منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

إسبانيا وتقنين أوضاع المهاجرين.. مقاربة حقوقية في مواجهة التشدد الأوروبي

03 يوليو 2026
إسبانيا تعمل على تقنين أوضاع المهاجرين
إسبانيا تعمل على تقنين أوضاع المهاجرين

أطلقت حكومة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز برنامجًا واسعًا لتقنين أوضاع المهاجرين في أبريل، في خطوة تستهدف منح مئات الآلاف من المقيمين دون وضع قانوني واضح فرصةً للحصول على تصاريح إقامة وعمل داخل إسبانيا.

وكانت التقديرات الأولية تشير إلى استفادة نحو 500 ألف شخص من البرنامج، إلا أن عدد الطلبات تجاوز مليون طلب، ما اعتبرته الحكومة دليلا على اتساع الحاجة إلى الاعتراف القانوني بفئات تعيش وتعمل داخل البلاد بالفعل، بحسب ما ذكرت وكالة الأنباء الألمانية.

من منظور حقوقي، يكتسب البرنامج أهمية خاصة لأنه ينقل المهاجرين من الهشاشة القانونية إلى وضع أكثر قدرة على حماية حقوقهم الأساسية، وفي مقدمتها الحق في العمل، والحماية من الاستغلال، والوصول إلى الخدمات، والعيش بكرامة.

وتؤكد المعايير الدولية أن المهاجرين، بغض النظر عن وضعهم الإداري، يتمتعون بحقوق إنسانية أساسية، بينما يتيح تقنين الوضع القانوني توسيع نطاق الحماية العملية، خصوصا في سوق العمل والسكن والخدمات الاجتماعية.

شروط الحصول على التصريح

لا يعني تقديم الطلبات منح الوضع القانوني تلقائيا لجميع المتقدمين، وبحسب شروط البرنامج، يجب على المتقدمين إثبات خلو سجلاتهم الجنائية، والإقامة في إسبانيا لمدة 5 أشهر متتالية على الأقل قبل الأول من يناير، على أن تملك السلطات مهلة 3 أشهر لدراسة الطلبات واتخاذ قرار بشأن منح تصاريح الإقامة والعمل.

وتكون التصاريح صالحة داخل إسبانيا فقط، بما يجعل البرنامج إجراء وطنيا لتسوية أوضاع المقيمين على أراضيها، وليس تصريحا عاما للتنقل داخل الاتحاد الأوروبي.

دافع سانشيز عن البرنامج باعتباره ضرورة إنسانية واقتصادية في آن واحد، مؤكدا أن إسبانيا تحتاج إلى المهاجرين لدعم اقتصادها وبرامج الرعاية الاجتماعية والمعاشات، في ظل شيخوخة السكان وتراجع عدد السكان في المناطق الريفية.

وتقول الحكومة إن الهجرة تساعد قطاعات تعاني نقصا في العمالة، وعلى رأسها البناء والخدمات، فيما رحّب قادة أعمال بالخطوة باعتبارها وسيلة لإدماج قوة عاملة موجودة بالفعل داخل الاقتصاد.

حقوقيا، يطرح هذا التوجه معادلة مهمة: فالمهاجرون لا يجب النظر إليهم فقط كقوة عمل يحتاجها الاقتصاد، بل كأشخاص لهم حقوق، ويجب أن يقترن إدماجهم الاقتصادي بضمانات قانونية واجتماعية واضحة.

مخاوف من الاستغلال والتمييز

يسهم غياب الوضع القانوني في جعل المهاجرين أكثر عرضة للعمل غير الرسمي، وتدني الأجور، والاستغلال، والخوف من الإبلاغ عن الانتهاكات.

ومن هنا، يمكن لبرامج التقنين أن تقلل من هذه الهشاشة، عبر تمكين المهاجرين من الوصول إلى عقود عمل قانونية، والتسجيل في أنظمة الحماية الاجتماعية، والمطالبة بحقوقهم دون خوف دائم من الترحيل أو العقاب الإداري.

وتنسجم هذه المقاربة مع المبادئ الواردة في الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم، التي تؤكد احترام الحقوق الأساسية للمهاجرين وحظر التمييز ضدهم.

إسبانيا في اتجاه مختلف

تأتي الخطوة الإسبانية في وقت تتجه فيه دول أوروبية عديدة إلى تشديد سياسات الهجرة واللجوء، خصوصا مع دخول قواعد أوروبية جديدة حيز التطبيق في يونيو، تشمل مزيدا من الفحص الحدودي وتسريع بعض إجراءات العودة.

وفي هذا السياق، تبدو إسبانيا كحالة مختلفة داخل أوروبا، إذ تطرح التقنين باعتباره أداة لتنظيم الهجرة وإخراج المقيمين من الظل، بدلا من الاكتفاء بسياسات الردع والإقصاء.

وفي المقابل، تعارض قوى محافظة ويمينية متطرفة البرنامج، بحجة أنه قد يشجع على مزيد من الهجرة غير النظامية ويزيد الضغط على الخدمات العامة، لكن المدافعين عن التقنين يرون أن تجاهل وجود مئات الآلاف من المهاجرين لا يلغي الواقع، بل يتركهم في دائرة الهشاشة، بينما يتيح الاعتراف القانوني تنظيم أوضاعهم، وإدماجهم، ومحاسبتهم ضمن إطار واضح من الحقوق والواجبات.

ويمثل برنامج تقنين أوضاع المهاجرين في إسبانيا اختبارا مهما لسياسات الهجرة القائمة على حقوق الإنسان، فالنجاح لا يقاس بعدد التصاريح الممنوحة فقط، بل بمدى قدرة الدولة على تحويل التقنين إلى حماية فعلية من الاستغلال والتمييز، وضمان الوصول إلى العمل اللائق والخدمات الأساسية، وبناء مسار إدماج يحفظ كرامة المهاجرين ويخدم المجتمع المضيف في الوقت نفسه.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print