منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

لاعبات الكريكت الأفغانيات.. منتخب في المنفى يواجه قيود طالبان بالمضرب والأمل

28 يونيو 2026
لاعبات الكريكيت الأفغانيات تتحدى قيود طالبان
لاعبات الكريكيت الأفغانيات تتحدى قيود طالبان

لم تكن جولة منتخب أفغانستان للسيدات في الكريكت داخل بريطانيا مجرد حدث رياضي عابر، بل لحظة إنسانية وحقوقية تعيد إلى الواجهة قضية النساء الأفغانيات اللواتي انتُزعت منهن ملاعبهن وأحلامهن بعد عودة طالبان إلى السلطة عام 2021.

فاللاعبات اللواتي يظهرن اليوم في الملاعب البريطانية لا يحملن فقط مضارب الكريكت، بل يحملن قصة جيل كامل من الفتيات الأفغانيات المحرومات من التعليم والرياضة والحياة العامة، ويحاولن من المنفى أن يثبتن أن إقصاء النساء من الداخل لا يعني إسكات صوتهن في العالم.

وخاض المنتخب الأفغاني للسيدات اللاجئات جولة تاريخية في بريطانيا، استضافها مجلس الكريكت في إنجلترا وويلز، وشملت مباريات تدريبية واستعراضية أمام فرق نسائية، بينها منتخب سيدات جامعة كامبريدج ومنتخب سيدات القوات المسلحة البريطانية، على ملعب “فينرز” التاريخي في كامبريدج.

وتحل اللاعبات، القادمات من تجارب لجوء وتشتت في أستراليا وكندا وبريطانيا، ضيفات على مؤسسات جامعية بريطانية، بعدما التقين الملك تشارلز الثالث في لقاء حمل رمزية سياسية وحقوقية واضحة، باعتباره اعترافاً معنوياً بشجاعة فريق لا يزال يبحث عن اعتراف رياضي رسمي.

رياضة بعد المنفى

تبدأ حكاية هؤلاء اللاعبات من لحظة الانهيار في أغسطس 2021، حين عادت طالبان إلى الحكم، وتبدلت حياة النساء الأفغانيات بشكل جذري، فقد أُغلقت أبواب التعليم والعمل والرياضة أمام النساء والفتيات، وأصبح الانتماء إلى فريق رياضي خطراً أمنياً قد يهدد الحياة.

كثير من اللاعبات اضطررن إلى الاختباء، وإتلاف أو إخفاء أدواتهن الرياضية، وترك بيوتهن وعائلاتهن، قبل أن ينجحن في الخروج من أفغانستان عبر مسارات محفوفة بالخوف والتهديد، وفي المنفى، لم يكن المطلوب منهن إعادة بناء فريق فقط، بل إعادة بناء حياة كاملة.

من هنا تكتسب كل مباراة يخضنها معنى أكبر من النتيجة، فظهورهن على أرض الملعب هو إعلان بأن طالبان قد تمنع النساء من اللعب داخل أفغانستان، لكنها لم تستطع محو ذاكرة اللعبة من أجسادهن ولا حقهن في الحلم.

صوت من الملاعب

تقول فيروزة أميري، إحدى عضوات المنتخب، لشبكة “أفغانستان إنترناشيونال”، إن هدف الفريق لا يقتصر على لعب الكريكت، بل أن يكون صوتاً للفتيات داخل أفغانستان وأن يمنحهن الأمل، أما اللاعبة أكيل لطيفي فتؤكد أنهن لا يمثلن أنفسهن فقط، بل يمثلن نساء أفغانستان.

هذه التصريحات تكشف جوهر التجربة.. الفريق ليس مجرد مجموعة رياضية، بل منصة إنسانية للاحتجاج الهادئ ضد محو النساء من المجال العام، فكل ضربة كرة، وكل ركضة، وكل ظهور جماعي للفريق، يحمل رسالة إلى الفتيات اللواتي لا يستطعن الذهاب إلى المدرسة أو الملعب أو العمل.

وتقول شبنم إحسان إن النساء الأفغانيات لهن الحق في التعليم والرياضة، وإن الفريق سيواصل جهوده من أجل الاعتراف به، وهذا الاعتراف لا يعني فقط إدراج الاسم في جداول المنافسات، بل يعني الإقرار بأن النساء الأفغانيات لسن خارج المجتمع الرياضي العالمي.

اعتراف مؤجل

رغم أن أفغانستان عضو كامل في المجلس الدولي للكريكت، فإن منتخب السيدات لا يحظى حتى الآن باعتراف رسمي يسمح له بالمشاركة في البطولات الدولية تحت علم بلاده، بسبب سيطرة طالبان على المجلس الأفغاني للكريكت ورفضها الاعتراف بالرياضة النسائية.

ولهذا يخوض الفريق مبارياته تحت اسم “فريق النساء الأفغانيات اللاجئات”، في مفارقة قاسية.. الرجال يمثلون أفغانستان في البطولات الدولية، والنساء اللواتي حملن الحلم نفسه لا يجدن مكاناً رسمياً إلا خارج وطنهن.

وتزيد هذه المفارقة من الضغط على المؤسسات الرياضية الدولية، خصوصاً المجلس الدولي للكريكت، لاتخاذ موقف أوضح بشأن حق اللاعبات الأفغانيات في التمثيل والمشاركة، وعدم ترك مصيرهن معلقاً بين السياسة واللوائح الرياضية.

ففي عالم الرياضة، لا يكفي الحديث عن المساواة في الخطابات والبطولات، إذا بقيت لاعبات بلد كامل محرومات من الاعتراف لأن سلطة الأمر الواقع في بلدهن تحظر وجودهن أصلاً.

حقوق لا ترف

القضية هنا لا تتعلق بالكريكت وحدها، بل بالحق في الرياضة باعتباره جزءاً من منظومة أوسع تشمل الحق في المساواة، والتعليم، والصحة النفسية والجسدية، والمشاركة في الحياة العامة.

الرياضة بالنسبة للفتيات الأفغانيات ليست رفاهية، بل مساحة للحرية والثقة والظهور. وعندما تُحرم الفتاة من المدرسة والملعب والعمل، فإنها لا تفقد نشاطاً جانبياً، بل تفقد أدوات أساسية لبناء شخصيتها وحضورها الاجتماعي واستقلالها.

وتؤكد التقارير الحقوقية الدولية أن سياسات طالبان ضد النساء والفتيات لا تقتصر على الرياضة، بل تشمل حظراً واسعاً على التعليم الثانوي والجامعي، وقيوداً على العمل والتنقل والظهور العام، إضافة إلى تضييق متزايد على حرية التعبير والحياة المدنية.

وفي هذا السياق، تصبح جولة منتخب الكريكت الأفغاني للسيدات في بريطانيا شهادة حية على ما يمكن أن تفعله الرياضة حين تتحول إلى وسيلة مقاومة إنسانية، لا بالشعارات، بل بالاستمرار في اللعب رغم الخسارة القسرية للوطن.

رسالة إلى الداخل

أهمية هذه الجولة لا تقاس بعدد المباريات فقط، بل بما تتركه من أثر رمزي لدى الفتيات داخل أفغانستان، فحين ترى فتاة محرومة من المدرسة فريقاً من نساء بلدها يلعب أمام العالم، قد تستعيد جزءاً من الإيمان بأن مستقبلها لم يُغلق بالكامل.

ولهذا تصف ناشطات وداعمات لرياضة النساء هذه الجولة بأنها لحظة تاريخية. فهي لا تقول إن الأزمة انتهت، بل تقول إن النساء الأفغانيات ما زلن قادرات على الوجود، وعلى تحويل المنفى إلى مساحة فعل، لا مجرد انتظار.

ومن المقرر أن تخوض اللاعبات خلال وجودهن في بريطانيا خمس مباريات في المجموع، إلى جانب حضورهن بصفة ضيف في نهائي كأس العالم للكريكت للسيدات على ملعب “لوردز” في لندن، في خطوة تمنحهن فرصة للاتصال بالمجتمع الرياضي العالمي والمطالبة بمكان مستحق داخله.

كرامة على العشب

على عشب الملاعب البريطانية، تقف لاعبات الكريكت الأفغانيات أمام اختبار يتجاوز الرياضة. فهن يواجهن ذاكرة الهروب، وغياب الاعتراف، وخذلان المؤسسات، وقلق المستقبل، لكنهن في الوقت نفسه يمنحن العالم صورة مغايرة للمرأة الأفغانية.. ليست ضحية صامتة فقط، بل لاعبة وناجية وناشطة وصاحبة صوت.

وفي كل مرة يظهر فيها الفريق، يتجدد السؤال أمام المجتمع الدولي.. كيف يمكن الدفاع عن حقوق النساء الأفغانيات دون منحهن منصات حقيقية؟ وكيف يمكن للرياضة العالمية أن ترفع شعارات المساواة في حين تترك هؤلاء اللاعبات في مساحة رمادية بلا اعتراف كامل؟

جولة المنتخب الأفغاني للسيدات في بريطانيا لا تمحو الألم، ولا تعيد فوراً الحق المسلوب للفتيات داخل أفغانستان، لكنها تفتح نافذة أمل، ومن هذه النافذة، تقول اللاعبات إن طالبان قد أغلقت الملاعب في الداخل، لكنها لم تستطع إغلاق الطريق إلى العالم.

هذه ليست مباراة كريكت فقط، بل معركة ناعمة من أجل الحق في الوجود، والحق في اللعب، والحق في أن تحلم الفتاة الأفغانية بحياة لا يحددها الخوف.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print