منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

قبل قمة الناتو.. الغرب يخفض انتقاداته لسجل الحريات في تركيا ويعزز التعاون الأمني

01 يوليو 2026
اجتماع حلف الناتو
اجتماع حلف الناتو

تستعد تركيا لاستضافة قادة الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) وسط تحوّل لافت في طبيعة العلاقة بين أنقرة والعواصم الغربية، بعدما تراجعت الانتقادات العلنية لسجل حقوق الإنسان والحريات في البلاد لصالح تعاون أمني ودفاعي أوسع فرضته التحولات الجيوسياسية التي شهدتها أوروبا خلال السنوات الأخيرة.

ويعكس هذا التحول تغيراً في أولويات الدول الغربية التي باتت تنظر إلى تركيا باعتبارها شريكاً استراتيجياً لا غنى عنه في مواجهة التحديات الأمنية، رغم استمرار الانتقادات الحقوقية الموجهة إلى الحكومة التركية.

برز هذا التحول بوضوح بعد الأزمة الدبلوماسية التي اندلعت عام 2021 عندما دعا عشرة سفراء غربيين، بينهم سفراء الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وكندا، إلى الإفراج عن رجل الأعمال والناشط عثمان كافالا، الذي وصفوه بأنه سجين سياسي. ورد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان آنذاك بإصدار تعليمات لطرد السفراء، قبل أن تنحسر الأزمة بعد بيانات تصالحية صدرت عن البعثات الدبلوماسية، لتدخل العلاقات بين الجانبين مرحلة أكثر حذراً في تناول ملفات الديمقراطية وحقوق الإنسان، وفق وكالة رويترز.

تحول في الأولويات

شهدت السياسة الغربية تجاه تركيا تحولاً واضحاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، إذ دفعت التحديات الأمنية المتزايدة دول حلف شمال الأطلسي إلى إعطاء الأولوية لتعزيز التعاون العسكري والدفاعي مع أنقرة.

وأصبحت تركيا، بما تمتلكه من موقع جغرافي استراتيجي وقدرات عسكرية وصناعات دفاعية متقدمة، أحد أهم ركائز الجناح الجنوبي الشرقي للحلف، وهو ما انعكس على طبيعة الخطاب الغربي تجاه القضايا الداخلية التركية.

وتتجه الأنظار إلى قمة حلف شمال الأطلسي التي تستضيفها أنقرة يومي السابع والثامن من يوليو، حيث تشير معلومات نقلتها وكالة رويترز عن دبلوماسيين غربيين وأتراك شاركوا في التحضيرات إلى أن القادة المشاركين لن يركزوا على الانتقادات المتعلقة بحملة الملاحقات القضائية التي تستهدف حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، رغم سجن رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، الذي يعد أبرز منافسي الرئيس أردوغان.

انتقادات حقوقية مستمرة

يرى عدد من المسؤولين والدبلوماسيين السابقين أن تراجع الانتقادات الغربية يمنح الحكومة التركية مساحة أوسع لمواصلة سياساتها الداخلية دون ضغوط خارجية مؤثرة.

وقال السفير الأمريكي السابق لدى أنقرة ديفيد ساترفيلد، في تصريحات نقلتها رويترز، إن الغرب يجب أن يواصل الحديث علناً عن تراجع المؤسسات الديمقراطية في تركيا، لأن هذا المسار لم يصبح أمراً لا يمكن تغييره، ولأن المجتمع التركي يحتاج إلى سماع مواقف واضحة من شركائه الدوليين بشأن أوضاع الديمقراطية وسيادة القانون.

وأضاف ساترفيلد أن الدفاع عن حقوق الإنسان لم يضر في السابق بالمصالح الاستراتيجية المشتركة بين الولايات المتحدة وتركيا، معتبراً أن تجنب إثارة هذه الملفات خلال السنوات الأخيرة لم يؤد إلى تحسين العلاقات الثنائية بالشكل الذي كان متوقعاً.

قضية كافالا في صلب الخلاف

لا تزال قضية رجل الأعمال والناشط عثمان كافالا تمثل إحدى أبرز نقاط الخلاف بين أنقرة والعديد من العواصم الغربية.

ويقبع كافالا في السجن منذ ما يقرب من تسع سنوات بعد إدانته بمحاولة الإطاحة بالحكومة، بينما ينفي جميع الاتهامات الموجهة إليه.

وطالبت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بالإفراج عنه، معتبرة أن السلطات التركية لم تقدم أدلة كافية لتبرير استمرار احتجازه، وأن القضية تستهدف إسكات أحد أبرز الأصوات المدنية في البلاد.

في المقابل، يرفض حزب العدالة والتنمية الحاكم هذه الانتقادات، ويؤكد أن القضاء التركي يعمل بصورة مستقلة، وأن المحاكم تصدر أحكامها استناداً إلى الأدلة والقوانين النافذة بعيداً عن أي اعتبارات سياسية.

تضييق قبل انعقاد القمة

شهدت الأيام التي سبقت انعقاد قمة الحلف إجراءات أثارت انتقادات منظمات حقوق الإنسان، بعدما منعت السلطات التركية عدداً من الصحفيين العاملين في وسائل إعلام مستقلة من الحصول على تصاريح تغطية القمة، كما أوقفت أكثر من مئتي شخص في إطار إجراءات أمنية قالت الحكومة إنها تهدف إلى حماية الفعاليات الدولية.

وأشارت رويترز إلى أن مكتب الرئيس التركي لم يعلق على قرارات رفض منح الاعتماد الصحفي، بينما أوضح حلف شمال الأطلسي أن الدولة المضيفة تتولى تنظيم إجراءات اعتماد الصحفيين المشاركين في تغطية القمة.

المعارضة تحت الضغط

تواصل السلطات التركية ملاحقة عدد من قيادات وأعضاء حزب الشعب الجمهوري، وهو ما تعتبره المعارضة حملة تستهدف إضعاف أكبر منافس سياسي للرئيس أردوغان.

ويتهم الحزب الحكومة باستخدام الأدوات القضائية لتحقيق أهداف سياسية، بينما تنفي السلطات هذه الاتهامات وتؤكد احترامها الكامل لاستقلال القضاء.

وتشير تقارير حقوقية إلى أن المئات من المسؤولين المنتخبين وأعضاء الحزب تعرضوا للتوقيف أو الملاحقة خلال العامين الماضيين، في تطورات زادت من حدة المخاوف المتعلقة بمستقبل التعددية السياسية في البلاد.

المصالح تتقدم على القيم

التحولات الأمنية التي شهدتها أوروبا بعد الحرب في أوكرانيا دفعت العديد من الحكومات الغربية إلى إعادة ترتيب أولوياتها، بحيث أصبحت المصالح الدفاعية والتعاون العسكري أكثر حضوراً من ملفات الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وقال كارول واسيليفسكي، رئيس قسم شؤون تركيا والقوقاز وآسيا الوسطى في مركز الدراسات الشرقية في وارسو، في تصريحات نقلتها رويترز، إن الحلفاء الغربيين أصبحوا يتعاملون مع تركيا انطلاقاً من اعتبارات المصلحة الاستراتيجية، بعدما أدركوا أن أنقرة تؤدي دوراً لا يمكن الاستغناء عنه في منظومة الدفاع الأوروبية، وهو ما جعل الانتقادات الغربية أقل حدة وأقل تأثيراً من السابق.

وتعزز هذه الرؤية مكانة تركيا داخل الحلف، خاصة أنها تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي، كما أصبحت خلال السنوات الأخيرة واحدة من أبرز الدول المصدرة للطائرات المسيرة العسكرية، إلى جانب استمرار دورها المحوري في أمن البحر الأسود وشرق المتوسط والحدود الجنوبية الشرقية للحلف.

شهدت العلاقات بين تركيا والدول الغربية خلال العقد الأخير تذبذباً واضحاً بين التعاون الاستراتيجي والخلافات السياسية.

وبرزت ملفات حقوق الإنسان واستقلال القضاء وحرية الإعلام ضمن أبرز نقاط الخلاف، خاصة بعد محاولة الانقلاب في عام 2016 وما تبعها من حملات توقيف واسعة.

ومع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في عام 2022، أعادت دول حلف شمال الأطلسي ترتيب أولوياتها الأمنية، فازدادت أهمية تركيا بسبب موقعها الجغرافي وسيطرتها على المضائق البحرية وقدراتها العسكرية المتنامية.

وأسهم هذا التحول في تقليص الانتقادات الغربية العلنية لسجل الحريات، مقابل توسيع مجالات التعاون الدفاعي والأمني، في وقت تؤكد فيه منظمات حقوق الإنسان أن استمرار هذا النهج قد يضعف الضغوط الدولية الرامية إلى تعزيز الديمقراطية وسيادة القانون في تركيا.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print