طرحت مداخلات أوكرانيا وأفغانستان خلال فعاليات الدورة الـ62 لمجلس حقوق الإنسان بجنيف جانباً آخر من أزمة استقلال القضاء، يتمثل في انهيار الضمانات القانونية في سياقات الاحتلال أو سلطة الأمر الواقع، ففي الحالتين، لا يكون السؤال فقط عن جودة القوانين أو طريقة تعيين القضاة، بل عن قدرة المنظومة القضائية على البقاء أصلاً في مواجهة سلطة عسكرية أو سياسية تفرض إرادتها خارج الضمانات المستقرة.
الملف الأوكراني
في المداخلة الأوكرانية، جرى التركيز على استهداف القضاة والعاملين في العدالة في الأراضي الواقعة تحت الاحتلال الروسي، من خلال الترهيب، والاضطهاد، والاختفاء القسري، والضغط عليهم للتعاون مع سلطات الاحتلال أو قطع صلاتهم بالمؤسسات الأوكرانية، هذه الممارسات، إذا استمرت، لا تستهدف أفراداً فقط، بل تسعى إلى إعادة تشكيل الشرعية القانونية في المناطق المحتلة.
القاضي في هذا السياق يصبح أكثر من موظف قضائي، يصبح رمزاً لاستمرار الدولة والقانون، ولذلك فإن الضغط عليه للتعاون أو التخلي عن مؤسسته الأصلية يحمل بعداً سياسياً وقانونياً خطيراً، لأنه يهدف إلى تحويل القضاء من مؤسسة مستقلة إلى أداة لإضفاء الشرعية على سلطة الاحتلال.
الملف الأفغاني
أما عن أفغانستان، فقد تناولت المداخلة أثر سيطرة طالبان على منظومة العدالة، مشيرة إلى تراجع دور المحامين، وحل منظمات المساعدة القانونية، وفرض قيود صارمة على المحامين والمحاميات، وبرز بشكل خاص وضع المحاميات، اللواتي يواجهن عوائق في الوصول إلى الملفات وتمثيل الموكلين والمرافعة، بما يعمق الإقصاء الجندري داخل العدالة.
الحالة الأفغانية تكشف أن استقلال القضاء لا ينهار فقط عبر التدخل في التعيينات، بل يمكن أن ينهار أيضاً عبر إعادة تعريف القانون نفسه، وإلغاء الأطر المهنية، وتهميش المحامين، وإخضاع المحاكم لمنظومة أوامر سياسية أو دينية لا تضمن الحقوق الأساسية.
المقارنة بين أوكرانيا وأفغانستان تُظهر أن الخطر على القضاء يأخذ أشكالاً مختلفة، في أوكرانيا، الخطر مرتبط بالاحتلال والضغط على القضاة في مناطق خارجة عن سيطرة الدولة، في أفغانستان، الخطر مرتبط بسلطة أمر واقع أعادت تشكيل المنظومة القانونية والمؤسسية، لكن النتيجة في الحالتين واحدة: تقليص قدرة الأفراد على الوصول إلى عدالة مستقلة.
وهنا تظهر أهمية حماية القضاة والمحامين في سياقات النزاع، ليس كمسألة مهنية، بل كجزء من حماية المدنيين ومنع الإفلات من العقاب، فغياب القضاء المستقل في النزاعات يعني غالباً أن الانتهاكات ستبقى بلا مساءلة، وأن الضحايا سيُحرمون من أي طريق فعلي للإنصاف.
