منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

إعداد فريق الدراسات والأبحاث بمنصة صفر

تونس في النقاش الحقوقي.. بين خطاب الإصلاح ومخاوف إخضاع القضاء

26 يونيو 2026
تونس
تونس

أعاد النقاش الحقوق الدولي حول تونس خلال فعاليات الدورة 62 لمجلس حقوق الإنسان بجنيف طرح سؤال حاد حول مستقبل استقلال القضاء في البلاد: هل ما يجري هو إصلاح قضائي ومساءلة داخلية، أم عملية إخضاع تدريجي للسلطة القضائية لصالح السلطة التنفيذية؟

الدستور يكفل استقلال القضاء 

في المداخلة الرسمية، أكدت تونس أن استقلال القضاء مكفول في الدستور، وأن القضاة لا سلطان عليهم في قضائهم إلا القانون، وأن تنظيم المسار القضائي يتم من خلال مؤسسات وآليات قانونية، بما في ذلك التكوين القضائي والتعيينات وفق الإجراءات المعتمدة، كما شددت على أن استقلال القاضي لا ينبغي أن يتحول إلى حصانة دائمة من المساءلة إذا ارتُكبت أفعال يجرمها القانون.

هذا الخطاب يطرح من حيث المبدأ نقطة لا يمكن تجاهلها: فالقضاء المستقل يجب أن يكون أيضاً قضاءً نزيهاً ومسؤولاً، فلا توجد منظومة عدالة قوية إذا كان القضاة خارج أي مساءلة، أو إذا تحولت الاستقلالية إلى غطاء للإفلات من المحاسبة، لكن الجدل الحقوقي لا يقف عند مبدأ المساءلة، بل عند طبيعة الجهة التي تمارسها، وضماناتها، وسياقها السياسي.

استهداف قضاة ومحامين ونشطاء

مداخلة المنظمة الحقوقية حول تونس قدمت قراءة مختلفة تماماً، إذ تحدثت عن تفكيك ممنهج لاستقلال القضاء وسيادة القانون منذ عام 2020، وعن سلسلة إجراءات اعتبرتها إخضاعاً متزايداً للسلطة القضائية للسلطة التنفيذية، وأشارت إلى عزل عشرات القضاة عام 2022، وإلى تدخلات من وزارة العدل في المسار القضائي، وإلى استهداف قضاة ومحامين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

كما تم ذكر القاضية روضة القرافي، رئيسة جمعية القضاة التونسيين، ضمن سياق أوسع من الضغوط التي يتعرض لها العاملون في قطاع العدالة، ولم تقف المخاوف عند القضاة فقط، بل امتدت إلى المحامين، حيث أشارت المداخلة إلى استخدام تشريعات مكافحة الإرهاب أو مكافحة الأخبار الكاذبة لملاحقة محامين بسبب عملهم المهني أو بسبب تعبيرهم عن آرائهم.

هذه النقطة بالذات تكشف جوهر الأزمة، فحين تستخدم قوانين الأمن أو مكافحة الأخبار الكاذبة ضد محامين، يصبح السؤال مشروعاً حول ما إذا كانت هذه القوانين تستخدم لحماية المجتمع، أم لإسكات الأصوات القانونية والحقوقية التي تراقب السلطة أو تنتقدها.

الأكثر دلالة أن المقررة الخاصة أشارت في ملاحظاتها الختامية إلى أن زيارة كانت مقررة إلى تونس في إطار ولايتها أُرجئت عدة مرات خلال السنوات الأخيرة، هذه الإشارة، رغم هدوء صياغتها، تحمل ثقلاً حقوقياً واضحاً، لأنها تعني أن الملف التونسي ما زال بحاجة إلى متابعة ميدانية أممية، وأن هناك أسئلة لم تُحسم بعد حول واقع استقلال القضاء.

التوازن بين إصلاح القضاء ومساءلة الفساد

في السياق التونسي، لا يكفي أن يقال إن القاضي مستقل دستورياً، السؤال العملي هو: هل يستطيع القاضي أن يصدر حكماً في قضية سياسية أو حقوقية حساسة دون خوف من العزل أو التشهير أو الإحالة؟ وهل يستطيع المحامي أن يدافع عن موكله أو يعبر عن رأيه القانوني دون أن يُتهم بتهديد الأمن أو نشر أخبار كاذبة؟

الجدل في تونس يعكس إشكالية أوسع تعيشها دول عديدة: كيف توازن الدولة بين إصلاح القضاء ومساءلة الفساد من جهة، وبين منع السلطة التنفيذية من توظيف الإصلاح كمدخل للهيمنة على القضاء من جهة أخرى؟

إن أي إصلاح قضائي لا يقوم على ضمانات مستقلة وشفافة قد يتحول من إصلاح إلى إعادة هندسة للعدالة، وأي مساءلة لا تتم عبر مؤسسات مستقلة قد تتحول إلى انتقام، ولهذا، فإن القضية التونسية تظل اختباراً حساساً لفكرة سيادة القانون في المنطقة.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print