أظهرت النقاشات داخل مجلس حقوق الإنسان في دورته الـ62 المنعقدة في جنيف، انقساماً واضحاً بين الدول بشأن حدود تنظيم حرية التعبير في الفضاء الرقمي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالأمن الوطني، والسيادة، ومكافحة التضليل، وخطاب الكراهية، ودور شركات التكنولوجيا الكبرى.
وبينما شددت دول أوروبية وكندا والمملكة المتحدة على ضرورة حماية الأصوات المعارضة والمجتمع المدني والإعلام المستقل من الرقابة والمراقبة، ركّزت دول مثل الصين وروسيا والهند ونيجيريا على ضرورة احترام السيادة الوطنية، ومراعاة الأمن الوطني والنظام العام، ورفض ما تعتبره تسييساً لملف حرية التعبير أو استخدامه للتدخل في الشؤون الداخلية.
وأكدت الهند أن حرية التعبير ليست حقاً مطلقاً، وأنها تخضع لقيود مشروعة تتعلق بمكافحة المعلومات المضللة، واستغلال الأطفال، والجريمة السيبرانية، كما شددت على أن إطارها الدستوري والقانوني يضمن حرية التعبير، وأن توصيف إجراءاتها التنظيمية باعتبارها رقابة لا يعكس، وفق موقفها، طبيعتها القانونية والمؤسسية.
معلومات مضللة ومفبركة
من جهتها، رفضت الصين ما ورد في تقرير المقررة الخاصة بشأن قانون الأمن الوطني في هونغ كونغ، واعتبرت ذلك اعتماداً على معلومات مضللة ومفبركة، كما انتقدت ما وصفته بازدواجية المعايير من جانب بعض الدول التي تستخدم حرية الإعلام والصحافة كمنصة لمهاجمة الصين، داعية إلى عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول تحت ذريعة حرية التعبير.
أما روسيا فقد ركزت على اتهام المنصات الرقمية التي تسيطر عليها الولايات المتحدة بممارسة رقابة سياسية ضد المحتوى الروسي، كما وجهت انتقادات إلى دول البلطيق بشأن أوضاع الناطقين بالروسية.
وفي مداخلة أخرى، ركّزت روسيا على خطاب الكراهية ضد المسلمين والمهاجرين والأقليات، وعلى ما وصفته بازدواجية المعايير في التعامل مع حرية التعبير.
ويكشف هذا الانقسام أن حرية التعبير أصبحت ملفاً تتقاطع فيه الحقوق مع السياسة الدولية، فالسؤال لم يعد فقط: كيف نحمي حرية التعبير؟ بل أيضاً: من يحدد حدودها؟ ومن يراقب المنصات؟ وكيف نمنع استخدام التنظيم الرقمي كأداة للرقابة أو كساحة للصراع السياسي بين الدول؟
