دانيال مكارثي*
يبدو بيل ماهر، على الورق على الأقل، الليبرالي المثالي. ومع ذلك، فرغم أن برامجه الحوارية رُشحت لأكثر من أربعين جائزة «إيمي»، فإنه لم يحظَ بالتقدير الذي طالما سعى إليه إلا في واشنطن دونالد ترامب.
فقد أصبح ماهر المتلقي السابع والعشرين لـ«جائزة مارك توين للفكاهة الأمريكية»، وهي الجائزة التي مُنحت لأول مرة عام 1998 للكوميدي الأسطوري الراحل ريتشارد برايور، وذهبت العام الماضي إلى كونان أوبراين.
صحيح أن جميع الفائزين بها لم يكونوا من اليسار السياسي، لكن ماهر يظل حالة نادرة بين الكوميديين ذوي الميول الليبرالية؛ فهو يجرؤ على انتقاد معسكره، وقد دفع ثمن ذلك.
قد لا يروق لليبراليين من أمثال ماهر دونالد ترامب، ولا البصمة التي تركها على مركز كينيدي، الجهة التي تمنح جائزة مارك توين.
لكن في واشنطن ترامب، يمكن لمتمرّد مثل ماهر أن ينال ما يستحقه من تقدير، وهو أمر يصعب حدوثه في المؤسسات الثقافية التي يهيمن عليها الليبراليون.
ماهر ملحد صدامي، ونسويٌّ يدافع عن حقوق المرأة، لكنه في الوقت نفسه أعزب في السبعين من عمره يرتبط على الدوام بنساء أصغر منه سناً. وهو أيضاً من عشاق الماريجوانا، بل ومن تجارها، إذ يملك حصة في متجر لبيعها في ويست هوليوود، إلى درجة تجعل سنوب دوغ يبدو، بالمقارنة، أشبه بنانسي ريغان. كما يصف نفسه بدقة بأنه «متحرر أخلاقياً».
وبكل المقاييس، كان ينبغي أن يكون النموذج المثالي للمشاهير الديمقراطيين.
لكن نفاق الحزب وشططه الأيديولوجي تجاوزا حدود ما يستطيع احتماله.
وكذلك الحال مع يسار فقد حس الدعابة، بل تجاوز حتى التشدد التطهري، وأصبح يتعامل مع الآخرين باستعلاء أخلاقي لا يعرف التسامح.
لا أحد يصف ماهر بأنه محافظ، ومع ذلك فهو، في نظر كثيرين داخل صناعة التلفزيون اليوم، أقرب ما يكون إلى شخصية يمينية.
إنه يقاوم ثقافة الإلغاء، وبرامجه، وإن لم تكن متوازنة تماماً، تظل منابر يجد فيها المحافظون وأصحاب الآراء المخالفة فرصة للتعبير عن مواقفهم.
وفي ظل الانحياز الحزبي المتكلف الذي خنق برامج السهرة خلال حقبة جيمي كيميل وستيفن كولبير، ظل برنامج *«ريال تايم مع بيل ماهر»* بمنزلة واحة مختلفة.
ولا شك أن ماهر مسلٍّ، وهذا ما يفسر عشرات ترشيحاته لجوائز «إيمي».
لكنه، في نظر المؤسسة الثقافية، مسلٍّ للأسباب الخطأ، ولهذا ظل محروماً من الجوائز.
فقد نال جائزة «إيمي» واحدة فقط، لكنها جاءت بصفته منتجاً منفذاً لفيلم وثائقي من إنتاج HBO بالتعاون مع Vice، وليس عن أي من برامجه الخاصة.
الحقيقة أن اليسار لم يعد مكاناً مضحكاً ولا ممتعاً ولا حراً، وهي الفكرة التي عبّر عنها ماهر منذ برنامجه الذي صنع شهرته، *«غير صحيح سياسياً مع بيل ماهر»*.
وخلال الثلاثين عاماً التي مرت منذ انطلاق ذلك البرنامج، تحولت «الصوابية السياسية» إلى ما يُعرف اليوم بثقافة «الووك»، وأصبحت أكثر تطرفاً من أي وقت مضى، باستثناء المساحة الثقافية التي أتاحها تحدي ترامب لها.
فكوميدي مثل ماهر يحتاج إلى ترامب لأكثر من مجرد مادة يسخر منها.
وقد شهد حفل مركز كينيدي، الأحد الماضي، الكثير من ذلك، ومنه تقليد ساخر وممتع للغاية قدمه الكوميدي البالغ من العمر 28 عاماً مات فريند، إذ تظاهر بأنه الرئيس ترامب وهو يقتحم المسرح لينتزع الجائزة من «الخاسر» ماهر.
لكن ما يكرهه الليبراليون في ترامب تحديداً، أي استعداده للسخرية من مقدساتهم السياسية وتجاوز خطوطهم الحمراء، هو ما يمنح الكوميديا مساحة للتنفس في بيئة خانقة كانت ستخنقها ثقافة «الووك».
وإذا كان من الصعب أن يتوقع أحد من الليبراليين أن يمنحوا ترامب الفضل في ذلك، فعليهم على الأقل أن يدركوا أن ماهر يقدم لهم خدمة ثمينة، ولا يفعل ذلك أفضل من اللحظات التي يثقب فيها فقاعة تعاليهم الأخلاقي.
لقد كان ماهر إنذاراً مبكراً للديمقراطيين. فلو أنهم أدركوا إلى أي مدى بدوا متطرفين، حتى في نظر ليبرالي مثله، لما وجدوا أنفسهم في نهاية المطاف أمام خصم مثل دونالد ترامب الذي يمتلك موهبة تحويل الصوابية السياسية إلى مادة تثير ضحك الأمريكيين.
طالما كانت الفكاهة سلاح ترامب السري، وإن لم يعد سراً.
لكن ما يراه الناس العاديون مضحكاً، يعده أوصياء اليسار الحديث تجديفاً لا يُغتفر.
ولعل ذلك يدفع ملحداً مثل ماهر إلى إعادة التفكير في موقفه من الدين؛ فالتعصب لا يرتبط بالإيمان بالله أو عدمه، بل إن العلمانيين العقائديين أصبحوا اليوم أكبر تهديد لحرية الفكر والتعبير.
وأوروبا تقدم نموذجاً واضحاً لما تقود إليه الصوابية السياسية: التسامح مع أقليات إسلامية متشددة، مقابل قمع حرية التعبير للمواطنين الذين يعترضون على آثار الهجرة الجماعية في بلدانهم.
واليسار الأمريكي يتبنى الرؤية نفسها التي يتبناها اليسار الأوروبي. وفي الصراع بين اليسار واليمين الذي يمثله ترامب، سيجد ليبرالي مثل بيل ماهر نفسه في صف اليمين، شاء أم أبى.
ولهذا أعتقد أن تحالف ترامب هو الذي سينتصر على المدى الطويل.
ولهذا أيضاً يبقى ترامب شخصية مهيمنة، حتى في أمسية خُصصت لتكريم كوميدي طالما كان من أبرز منتقديه.
*نقلاً عن نيويورك بوست
