بعد مرور خمس سنوات على قرار تركيا الانسحاب من اتفاقية مجلس أوروبا لمنع ومكافحة العنف ضد المرأة والعنف الأسري، المعروفة باسم اتفاقية إسطنبول، عاد الجدل حول تداعيات تلك الخطوة إلى الواجهة، في ظل استمرار ارتفاع معدلات العنف ضد النساء، وتزايد مطالب المنظمات الحقوقية والنسوية بإعادة الانضمام إلى الاتفاقية، باعتبارها إطاراً قانونياً ودولياً يوفر ضمانات أوسع لحماية النساء ومكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي.
وذكرت وكالة أنباء المرأة أن قرار الانسحاب بدأ بمرسوم رئاسي صدر في 20 مارس 2021، قبل أن تبلغ الحكومة التركية مجلس أوروبا رسمياً بالقرار بعد ثلاثة أيام، ليصبح الأول من يوليو 2021 موعداً لانتهاء سريان الاتفاقية داخل البلاد. ومنذ ذلك التاريخ، لم يتوقف الجدل السياسي والحقوقي، إذ اعتبرت منظمات نسوية أن الانسحاب شكل تحولاً كبيراً في منظومة حماية النساء، في حين واصلت حملاتها للمطالبة بالعودة إلى الاتفاقية.
تصاعد في أعداد الضحايا
تشير البيانات التي وثقتها المنظمات النسوية إلى استمرار ارتفاع معدلات العنف ضد النساء خلال السنوات التي أعقبت الانسحاب. ففي الأشهر الخمسة الأخيرة من عام 2021 قُتلت 143 امرأة، ثم ارتفع العدد إلى 381 امرأة خلال عام 2022، وسجلت 315 جريمة قتل في عام 2023، قبل أن يصل العدد إلى 394 حالة في عام 2024، ثم 299 حالة خلال عام 2025. وخلال النصف الأول من عام 2026 وحده وثقت المنظمات مقتل ما لا يقل عن 151 امرأة على أيدي رجال.
ولا تقتصر المؤشرات على جرائم القتل، إذ تظهر الإحصاءات أيضاً زيادة في الوفيات المصنفة باعتبارها وفيات مشبوهة. فقد سجلت 105 حالات خلال الأشهر الأخيرة من عام 2021، ثم ارتفع العدد إلى 245 حالة في عام 2022، و270 حالة في عام 2023، و259 حالة في عام 2024، قبل أن يبلغ 297 حالة في عام 2025، في حين سجلت الأشهر الستة الأولى من عام 2026 نحو 170 وفاة مشبوهة، وهو ما تعده المنظمات الحقوقية مؤشراً على استمرار وجود تحديات في التحقيق وكشف ملابسات تلك القضايا.
الاتفاقية ومنظور حقوق الإنسان
وقالت المحامية وعضو المجلس التنفيذي لمركز حقوق المرأة في نقابة محامي آمد، نازلي ماتور، إن اتفاقية إسطنبول لا تتعامل مع العنف ضد المرأة والعنف الأسري باعتبارهما مجرد جرائم جنائية، بل تنظر إليهما بوصفهما انتهاكاً لحقوق الإنسان ونتيجة مباشرة لعدم المساواة البنيوية والتاريخية بين النساء والرجال.
وأوضحت أن الاتفاقية تفرض على الدول التزامات تتجاوز معاقبة الجناة، إذ تشمل العمل على منع وقوع العنف، وتوفير الحماية للنساء المعرضات للخطر، وضمان ملاحقة مرتكبي الجرائم بفعالية، إلى جانب إنشاء مؤسسات وآليات تضمن التطبيق العملي للقوانين الخاصة بحماية النساء.
سياسة وقائية متكاملة
وأكدت ماتور أن الاتفاقية كانت تلزم الدول بتوفير عدد كافٍ من دور الإيواء ومراكز الدعم والاستشارات وخطوط المساعدة، إضافة إلى تدريب عناصر الشرطة والموظفين العموميين على التعامل مع قضايا العنف ضد المرأة، بهدف تحويل مكافحة العنف من استجابة لحالات فردية إلى سياسة عامة متكاملة تعتمد على الوقاية والحماية والمساءلة.
وأضافت أن الاتفاقية قدمت أيضاً تعريفاً دولياً مستقلاً لجريمة الملاحقة المستمرة، والتي تشمل التتبع المتكرر والمراقبة والإزعاج والتواصل المتكرر الذي يثير الخوف لدى الضحية. وأشارت إلى أن قانون العقوبات التركي لم يكن يتضمن نصاً مستقلاً لهذه الجريمة عند اعتماد الاتفاقية، إلا أن تعديلاً أُقر عام 2022 أدرجها ضمن المادة 123، وهو ما اعتبرته معالجة لثغرة تشريعية استمرت سنوات.
رقابة دولية على التنفيذ
وأوضحت ماتور أن أحد أهم عناصر الاتفاقية يتمثل في آلية الرقابة الدولية التي تمثلها مجموعة خبراء العمل ضد العنف ضد المرأة والعنف الأسري المعروفة باسم جريفيو، وهي هيئة مستقلة تتابع مدى التزام الدول بتطبيق أحكام الاتفاقية.
وأضافت أن الدول الأطراف تقدم تقارير دورية عن إجراءاتها، في حين تستمع المجموعة إلى آراء منظمات المجتمع المدني ونقابات المحامين، وتجري زيارات ميدانية، ثم تصدر تقارير تتضمن تقييمات وتوصيات تشكل وسيلة ضغط دولية لتعزيز المساءلة وتحسين سياسات حماية النساء، حتى وإن كانت لا تمتلك صلاحية فرض عقوبات مباشرة.
القانون 6284 والاتفاقية
وتطرقت ماتور إلى العلاقة بين القانون التركي رقم 6284 واتفاقية إسطنبول، موضحة أن القانون يوفر تدابير حماية عاجلة للنساء المعرضات للعنف، في حين تمثل الاتفاقية إطاراً دولياً أشمل يركز على معالجة الأسباب البنيوية للعنف المرتبطة بعدم المساواة بين الجنسين، وهو ما يجعلها أكثر اتساعاً من حيث الأهداف والالتزامات.
ورأت أن قرار الانسحاب يتعارض مع روح الدستور والتسلسل القانوني، مؤكدة أن العودة إلى الاتفاقية تبقى ممكنة سواء من خلال إعادة التصديق عليها في البرلمان واستكمال الإجراءات الدستورية، أو عبر إصدار قرار رئاسي جديد يلغي قرار الانسحاب إذا توفرت الإرادة السياسية اللازمة.
دعوات لإعادة الانضمام
من جانبها، أكدت الناشطة إسراء تشيتشك أن تركيا كانت أول دولة توقع وتصادق على اتفاقية إسطنبول عام 2011، مشيرة إلى أن الاتفاقية جاءت استجابة لحاجة داخلية، خاصة بعد إدانة المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لتركيا في قضية ناهيد أوبوز عام 2009 بسبب الإخفاق في حماية النساء من العنف الأسري والتمييز.
وأضافت أن قانون 6284 صدر باعتباره الامتداد التشريعي المحلي للاتفاقية، وما زال سارياً حتى اليوم، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في ضعف تطبيقه على أرض الواقع. وأوضحت أن القانون يشير في مقدمته إلى إمكانية الرجوع إلى اتفاقية إسطنبول عند غياب النص القانوني المناسب، وهو ما يعكس استمرار تأثيرها القانوني بصورة غير مباشرة.
وأكدت تشيتشك أن المنظمات النسوية تربط بين تراجع مستويات الحماية وارتفاع أعداد النساء اللواتي يفقدن حياتهن، مشيرة إلى أن شعار “اتفاقية إسطنبول تحمي الحياة” يستند إلى قناعة بأن تطبيق الاتفاقية يوفر منظومة وقائية أكثر فاعلية، وأن النضال من أجل استعادة العمل بها سيظل مستمراً باعتباره جزءاً من الدفاع عن الحق في الحياة ومواجهة العنف القائم على النوع الاجتماعي.
اعتمد مجلس أوروبا اتفاقية إسطنبول عام 2011 باعتبارها أول معاهدة أوروبية ملزمة قانونياً لمكافحة العنف ضد المرأة والعنف الأسري. وترتكز الاتفاقية على أربعة محاور رئيسية تشمل الوقاية من العنف، وحماية الضحايا، وملاحقة الجناة، ووضع سياسات حكومية متكاملة لمواجهة الظاهرة. وكانت تركيا أول دولة توقع وتصادق على الاتفاقية، قبل أن تعلن انسحابها عام 2021، وهو القرار الذي أثار انتقادات واسعة من منظمات حقوق الإنسان والهيئات النسوية داخل تركيا وخارجها، وما زال يشكل محوراً للنقاش القانوني والسياسي بشأن مستقبل سياسات حماية النساء في البلاد.
