الأمن، بينما واجه عدد آخر الاعتقال أو الملاحقة القضائية.
وأوضح التقرير أن القيود المفروضة على وسائل الإعلام تثير مخاوف متزايدة بشأن التزام تركيا بالمعايير الأوروبية المتعلقة بحرية التعبير واستقلال الإعلام.
الأمم المتحدة تدعو إلى حماية الصحفيين
أعرب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان والمقرر الخاص المعني بحرية الرأي والتعبير في مناسبات عدة عن القلق من استمرار اعتقال الصحفيين واستخدام قوانين الأمن ومكافحة الإرهاب بصورة قد تقيد حرية التعبير.
وأكدت الأمم المتحدة أن المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تكفل حق كل فرد في التعبير وتلقي المعلومات ونقلها، ولا تجيز فرض القيود إلا في أضيق الحدود ووفق معايير الضرورة والتناسب، كما شددت على ضرورة توفير بيئة آمنة للصحفيين تمكنهم من أداء عملهم دون ترهيب أو ملاحقة.
إرث ما بعد عام 2016
ترجع منظمات حقوق الإنسان جذور الأزمة الحالية إلى الإجراءات التي أعقبت محاولة الانقلاب في يوليو 2016، عندما أغلقت السلطات عشرات المؤسسات الإعلامية واعتقلت أعداداً كبيرة من الصحفيين بموجب قوانين الطوارئ ومكافحة الإرهاب.
وتشير تقارير مجلس أوروبا ومنظمة مراسلون بلا حدود إلى أن كثيراً من هذه التدابير استمر بعد انتهاء حالة الطوارئ، وتحول إلى جزء من الإطار القانوني والتنظيمي الذي يحكم العمل الإعلامي في تركيا، وهو ما أسهم في اتساع نطاق الرقابة الذاتية داخل المؤسسات الصحفية.
قانون التضليل يوسع الجدل الحقوقي
تؤكد جمعية دراسات الإعلام والقانون في تركيا أن قانون مكافحة المعلومات المضللة، الذي دخل حيز التنفيذ عام 2022، لا يزال يمثل محوراً رئيسياً في الجدل حول حرية الصحافة، إذ تشير الجمعية إلى أن السلطات استخدمت أحكام القانون في فتح تحقيقات وملاحقات بحق صحفيين وناشطين ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي على خلفية محتوى منشور عبر الإنترنت.
وترى منظمات حقوقية أن الصياغة الواسعة لبعض مواد القانون تمنح السلطات صلاحيات كبيرة في تفسير مفهوم المعلومات المضللة، بينما تؤكد الحكومة التركية أن القانون يهدف إلى حماية الأمن العام ومكافحة الأخبار الكاذبة.
وتشير تقارير لجنة البندقية التابعة لمجلس أوروبا إلى أن بعض مواد التشريع قد تؤثر في حرية التعبير إذا لم تُطبق وفق معايير الضرورة والتناسب.
الصحفيون بين السجون والمحاكم
توضح لجنة حماية الصحفيين أن تركيا بقيت خلال السنوات الأخيرة ضمن الدول التي شهدت محاكمات متكررة للصحفيين بموجب قوانين الإرهاب أو قوانين تتعلق بإهانة مؤسسات الدولة أو المسؤولين.
وتؤكد اللجنة أن المحاكمات المطولة وما يصاحبها من قيود على السفر أو العمل الإعلامي تؤثر في قدرة الصحفيين على مواصلة عملهم، حتى في الحالات التي تنتهي فيها القضايا دون أحكام بالسجن. كما تشير اللجنة إلى أن الأثر المهني والنفسي للملاحقات القضائية يمتد إلى المؤسسات الإعلامية التي تضطر إلى تقليص تغطياتها أو تعديل سياساتها التحريرية خشية التعرض لإجراءات مماثلة.
منصات محجوبة ومساحات رقمية أضيق
تشير جمعية صحفيات ميزوبوتاميا إلى أن قرارات حظر الوصول التي طالت 125 منصة إعلامية وحساباً رقمياً خلال يونيو تعكس اتجاهاً متصاعداً نحو تقييد المجال الرقمي.
وتوضح منظمة مراسلون بلا حدود أن السلطات التركية توسعت خلال الأعوام الأخيرة في استخدام قرارات إزالة المحتوى وحجب المواقع الإلكترونية، الأمر الذي انعكس على قدرة وسائل الإعلام المستقلة على الوصول إلى الجمهور، خصوصاً بعد انتقال نسبة كبيرة من النشاط الإعلامي إلى المنصات الرقمية.
كما ترصد منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش آثاراً تتجاوز الجوانب القانونية، إذ تشير المنظمتان إلى أن الصحفيين الذين يواجهون الاعتقال أو التحقيق أو القيود المهنية يتعرضون أيضاً لضغوط نفسية واجتماعية واقتصادية، وتوضح التقارير أن بعض المؤسسات الإعلامية فقدت كوادرها نتيجة الهجرة أو التوقف عن العمل، بينما اضطر عدد من الصحفيين إلى ممارسة المهنة خارج البلاد أو العمل بأسماء مستعارة لتقليل المخاطر المرتبطة بالنشر.
الموقف الأممي والأوروبي
يشير المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحرية الرأي والتعبير، إلى جانب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، إلى أن حماية الصحفيين تمثل ركناً أساسياً لضمان الحق في الحصول على المعلومات، وتؤكد الأمم المتحدة أن المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تكفل حرية التعبير وحرية البحث عن المعلومات وتلقيها ونقلها، كما تشدد على أن أي قيود يجب أن تستند إلى القانون وأن تحقق شرط الضرورة والتناسب، وألا تؤدي إلى تقويض العمل الصحفي المشروع.
يعرب الاتحاد الأوروبي في تقاريره الدورية الخاصة بتركيا عن قلقه من استمرار التحديات التي تواجه استقلال الإعلام وحرية الصحافة، وتشير المفوضية الأوروبية إلى أن استمرار التحقيقات الجنائية ضد الصحفيين، وحجب المحتوى الرقمي، والضغوط الاقتصادية على وسائل الإعلام، تمثل ملفات أساسية في تقييم التقدم الذي تحرزه تركيا في مجال سيادة القانون والحقوق الأساسية.
ردود المنظمات الحقوقية والصحفية
وتؤكد منصة مجلس أوروبا لتعزيز حماية الصحافة وسلامة الصحفيين استمرار تلقيها بلاغات تتعلق باعتقال صحفيين، والاعتداء عليهم أثناء التغطيات الميدانية، وفرض قيود على المؤسسات الإعلامية في تركيا، ودعت المنصة السلطات التركية بصورة متكررة إلى ضمان حماية الصحفيين أثناء أداء عملهم، وإجراء تحقيقات فعالة في أي اعتداءات يتعرضون لها، بما يتوافق مع الالتزامات المنصوص عليها في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.
دعت منظمة “مراسلون بلا حدود” إلى إنهاء الملاحقات القضائية المرتبطة بالعمل الصحفي، وإلغاء القيود التي تعرقل الوصول إلى المعلومات. كما تطالب لجنة حماية الصحفيين بالإفراج عن الصحفيين المحتجزين بسبب عملهم المهني، بينما تؤكد هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية ضرورة مراجعة التشريعات التي تستخدم في تقييد حرية التعبير، وضمان استقلال القضاء عند النظر في القضايا المتعلقة بالإعلام.
أزمة ممتدة منذ عام 2016
تربط تقارير المنظمات الدولية الوضع الراهن بالإجراءات التي أعقبت محاولة الانقلاب في يوليو 2016، عندما أغلقت السلطات عشرات المؤسسات الإعلامية، واعتقلت عدداً كبيراً من الصحفيين، وأعادت هيكلة القطاع الإعلامي عبر سلسلة من التشريعات والإجراءات التنظيمية.
وتشير هذه التقارير إلى أن البيئة الإعلامية شهدت منذ ذلك الوقت تغيرات عميقة أثرت في استقلال المؤسسات الصحفية، وفي قدرة وسائل الإعلام المستقلة على الاستمرار.
صورة تعكسها المؤشرات الدولية
توضح منظمة “مراسلون بلا حدود” أن تركيا جاءت في المرتبة 163 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2026، بينما تشير لجنة حماية الصحفيين إلى استمرار وجود صحفيين خلف القضبان أو قيد المحاكمة خلال السنوات الأخيرة.
كما تؤكد منصة مجلس أوروبا أن تركيا لا تزال من أكثر الدول الأوروبية تسجيلاً للتنبيهات المتعلقة بحرية الصحافة وسلامة الصحفيين، وهو ما يعكس استمرار المخاوف الدولية بشأن البيئة الإعلامية في البلاد.
تكشف البيانات الصادرة عن جمعية صحفيات ميزوبوتاميا، ولجنة حماية الصحفيين، ومنظمة مراسلون بلا حدود، وهيومن رايتس ووتش، ومنظمة العفو الدولية، ومجلس أوروبا، والأمم المتحدة، أن الصحفيين في تركيا يواجهون مجموعة متشابكة من التحديات تشمل الاعتقالات، والملاحقات القضائية، والقيود الرقمية، ومنع التغطية الميدانية، وحجب المنصات الإعلامية.
وفي المقابل، تؤكد الحكومة التركية أن إجراءاتها تستند إلى قوانين مكافحة الإرهاب وحماية الأمن القومي ومواجهة المعلومات المضللة. وبين هذين الموقفين، تواصل المنظمات الدولية الدعوة إلى تعزيز الضمانات القانونية لحرية الصحافة، وضمان استقلال القضاء، وتهيئة بيئة آمنة تتيح للصحفيين ممارسة عملهم دون ترهيب أو قيود غير مبررة، بما ينسجم مع التزامات تركيا الدولية في مجال حقوق الإنسان.

