منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

هكذا يمكن للون بشرتك أن يحدد جودة الرعاية الصحية التي تتلقاها

03 يوليو 2026
امرأة سوداء تتعافى على سرير المستشفى
امرأة سوداء تتعافى على سرير المستشفى

البروفيسورة ديفي سريدهار*

أدرك دائماً أن شخصاً ما على وشك أن يقول شيئاً عنصرياً عندما يبدأ حديثه بعبارة: “أنا لست عنصرياً، ولكن…”، فلا أحد يحب أن يعتقد أنه قد يميز ضد شخص بسبب لون بشرته، بل إن البعض أصبح يشعر بقدر متزايد من الانزعاج من مجرد الاعتراف بأن هذا النوع من التمييز لا يزال قائماً في عالمنا.

وفي الوقت نفسه، نشهد اليوم رد فعل سياسياً متزايداً ضد مبادرات التنوع والمساواة والشمول، سواء من جانب كيمي بادينوك التي تدعو إلى التخلص مما تصفه بـ”بيروقراطية التنوع والمساواة والشمول”، أو من نايجل فاراج الذي يتعهد بإلغاء الوظائف المحلية المرتبطة بما يسميه “ثقافة اليقظة”، ومنها المناصب المعنية بتعزيز التنوع والإنصاف والإدماج.

وبغض النظر عن المواقف السياسية، فإن أحداً لا يرغب في أن تتحول النقاشات إلى سجالات عاطفية بعيدة عن الأدلة والحقائق، ولهذا من المفيد دائماً العودة إلى ما تقوله البيانات بشأن تأثير العِرق في حياة الناس.

فالتقارير الجديدة التي نشرتها صحيفة الغارديان حول التفاوتات العرقية في الحصول على مسكنات الألم تكشف مرة أخرى حقيقة يصعب تجاهلها: عندما يتعلق الأمر بالرعاية الصحية فإن الأدلة العلمية متراكمة وواضحة، إذ يرتبط العرق والأصل الإثني ارتباطاً مباشراً بجودة الرعاية التي يحصل عليها المرضى، وبالتالي بالنتائج الصحية التي يحققونها. وسواء كان هناك سلوك عنصري مقصود أم لا، فإن الحقيقة المؤلمة هي أن بعض الأشخاص يتلقون رعاية صحية أقل جودة بسبب خلفياتهم العرقية أو الإثنية.

لننظر إلى رعاية الأمومة على سبيل المثال؛ فالنساء من أصول إفريقية وآسيوية تقل احتمالات حصولهن على التخدير فوق الجافية أثناء الولادة مقارنة بالنساء البيض. والمشكلة ليست أنهن لا يطلبنه، بل إنهن يطلبنه بالفعل، لكن طلباتهن غالباً ما يتم تجاهلها.

وتشير أبحاث حديثة إلى أن النساء السود يتعرضن لصور نمطية تعتبر أن لديهن “جلداً سميكاً” وقدرة أعلى على تحمل الألم، بينما تُصوَّر النساء الآسيويات على أنهن “مدللات” أو كثيرات المطالب، ويتم الحكم عليهن بأنهن لا يتحملن حتى القدر البسيط من الألم.

ويطلق الخبراء على هذه الظاهرة اسم “فجوة الألم المرتبطة بالإثنية”، وقد أظهرت الدراسات أن لون البشرة لا يؤثر فقط في رعاية الولادة، بل يمتد تأثيره إلى مختلف مجالات الرعاية الصحية.

فعلى سبيل المثال، أظهرت أبحاث علاج السرطان أن المرضى من أصول إفريقية أو جنوب آسيوية أو من خلفيات عرقية مختلطة يحصلون على جرعات أقل، أو أضعف، من الأدوية المسكنة مقارنة بالمرضى البيض، حتى بعد استبعاد تأثير العمر ونوع السرطان والحالة الصحية والوضع الاقتصادي والاجتماعي وغيرها من العوامل التي يمكن أن تؤثر في القرار الطبي.

وهناك عشرات الدراسات التي توثّق هذه الفجوات، ويمكنني الاستمرار في سردها، لكن ربما يكون الأهم الآن أن نتفق أولاً على حقيقة أساسية: هناك علاقة مثبتة بين لون بشرة المريض، ومسار رحلته العلاجية، والنتائج الصحية التي يحققها.

غير أن الاتفاق على وجود المشكلة ليس سوى البداية. والسؤال الحقيقي هو: ماذا يمكننا أن نفعل لمعالجتها؟

لا أعتقد أن توجيه الاتهامات بالعنصرية إلى الأفراد يمثل الطريق الأمثل لحل هذه التفاوتات، لأن ذلك غالباً ما يدفع الناس إلى الدفاع عن أنفسهم بدلاً من الانخراط في التغيير. ولهذا أرى أن علينا التركيز على التدخلات التي أثبتت فاعليتها بالفعل.

أولاً، في قطاع الرعاية الصحية، ما يتم قياسه هو ما يحظى بالاهتمام ويتحسن؛ فالمؤسسات الصحية تراقب باستمرار أوقات الانتظار، ومعدلات العدوى، ونسب الوفيات، وغيرها من المؤشرات. ولذلك يجب أن تصبح بيانات الفجوات العرقية والإثنية جزءاً من عمليات القياس الدورية، وأن تُنشر بشفافية داخل المؤسسات الصحية، مع وجود مساءلة واضحة عن النتائج التي تكشفها هذه البيانات.

ثانياً، يمكن أن يسهم رفع وعي العاملين في القطاع الصحي بالتحيزات اللاواعية في الحد من هذه الفجوات؛ فلكل منا قناعات وصور ذهنية قد تؤثر في طريقة تعامله مع الآخرين دون أن يدرك ذلك.. ولهذا بدأت بعض المؤسسات الصحية بالفعل تدريب الكوادر الطبية على تصحيح المعتقدات الخاطئة، مثل الاعتقاد بأن المرضى السود أكثر قدرة على تحمل الألم، أو أن المرضى الآسيويين أقل قدرة عليه.

ثالثاً، ينبغي، كلما أمكن، أن تستند الرعاية الصحية إلى مسارات علاجية موحدة ومعايير سريرية واضحة تقلل مساحة التحيز الفردي في اتخاذ القرار الطبي، فوجود بروتوكولات وقوائم تحقق ومعايير موضوعية -مثل تحديد الحالات التي يحق فيها للمرأة الحصول على التخدير فوق الجافية أثناء الولادة- يقلل من تأثير الانحيازات الواعية وغير الواعية عند لحظات اتخاذ القرار. ولا يعني ذلك إلغاء التقدير الطبي الفردي، لكنه يضمن أن يخضع الجميع للإجراءات نفسها، وهو ما يجعل الرعاية الصحية أكثر عدالة.

وأخيراً، فإن القيادة المؤسسية تلعب دوراً حاسماً؛ فإذا لم تعتبر القيادات الصحية فجوة الألم المرتبطة بالإثنية قضية ذات أولوية، فإنها سرعان ما تختفي من جدول الأعمال.. فالأمر يتعلق بتغيير ثقافة المؤسسة بأكملها، بحيث يصبح واضحاً للجميع أن هذه القضية مهمة وأن هناك التزاماً حقيقياً بتحسينها.

وأكرر مرة أخرى أن الحديث هنا لا يدور حول اتهام الأطباء أو الممرضين أو العاملين الصحيين بالعنصرية، فالغالبية العظمى منهم يسعون بصدق إلى تقديم أفضل رعاية ممكنة. لكن الواقع يشير إلى أن المرضى لا يُعاملون بالطريقة نفسها، وأن البيانات تكشف نمطاً واضحاً من الاختلافات المرتبطة بالعرق والأصل الإثني. والاعتراف بهذه الحقائق هو الخطوة الأولى نحو إيجاد حلول جماعية.

وبوصفي أمريكية، كثيراً ما أتذكر كلمات مارتن لوثر كينغ الابن عندما حلم بيوم “لا يُحكم فيه على الإنسان بلون بشرته، بل بمضمون شخصيته”، وأعتقد أن الطب يجب أن يجسد هذا الحلم أيضاً، بحيث يحصل جميع المرضى على المستوى نفسه من الرعاية الصحية عالية الجودة، بصرف النظر عن لون بشرتهم.

وهذا ليس نوعاً من “الصواب السياسي”، ولا استجابة لثقافة “اليقظة” كما يدعي البعض، بل هو ببساطة ممارسة طبية سليمة، ورعاية صحية جيدة.

وأود أن أختم بملاحظة شخصية، فأنا امرأة ذات بشرة سمراء، نشأت في مدينة ميامي لوالدين مهاجرين من الهند، وكان كثيرون يظنون أنني من أصول لاتينية، ثم انتقلت لاحقاً إلى بريطانيا وأعيش اليوم في اسكتلندا.

ومن وجهة نظري، فإن لون بشرتي هو أكثر الأشياء سطحية في شخصيتي، كما هي الحال بالنسبة للآخرين، فقد تكون بشرتنا بيضاء أو سوداء أو بنية أو أي درجة بين هذه الألوان، لأن أسلافنا، على مدى آلاف السنين، طوروا مستويات مختلفة من الميلانين تبعاً لكمية أشعة الشمس التي تعرضوا لها، في توازن طبيعي بين الحماية من الأشعة فوق البنفسجية والحاجة إلى إنتاج فيتامين (د).

وباختصار، فإن الاختلافات البيولوجية بين المجموعات العرقية ضئيلة للغاية مقارنة بالقواسم الوراثية الهائلة التي نتشاركها جميعاً كبشر.

*نقلاً عن الغارديان

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print