منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

حدائق مفتوحة 24 ساعة وحظر للكحول.. دروسٌ يمكن أن تستفيدها المدن من تجربة باريس في “موجة الحر”

24 يونيو 2026
الحر يدفع الزوار للانتعاش قرب برج إيفل في باريس.
الحر يدفع الزوار للانتعاش قرب برج إيفل في باريس.

هيلين ماسي-بيريسفورد*

خلال عطلة نهاية الأسبوع، ومع حلول المساء في متنزه “بوت شومون” المرتفع والمظلل -وهو أحد أكثر المساحات الخضراء شعبية في باريس- انطلقت فعاليات “عيد الموسيقى”، الاحتفال السنوي بالانقلاب الصيفي الذي يحتفي بالموسيقى بكل أشكالها، في حين بدأ منسقو الأغاني في المقاهي المجاورة عروضهم المتزامنة.

كان الطقس خانقاً إلى حد كبير، وكان رواد المتنزه يحاولون التخفيف من وطأة الحر بالمياه والعصائر والبيرة الخالية من الكحول، أو هكذا كان ينبغي أن يكون الأمر. فقد قررت سلطات باريس حظر استهلاك المشروبات الكحولية في الأماكن العامة -باستثناء شرفات المقاهي- خلال المهرجان، وهو واحد من الإجراءات التي يمكن تفعيلها عندما تدخل المدينة حالة “الإنذار الأحمر لموجة الحر”.

ولا تبدو هذه الموجة الحرارية عابرة أو قصيرة الأمد. فبحلول الثلاثاء، كانت 54 مقاطعة من أصل 96 في فرنسا القارية قد دخلت مستوى الإنذار الأحمر، في حين أكدت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية أن البلاد تشهد أكثر أيامها حرارة منذ بدء تسجيل البيانات عام 1947. والأمر اللافت أن هذه ليست أول موجة حر هذا العام.

إن النهج الفرنسي المنظم والدقيق في تصنيف مخاطر موجات الحر وتقييمها والتخطيط للتعامل مع آثارها قد يقدم نموذجاً مفيداً للدول الأوروبية الأخرى التي تستعد لمواجهة فترات أكثر تواتراً وشدة من الحرارة القصوى.

في باريس يحاول السكان ابتكار وسائلهم الخاصة للتكيف مع الظروف القاسية. ففي شقتي، أُبقي الستائر المعدنية مغلقة في مواجهة الشمس الحارقة، وأمتنع عن فتح النوافذ حتى العاشرة مساء على الأقل. إنها طريقة تجعل المكان مقبولاً إلى حد ما، لكنها بالتأكيد ليست أسلوب حياة ممتعاً. وعلى الجانب الآخر من الشارع، يبدو أن أحد السكان في الطابق العلوي أقل حظاً، إذ قام بتثبيت بطانية عاكسة للحرارة على نافذته في محاولة يائسة لإبعاد أشعة الشمس.

ومع توقع وصول درجات الحرارة إلى 42 درجة مئوية اعتباراً من الأربعاء، بدأت سلطات باريس بتطبيق إجراءات جماعية إضافية لمساعدة السكان. فإلى جانب حظر الكحول، ستظل الحدائق العامة مفتوحة على مدار الساعة حتى يتمكن الناس من الاستمتاع بالهواء الطلق خلال ساعات الليل الأكثر برودة.

كما تم تخصيص ما يعرف بـ”جزر البرودة”، وهي مبانٍ عامة مكيفة الهواء توفر ملاذاً من درجات الحرارة المرتفعة. وتم إلغاء بعض الفعاليات الرياضية الخارجية، في حين أغلقت مدارس عديدة أبوابها أو سمحت للتلاميذ بالمغادرة مبكراً.

ولا تنفصل هذه الإجراءات المؤقتة عن جهود طويلة الأمد تبذلها باريس لجعل المدينة أكثر خضرة وأقل حرارة. فقد توسعت المدينة في إنشاء النوافير وأجهزة الرذاذ المائي داخل الحدائق، وأقامت المزيد من مسارات الدراجات والمساحات الخضراء، وعملت على زيادة الظلال في ساحات المدارس.

بعض هذه المبادرات توفر فرصاً دعائية جذابة للمسؤولين. فبعد النجاح الكبير الذي حققته تجربة السباحة في نهر السين الصيف الماضي، استغل رئيس بلدية باريس الجديد إيمانويل غريغوار الفرصة لكسب مزيد من التأييد الشعبي عندما أعلن بنفسه الأسبوع الماضي، من ضفاف قناة سان مارتان، تقديم موعد افتتاح منطقة مخصصة للسباحة هناك.

لكن خلف هذه الصور الجذابة، تتعامل المدينة مع أزمة المناخ بجدية كاملة. ففي عام 2023 أجرت بلدية باريس تمريناً لمحاكاة سيناريو وصول درجات الحرارة إلى 50 درجة مئوية، وهو أمر بدا آنذاك أقرب إلى الخيال. أما اليوم فلم يعد كذلك.

فمع تسجيل موجتي حر قبل حتى بدء العطلة الصيفية للمدارس، واقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية في أقل من عام، أصبحت قضية التكيف مع تغير المناخ في صلب النقاش السياسي.

وكالعادة، تختلف الرؤى السياسية حول كيفية التعامل مع الأزمة. فحزب التجمع الوطني بزعامة مارين لوبان يدعو إلى تحسين أنظمة التكييف في المدارس والمستشفيات، بينما يرى منتقدوه أن ذلك يتناقض مع الدعوات إلى ترشيد استهلاك الطاقة. وفي المقابل، تدعو المرشحة البيئية مارين تونديلييه إلى اعتماد إجازة خاصة لمدة خمسة أيام خلال موجات الحر لمساعدة المواطنين على التكيف مع الظروف القاسية.

قد يختلف السياسيون حول الحلول المستقبلية، لكن المشكلة الآنية والحلول العاجلة تبدو واضحة نسبياً. ويرجع ذلك إلى النهج الإداري المنظم الذي تتبعه فرنسا في إدارة موجات الحر، حيث تتخذ السلطات المحلية القرارات المناسبة بالتنسيق مع الجهات الصحية وخبراء الأرصاد الجوية لحماية المواطنين.

وقد تم اعتماد نظام الإنذار الحالي، المؤلف من أربعة مستويات يكون الأحمر أعلاها، بعد موجة الحر الكارثية عام 2003 التي أودت بحياة نحو 15 ألف شخص في فرنسا، بينهم أعداد كبيرة من كبار السن.

ومنذ ذلك الحين، أصبح لكل مقاطعة فرنسية معاييرها الخاصة لتحديد مستويات الخطر، استناداً إلى بيانات مثل متوسط درجات الحرارة، ومدى الجاهزية المحلية، وتجارب موجات الحر السابقة.

وعندما ترتفع درجات الحرارة، تنظر السلطات إلى مجموعة واسعة من العوامل، تشمل شدة الحرارة المتوقعة، ومدة استمرار الموجة، وإمكانية انخفاض درجات الحرارة ليلاً، والفعاليات الكبرى المقررة، وقدرات المستشفيات المتاحة.

ومن خلال تحليل كل هذه المعطيات يتم تحديد مستوى الإنذار والإجراءات اللازمة، ومنها تدابير مثل حظر الكحول في المهرجانات العامة.

ومع اشتداد موجة الحر، تتزايد أيضاً الانتقادات الموجهة للحكومة. فقد أثارت حالات الغرق والوفيات المرتبطة بالحرارة في أنحاء البلاد تساؤلات حول كفاءة الاستجابة، كما سلطت عمليات إغلاق المدارس الضوء على الحاجة الملحة لتحديث البنية التحتية.

ومع ذلك، إذا كانت استجابة عام 2026 لا تزال بعيدة عن الكمال، فإن ما تحقق منذ كارثة 2003 يعني على الأقل أن صناع القرار اليوم أكثر استعداداً وأفضل اطلاعاً على المخاطر.

ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة عاماً بعد عام، يبدو من المرجح أن تضطر دول أخرى إلى اعتماد خطط أكثر تنظيماً لمراقبة موجات الحر وإدارتها، حتى وإن كان من الصعب تخيل تقبل مواطني دول مثل المملكة المتحدة لقرارات من قبيل حظر شرب الكحول في الأماكن العامة، خصوصاً خلال الفعاليات الصيفية الاحتفالية.

قد لا تكون فرنسا قد وجدت الحل المثالي، لكنها بالتأكيد أصبحت أكثر استعداداً لمواجهة موجات الحر مقارنة بما كانت عليه قبل عقدين.

واليوم، في صيف 2026 شديد الحرارة تسعى الحملات التوعوية المكثفة إلى تعريف الناس بما يجب فعله وما ينبغي تجنبه أثناء موجات الحر.

ويحمل الشعار الرسمي لوكالة الصحة العامة الفرنسية رسالة واضحة: “لندخل جميعاً في وضع موجة الحر”.

والحقيقة أننا في أوروبا لم نعد نملك رفاهية الاختيار في هذا الأمر. وربما يكون النموذج الفرنسي في إدارة موجات الحر نقطة انطلاق جيدة لبقية الدول الساعية إلى التكيف مع واقع مناخي جديد وأكثر قسوة.

*نقلاً عن الجارديان

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print