لم تعد أزمات الديون السيادية تقاس بحجم العجز المالي أو قدرة الدول على سداد التزاماتها الخارجية فحسب، بل بمدى تأثيرها في حياة الناس وحقوقهم الأساسية. فعندما تستنزف خدمة الدين الموارد العامة، تصبح الحكومات أقل قدرة على تمويل الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والبنية التحتية، ليتحول الملف المالي إلى قضية تمس الحق في التنمية والعيش الكريم.
ويعد الحق في التنمية أحد الحقوق الأساسية التي أقرها “إعلان الأمم المتحدة بشأن الحق في التنمية لعام 1986″، والذي يؤكد حق جميع الشعوب في المشاركة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والإسهام فيها والاستفادة من ثمارها، ومن هذا المنطلق، لم تعد السياسات الاقتصادية منفصلة عن منظومة حقوق الإنسان، بل أصبحت أحد معايير الوفاء بالالتزامات الحقوقية للدول.
وفي هذا السياق، تقدم تجربتا سريلانكا وغانا نموذجين مختلفين لأزمة واحدة، إذ واجه البلدان ضغوطاً مالية غير مسبوقة، لكن اختلاف أساليب إدارة الأزمة وتوقيت التدخل أفرز نتائج متباينة على مسار التنمية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
لماذا سريلانكا وغانا؟
تمثل سريلانكا وغانا حالتين بارزتين في الدول النامية التي واجهت أزمات ديون حادة خلال السنوات الأخيرة، واضطرتا إلى إعادة هيكلة التزاماتهما المالية والاستعانة ببرامج دعم دولية.
وتكشف المقارنة بين التجربتين كيف يمكن لإدارة الدين العام أن تؤثر بصورة مباشرة في قدرة الدولة على حماية الحقوق الأساسية، والحفاظ على الخدمات العامة، والاستمرار في تنفيذ برامج التنمية.
وبلغت الأزمة السريلانكية ذروتها عام 2022 عندما أعلنت الحكومة تعليق سداد ديونها الخارجية للمرة الأولى في تاريخ البلاد، بعد تراجع حاد في احتياطيات النقد الأجنبي وارتفاع كلفة الواردات والطاقة.
ووفق بيانات البنك الدولي، انكمش الاقتصاد بنسبة 7.8% خلال عام 2022، في حين ارتفع معدل الفقر من 13.1% عام 2021 إلى 25% في العام التالي. كما تراجعت الاحتياطيات الأجنبية من 7.6 مليار دولار عام 2019 إلى أقل من 400 مليون دولار في أبريل 2022.
وأدى ذلك إلى نقص الوقود والأدوية والمواد الغذائية وتعطل قطاعات إنتاجية رئيسية، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على مستوى معيشة السكان وقدرة الدولة على توفير الخدمات الأساسية.
غانا.. إصلاحات لتخفيف الأزمة
في المقابل، واجهت غانا أزمة ديون متفاقمة مع ارتفاع الدين العام إلى نحو 92.4% من الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2022، بالتزامن مع ارتفاع التضخم وتراجع قيمة العملة الوطنية وفقدان القدرة على الوصول إلى أسواق التمويل الدولية.
واستجابة لذلك، أطلقت الحكومة برنامج إصلاح اقتصادي مدعوماً من صندوق النقد الدولي بقيمة ثلاثة مليارات دولار أُقر عام 2023، ركز على إعادة هيكلة الديون، وتحسين إدارة المالية العامة، والحفاظ على برامج الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر تأثراً.
وبحسب البنك الدولي، أسهمت هذه الإجراءات في استعادة جزء من ثقة المستثمرين، وتحقيق نمو اقتصادي بلغ 5.8% خلال عام 2024.
التنمية أولى ضحايا الديون
تكشف التجربتان أن آثار الديون لا تتوقف عند المؤشرات الاقتصادية، بل تمتد إلى الاستثمار، وفرص العمل، ومستوى الخدمات العامة.
ففي سريلانكا أدى نقص العملات الأجنبية إلى تعثر الاستثمارات وتوقف عدد من المشاريع الإنتاجية، في حين ساعدت الإصلاحات في غانا على الحد من اتساع الأزمة واستعادة قدر من الاستقرار الاقتصادي، رغم ما رافقها من أعباء اجتماعية.
وتؤكد هذه النتائج أن إدارة الدين العام لا ترتبط بالاستقرار المالي وحده، بل تؤثر بصورة مباشرة في قدرة الدول على إعمال الحق في التنمية، وضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لمواطنيها.
أزمة تبدأ قبل إعلان التعثر
يرى المحلل الاقتصادي مازن أرشيد أن أزمة الديون لا تبدأ عند إعلان الدولة عجزها عن السداد، وإنما عندما تستنزف خدمة الدين الموارد التي كان يفترض توجيهها إلى الاستثمار والخدمات الأساسية.
ويؤكد أرشيد، في حديثه لـ”صفر”، أن الخطر الحقيقي يظهر عندما تتحول الموازنات العامة إلى أداة لسداد الالتزامات المالية على حساب الإنفاق التنموي، وهو ما ينعكس تدريجياً على النمو الاقتصادي ومستويات المعيشة.
ويشير إلى أن سريلانكا دفعت ثمناً مرتفعاً نتيجة تأخر المعالجة، بعدما استنزفت الديون احتياطيات النقد الأجنبي، وأدت إلى نقص الوقود والمواد الخام، وتراجع النشاط الصناعي والسياحي، في حين أسهم حظر استيراد الأسمدة في تراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع أسعار الغذاء.
ويضيف أن الحكومة اضطرت لاحقاً إلى إعادة هيكلة ديونها ورفع الضرائب وتقليص الدعم، وهي إجراءات ساعدت في استعادة جزء من الاستقرار المالي، لكنها جاءت بعد تحمل المجتمع كلفة اقتصادية واجتماعية كبيرة.
وفي المقابل، يرى أرشيد أن غانا اختارت التدخل في مرحلة مبكرة نسبياً عبر إعادة هيكلة الديون وإطلاق إصلاحات مالية هدفت إلى خفض العجز وتعزيز الإيرادات العامة، ما منحها فرصة للحد من تفاقم الأزمة قبل الوصول إلى مرحلة الانهيار الكامل، رغم ما ترتب على ذلك من تباطؤ اقتصادي وضغوط على القطاع المالي.
ويخلص إلى أن الفارق الجوهري بين التجربتين يكمن في توقيت الاستجابة؛ إذ واجهت سريلانكا الأزمة بعد وصولها إلى مرحلة حرجة، في حين سعت غانا إلى احتواء تداعياتها قبل أن تتحول إلى أزمة شاملة.
حماية الحق في التنمية
تكشف تجربتا سريلانكا وغانا أن نجاح الدول لا يقاس بقدرتها على خفض العجز المالي أو استعادة ثقة الأسواق فحسب، بل بقدرتها أيضاً على حماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لمواطنيها أثناء الأزمات، فالاستقرار المالي يفقد كثيراً من قيمته إذا تحقق على حساب الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، في حين يصبح أكثر استدامة عندما يقترن بسياسات تضع الإنسان في صلب عملية الإصلاح.
وتؤكد التجربتان أن إدارة أزمات الديون لم تعد قضية اقتصادية بحتة، بل أصبحت اختباراً لمدى احترام الحق في التنمية. فنجاح الحكومات لا يقاس بسرعة سداد الديون فقط، وإنما بقدرتها على منع تحول خدمة الدين إلى عبء يحرم المواطنين من حقوقهم الأساسية؛ لأن التنمية الحقيقية تبدأ عندما تكون السياسات الاقتصادية في خدمة الإنسان، لا على حسابه.

