منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

مبتورو الأطراف في غزة.. حصار يكرّس الإعاقة ويحرمهم من التأهيل وينتهك الكرامة الإنسانية

22 يوليو 2026
تعاني مراكز التأهيل والأطراف الصناعية من شلل شبه كامل
تعاني مراكز التأهيل والأطراف الصناعية من شلل شبه كامل

لم تتوقف آثار الحرب في قطاع غزة عند حدود القتلى والجرحى والدمار الواسع الذي طال المنازل والبنية التحتية، بل خلّفت واقعًا إنسانيًا جديدًا يتمثل في الارتفاع الكبير لأعداد مبتوري الأطراف، الذين يواجهون تحديات صحية ونفسية واجتماعية متفاقمة في ظل انهيار المنظومة الصحية واستمرار الحصار.

ومع تواصل الحرب وما رافقها من استخدام مكثف للقوة النارية والأسلحة المتفجرة، ازدادت الإصابات البليغة التي انتهى كثير منها ببتر أحد الأطراف أو أكثر، خصوصًا بين الأطفال والشباب، حيث تحوّلت غرف العمليات في المستشفيات إلى ساحات لاتخاذ قرارات مصيرية بين إنقاذ حياة المصاب أو فقدانه أحد أطرافه، في ظل نقص حاد في المعدات الطبية والأدوية وأدوات الجراحة والتأهيل.

ويجد آلاف المصابين أنفسهم أمام واقع جديد يفرض عليهم التكيف مع إعاقات دائمة، في وقت تعاني فيه المستشفيات من عجز كبير في خدمات إعادة التأهيل والعلاج الطبيعي، فضلًا عن محدودية توفر الأطراف الصناعية اللازمة لإعادة دمج المصابين في حياتهم اليومية.

وتسبب الاستهداف العسكري والحصار الشامل في خروج مراكز الأطراف الصناعية عن الخدمة أو تراجع عملها بشكل شبه كامل، من بينها مركز الأطراف الصناعية والشلل التابع لبلدية غزة ومستشفى حمد للتأهيل والأطراف الصناعية، ما أدى إلى حرمان آلاف الجرحى من خدمات التأهيل والأطراف التعويضية، في ظل نقص حاد في المواد الخام والإمدادات الطبية.

ووفق تقديرات وزارة الصحة في غزة ومنظمة الصحة العالمية، يُقدّر عدد مبتوري الأطراف في القطاع أكثر من 5,000 حالة، في أعلى معدل يُسجل عالميًا، كما قدّرت المنظمة أن ما يصل إلى 17,500 شخص من البالغين والأطفال أصيبوا بإصابات بالغة في الأطراف ويحتاجون إلى إعادة تأهيل طويل الأمد.

وتشير بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) إلى أنّ أكثر من ألف طفل في غزة أصبحوا مبتوري الأطراف منذ بدء الحرب، ما يجعلها واحدة من أكبر أزمات الإعاقة الحركية بين الأطفال في التاريخ الحديث، مع تحذيرات من آثار طويلة الأمد على جيل كامل.

انتهاك الحق في الصحة

من منظور حقوقي، يُشكّل هذا الوضع انتهاكًا مباشرًا للحق في الصحة، المكفول بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وكذلك انتهاكًا للحق في التأهيل والعيش الكريم المنصوص عليه في اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، ولا سيما ما يتعلق بضمان الوصول إلى خدمات إعادة التأهيل دون تمييز أو عوائق.

ويحرم استمرار إغلاق المعابر وتقييد حركة المرضى آلاف الجرحى من الوصول إلى علاج متخصص أو أطراف صناعية خارج قطاع غزة، ما يؤدي إلى ترسيخ الإعاقة وتحويلها من حالة طارئة قابلة للعلاج أو التخفيف إلى حالة دائمة، رغم أنها كانت قابلة للحد من تداعياتها في ظروف صحية طبيعية.

وفي هذا السياق، يقول الدكتور إياد الكرنز، في تقرير أعدّه للهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، إن الإعاقات المكتسبة في قطاع غزة، ولا سيما حالات البتر، ليست مجرد نتيجة مباشرة للإصابة، بل هي حصيلة مسار عنف مركّب أسهم في إنتاج الإعاقة وتراكمها، في سياق حرب تداخلت فيها إصابات واسعة النطاق مع بيئة صحية مقيدة، ما قوض فرص النجاة والتعافي.

ويوضح الكرنز، في حديثه مع موقع “صفر”، أنّ أربعة عوامل رئيسية أسهمت في تفاقم حالات البتر، تتمثل في: الاستهداف المباشر من قبل إسرائيل باستخدام أسلحة تُحدث إصابات في الأطراف، وانهيار النظام الصحي وغياب التدخل الجراحي العاجل والمضادات الحيوية، واستمرار الحصار ومنع إدخال الأطراف الصناعية بذريعة “الاستخدام المزدوج”، إضافة إلى النزوح القسري المتكرر، الذي أدى إلى فقدان الأشخاص ذوي الإعاقة أدواتهم المساعدة وتدهور بيئات التعافي.

وبحسب الكرنز، فقد ارتفعت نسبة الإعاقة في قطاع غزة بنحو 70% مقارنة بما قبل 7 أكتوبر، لتصل إلى نحو 99,000 حالة إعاقة، من بينها 41,844 حالة إعاقة جديدة ومكتسبة، يشكّل النساء والأطفال نحو 70% منها، كما سُجّلت نحو 21,760 إصابة خطيرة في الأطراف تتطلب تأهيلًا طويل الأمد، إلى جانب 5,020 حالة بتر أطراف.

ويدعو الكرنز إلى ضرورة الرفع الفوري للقيود المفروضة على القطاع، وإدخال الأطراف الصناعية والكراسي المتحركة ومواد التصنيع دون قيود، وإخراجها من قوائم “الاستخدام المزدوج”، إلى جانب تسريع تحويل أكثر من 20 ألف جريح ومبتور للعلاج خارج القطاع بشكل عاجل.

ويطالب الكرنز بدمج قضايا الإعاقة ضمن برامج الإغاثة الإنسانية، وضمان أولوية وصول مبتوري الأطراف إلى المساعدات الغذائية لتجنب تفاقم سوء التغذية وتأثيره على التئام الجروح، إضافة إلى إعادة تأهيل ما يقارب 80% من مراكز العلاج الطبيعي المدمرة، وتوفير طواقم دولية متخصصة لدعم النظام الصحي.

ويشدد على أهمية توثيق الانتهاكات المرتكبة بحق الأشخاص ذوي الإعاقة ومبتوري الأطراف تمهيدًا لمساءلة قانونية دولية، إلى جانب توفير خدمات دعم نفسي متخصص للجرحى وعائلاتهم، وتأهيل الكوادر الطبية للتعامل مع الضغوط النفسية الناتجة عن البتر.

ويوصي بإنشاء مراكز إيواء تراعي احتياجات ذوي الإعاقة، وتوفّر الحماية للنساء والفتيات المبتورات من مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي والتهميش، بما يضمن الحد الأدنى من الكرامة والحماية في ظل الظروف الإنسانية القاسية.

ارتفاع معدلات إصابات الأطراف

بدوره، يوضح مدير وحدة العلاج الطبيعي والتأهيل في وزارة الصحة في قطاع غزة، الطبيب سامي أبو عويمر، لموقع “صفر”، أنّ استخدام إسرائيل أسلحة شديدة الانفجار، ودفن المصابين تحت الركام لفترات طويلة، ساهم في تهتك العظام والأنسجة، ما جعل عمليات إنقاذ الأطراف صعبة وأدى إلى ارتفاع معدلات البتر نتيجة الالتهابات أو النزيف أو تلف الأنسجة.

ويشير أبو عويمر إلى أنّ بتر الأطراف في غزة لا يرتبط فقط بشدة الإصابة، بل أيضًا بانهيار النظام الصحي، ونقص الجراحات العاجلة والمضادات الحيوية، وصعوبة الإخلاء الطبي خارج القطاع، ما يحوّل إصابات كان يمكن علاجها إلى إعاقات دائمة.

وتعاني مراكز التأهيل والأطراف الصناعية من شلل شبه كامل بسبب الحصار، ونقص المواد الخام مثل الجبس والمفاصل الصناعية وجرابات السيليكون، إلى جانب منع إدخال مستلزمات الأطراف العلوية، ما يحد من القدرة الإنتاجية للمراكز ويؤخر الاستجابة للحالات الحرجة.

وتعمل عدة مراكز بشكل جزئي مثل مركز الأطراف الصناعية التابع لبلدية غزة، الذي استأنف عمله بتمويل محدود، إلى جانب مستشفى حمد ومؤسسات دولية تقدم خدمات تأهيلية، إلا أن هذه الجهود تبقى غير كافية أمام حجم الكارثة.

وتشير بيانات محلية إلى أن نسبة الأطفال من بين مبتوري الأطراف تتراوح بين 15% و20%، في حين تؤكد تقارير أممية أن الأطفال يشكلون نحو 70% من المصابين بإعاقات مكتسبة، ما يعكس حجم التأثير الإنساني العميق على الفئات الأكثر ضعفًا.

وأفادت منظمة الصحة العالمية بأنّ واحدًا من كل أربعة جرحى في غزة يعاني إصابة ستغير حياته بشكل دائم، في ظل عجز كبير في خدمات إعادة التأهيل والدعم النفسي والاجتماعي.

ويحذّر مختصون من أن استمرار هذا الوضع دون تدخل عاجل سيؤدي إلى تفاقم أزمة الإعاقة وتحولها إلى أزمة مزمنة، خاصة مع صعوبة السفر للعلاج أو الحصول على أطراف صناعية خارج القطاع بسبب إغلاق المعابر.

اضطرابات نفسية واسعة

وعلى الصعيد النفسي، يعاني المصابون من اضطرابات ما بعد الصدمة والاكتئاب، والقلق، وفقدان الثقة بالنفس، إضافة إلى العزلة الاجتماعية وصعوبة التكيف مع الإعاقة، خصوصًا بين الأطفال الذين يواجهون تغيّرات جذرية في حياتهم اليومية والتعليمية والاجتماعية.

وتؤكد الأخصائية النفسية والاجتماعية صابرين الشاعر، أنّ الأطفال المبتورين يواجهون صعوبات مضاعفة، تشمل الخوف المستمر، والانفصال عن الحياة الطبيعية، واضطرابات سلوكية ناتجة عن الصدمة والنزوح وفقدان أفراد من العائلة.

يمثل هذا الواقع انتهاكًا للحق في الصحة وإعادة التأهيل المكفول في القوانين الدولية، بما في ذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية واتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.

وتحذّر الشاعر من أن استمرار القيود على إدخال المعدات الطبية والأطراف الصناعية، ومنع التحويلات الطبية، يكرّس الإعاقة كحالة دائمة كان يمكن التخفيف من آثارها في ظروف طبيعية.

وتتزايد الدعوات إلى تدخل دولي عاجل لضمان إدخال المستلزمات الطبية والتأهيلية، ودعم المراكز المتخصصة، وتوفير برامج علاج نفسي واجتماعي، باعتبار ذلك استحقاقًا إنسانيًا وقانونيًا لإنقاذ حياة آلاف المصابين وتحسين جودة حياتهم.

شهد قطاع غزة ارتفاعًا غير مسبوق في حالات بتر الأطراف والإصابات الحركية نتيجة استمرار الحرب، ما يضع مراكز التأهيل أمام ضغط كبير في ظل حصار وانهيار صحي واسع.

عجز أمام تزايد الحالات

ووفقًا للمتحدث باسم لبلدية غزة حسني مهنا، فقد ارتفع عدد مراجعي “مركز الأطراف الصناعية والشلل” من 20–30 حالة يوميًا قبل الحرب إلى 70–80 حالة حاليًا، مع استقبال نحو 1300 حالة بتر و500 حالة شلل وإصابات دماغية وحبل شوكي منذ بداية الحرب.

ويؤكد مهنا لـ”صفر” أنّه رغم نجاح المركز في تقديم تأهيل أولي لنحو 80% من الحالات، إلا أنّ تصنيع الأطراف الصناعية يواجه عراقيل حادة بسبب نقص المواد الخام وقيود إدخالها، خصوصًا الجبس ومكونات الأطراف الصناعية والأجهزة التقويمية.

وتعاني المراكز التأهيلية الأخرى في القطاع من التحديات نفسها، نتيجة إغلاق المعابر ونقص المستلزمات، ما يحدّ من قدرتها على الاستجابة للحالات المتزايدة، بحسب مهنا.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print