شهدت مدن فرنسية عدة تظاهرات حاشدة شارك فيها عشرات الآلاف احتجاجاً على العنف الجنسي، في تحرك شعبي واسع عكس حجم الغضب الذي أثارته جريمة اغتصاب وقتل الطفلة ليانا البالغة من العمر 11 عاماً.
واتسعت رقعة الاحتجاجات لتشمل عشرات المدن، في حين رفع المشاركون مطالب واضحة بإجراء إصلاحات شاملة لمنظومة العدالة وتعزيز آليات حماية الأطفال والنساء، مؤكدين أن القضية تجاوزت حدود جريمة فردية لتتحول إلى أزمة ثقة في قدرة المؤسسات على حماية الضحايا ومحاسبة المعتدين.
ونقلت وكالة فرانس برس أن التظاهرات التي تم تنظيمها يوم السبت، جاءت بعد أسابيع من العثور على جثة الطفلة ليانا التي اختفت في التاسع والعشرين من مايو الماضي في بلدة فلورانس جنوب غربي فرنسا، وسط تصاعد الانتقادات لأداء الأجهزة القضائية بعد الكشف عن أن المشتبه به الرئيسي سبق أن واجه اتهامات رسمية في قضيتين تتعلقان باغتصاب طفل، لكن التحقيقات في تلك القضايا توقفت أو أغلقت من دون الوصول إلى محاكمة أو إدانة.
إنهاء التقصير المؤسسي
وتحولت شوارع العاصمة باريس إلى ساحة احتجاج كبيرة، حيث سار آلاف المتظاهرين وهم يرددون شعارات تؤكد ضرورة الاستماع إلى شهادات الضحايا من الأطفال والتعامل بجدية مع بلاغات الاعتداءات الجنسية، كما طالبوا بإنهاء ما وصفوه بالتقصير المؤسسي في التعامل مع هذا النوع من الجرائم، وأكد منظمو الاحتجاج أن نحو مئة ألف شخص شاركوا في المسيرة التي شهدتها العاصمة، في واحدة من كبريات التحركات الشعبية المرتبطة بقضايا العنف الجنسي خلال السنوات الأخيرة في فرنسا.
وامتدت الاحتجاجات إلى نحو 110 مدن فرنسية، منها ديجون في شرق البلاد وتولوز في الجنوب، في مشهد عكس اتساع دائرة التضامن مع الضحايا وتصاعد الضغوط الشعبية على الحكومة، وشارك في تنظيم هذه التحركات ائتلاف يضم 180 جمعية ومنظمة حقوقية، طالبت جميعها بإقرار قانون شامل لمكافحة العنف الجنسي، بدلاً من الاعتماد على إجراءات متفرقة لا تحقق، بحسب رأيها، حماية فعالة للضحايا ولا توفر آليات كافية للوقاية أو المحاسبة.
وأعطت شهادات المشاركين في التظاهرات بعداً إنسانياً مؤثراً للاحتجاجات، وقالت الطالبة إلين البالغة من العمر 17 عاماً إنها تقدمت خلال العام الجاري ببلاغ عن تعرضها للاغتصاب، لكنها فوجئت بطريقة التعامل مع شكواها، وأوضحت أن أحد ضباط الشرطة أخبرها بأن ما تعرضت له لا يرقى إلى وصف الاغتصاب، وحذرها من أن استمرارها في البلاغ قد يدمر حياة المتهم، الأمر الذي جعلها تشعر بالذنب وأثار لديها الشكوك بشأن روايتها، وهو ما اعتبره المحتجون مثالاً على العقبات التي تواجه الضحايا عند اللجوء إلى الجهات المختصة.
من جانبها، أكدت رئيسة مؤسسة فوندايسون دي فام آن سيسيل ميلفر أن الأزمة تتجاوز قضية واحدة، مشيرة إلى أن نقص التمويل والإمكانات داخل المنظومة القضائية ينعكس بصورة مباشرة على قدرة السلطات في حماية الضحايا وملاحقة المعتدين.
وأضافت أن المجتمع لا يمكنه القبول باستمرار أوضاع تجعل الضحايا يشعرون بأن العدالة لا تنصفهم، في حين يفلت كثير من مرتكبي الجرائم الجنسية من العقاب.
أرقام تعكس حجم الأزمة
واستندت الجمعيات المنظمة للاحتجاجات إلى أرقام تعكس حجم الأزمة، إذ أشارت إلى أن 94 في المئة من بلاغات الاغتصاب تنتهي من دون اتخاذ إجراءات قضائية، وهو ما يعني أن عدداً كبيراً من المتهمين لا يواجهون محاسبة فعلية رغم وصول قضاياهم إلى السلطات المختصة، وترى هذه المنظمات أن هذه النسبة المرتفعة تفسر تراجع ثقة كثير من الضحايا في جدوى الإبلاغ عن الجرائم الجنسية.
اعتذار رسمي
وأثارت قضية ليانا تداعيات سياسية واسعة في فرنسا، بعدما تصاعدت الدعوات المطالبة باستقالة وزير العدل جيرالد دارمانين، على خلفية ما اعتبره المحتجون فشلاً في أداء المنظومة القضائية، ورفض الوزير تقديم استقالته، لكنه أقر بوجود ما وصفه بفشل ذريع في التعامل مع القضية، وقدم اعتذاراً عن أوجه القصور التي كشفتها التحقيقات، في محاولة لاحتواء الغضب الشعبي المتزايد.
كما دخل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على خط الأزمة، معبراً عن قلقه من أن تؤدي الإخفاقات التي صاحبت التحقيقات السابقة مع المشتبه به إلى تراجع ثقة المواطنين في المؤسسات الفرنسية، وأكد أن الدولة مطالبة باستخلاص الدروس من هذه القضية والعمل على سد الثغرات التي سمحت باستمرار المخاطر رغم وجود مؤشرات وتحقيقات سابقة بحق المتهم.
ولم تقتصر التحركات على التظاهرات الكبرى، إذ يواصل ائتلاف الجمعيات تنظيم وقفات احتجاجية أسبوعية أمام المحاكم الإقليمية في منطقة جيرس، حيث عثر على جثة ليانا، إضافة إلى تنظيم احتجاجات أمام مقر وزارة العدل في باريس، في محاولة للحفاظ على زخم القضية ودفع السلطات إلى تبني إصلاحات ملموسة بدلاً من الاكتفاء بالتصريحات.
تعكس قضية ليانا تحديات مزمنة تواجه منظومة العدالة الفرنسية في التعامل مع جرائم الاعتداءات الجنسية ضد الأطفال، وأشار تقرير حكومي صدر عام 2022 إلى أن نقص أعداد المحققين والموظفين، إلى جانب ضيق الوقت المخصص للتحقيق في هذا النوع من القضايا، يؤثران بصورة مباشرة في جودة الإجراءات القضائية.
وأوضح التقرير أن المحققين لم يجروا في نحو 70 في المئة من القضايا أي عمليات بحث إضافية عن الأدلة الرقمية أو المادية، مثل فحص الهواتف المحمولة أو الكاميرات أو أجهزة الكمبيوتر، بعد استجواب المشتبه بهم، وهو ما أثار انتقادات واسعة من خبراء العدالة وجمعيات حماية الأطفال الذين يرون أن تعزيز الموارد البشرية والتقنية وإقرار تشريعات أكثر شمولاً يمثلان خطوة أساسية لاستعادة ثقة المجتمع في قدرة المؤسسات على حماية الضحايا وتحقيق العدالة.
